امرأة فقيرة ذات عائلة صغيرة، اتصلت على الإذاعة وطلبت من الله أن يساعدها ويفرّج عنها، في الجانب الآخر سمع رجل ملحد كلامها وفكر أن يلعب بعقيدتها ويستهزئ بها، حصل على عنوانها وأمر السكرتير أن يشتري مواد غذائية ومستلزمات عيش أخرى، ويأخذها الى ذلك العنوان وطلب منه أن يتذكر جيدا عندما تفتح المرأة الباب وتَسْأل من المرسل؟ فعليه أن يقول لها:

- هذا عمل الشيطان فهو من أرسل إليك هذه الأطعمة.

عندما وصل السكرتير الى ذلك العنوان وطرق الباب، فتحت المرأةُ الباب وفي وجهها فرحة لا توصف مما رأت أمام عينيها، أخذت الأطعمة وبدأت تشكر الله ودخلت الى بيتها، تعجب السكرتير من فرحتها، كما أنها لم تسأل عن المرسل، فقال لها السكرتير:

- ألا ترغبين أن تعرفي من أرسل لك هذه الأشياء؟.

فقالت:

- لا يهم فعندما يريد الله أن يفعل شيئا حتى الشيطان سوف يخضع لأمره!.

قال تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ).

كل شخص فوق هذه المعمورة يؤمن بطريقة أو أخرى بأن هناك قدرات خارقة تكون فوق العادة، وهناك من يتفوق بقدرته على قدرات الإنسان الضعيفة، ويوجد منجٍ باستطاعته أن يخلص الإنسان من اللحظات العصيبة التي لا يمكن لأي أحد أن يساعده فيها أحد من البشر، ولكن تختلف طريقة التسمية وكيفية الإيمان بهذه القدرات العظيمة، وتتعدد المسميات بين الفِرق المختلفة، ولكن الجميع يعرف بأن هناك قوى تفوق القدرات البشرية كلها ويعرف في تلك اللحظات التي ينقطع فيها حبل التواصل مع الآخرين، هناك من هو متصل على الدوام، ويسمع صوت الناس حتى وان لم يبُحْ أي واحد منهم بحرف، تُرى من ينجي الإنسان من الغرق في البحر الهائج، أو يخرجهُ من تحت أطنان التراب بعد أيام من زلزال موحش، ويعود الى الحياة بعد ايام من عدم الإحساس بما يجري حوله وهو تحت الأنقاض أو في أيام الغيبوبة بقسم الإنعاش؟.

وكلما كان الإيمان بهذه القدرة الهائلة أكثر تكون الحياة أجمل، فهناك من يفوق بقدرته قدرتنا، ويستطيع أن يدبر الأمور بأجمل صورة ويغير العالم ويحقق لنا المستحيل بـ كن فيكون....

وعندما أراد أخوة يوسف أن يأخذوه معهم، قال يعقوب:

- أخاف أن يأكله الذئب.

عندئذ لم يفقد يوسف فحسب بل فقد معه عيناه ولكن عندما غيّر كلماته وقال:

- أفوّض أمري إلى الله.

فرجع له يوسف وأخوه وعيناه، فقد قال احد الصالحين لابنه:

- ألا أدلك على القوة التي لا تُغلَب؟ قال:

- بلى

قال:

- توكل على الله...

محاسن التوكل العديدة

التوكل على الله هو اعتماد القلب على الله تعالى في استجلاب المصالح ودفع المضار، ومعناه: تفويض الأمر لله، والاستعانة به في جميع الأمور، وربط الأشياء بمشيئته، وهو: صفة إيمانية، ويقين، وثقة، ويكون التوكل مقرونا بالسعي والحركة، وعند مبادئ الأمور، وفي سائر الأحوال.

ولا يتحقق معناه بغير عمل، فمن أراد الرزق أو النجاح بذل الجهد متوكلا على الله، وترك العمل تواكل مذموم.

قال الله تعالى: وَمَنْ يَتَوَكّلْ عَلَى اللّه فَهُو حَسْبُه.

فالنجاح لا يأتي من فراغ بل هناك أسباب ومسببات تولد من تلك الذرة الإيمانية التي غُرستْ في أعماقنا، لتنمو وتزيّن الأرض وما فيها وتصل الى السماء حيث القمة والتفوق.

الفرق بين التوكل والتواكل

التوكل لا يعني الإيمان بلا عمل، ولا يصحّ الدعاء دون حركة كما يظن البعض، فالتوكل يعني إيمان قوي في ثنايا الروح بأن هناك من يدبر أمر الإنسان، ويساعده مهما وجد صعوبات في طريقه ويسنده كي لا يركع أمام العوائق، هناك إيمان بأن الأمور تتهيّأ أمام الفرد بصورة غير متوقعة كي يفعل ما يريد، ولكن التواكل يُعرف على أنه ترك الأسباب بالتقاعس عن القيام بالأعمال، ومتابعتها بحجة الاتكال على الله أو على الآخرين في قضائها تكاسلا.

لذلك يجب أن يدرك الإنسان عليه الحركة لتأتيه البركة، إذاً التواكل يرتبط بصورة أو أخرى بالمسؤولية، وعندما يحاول كل شخص رمي المسؤولية على الآخرين ناسيا نفسه فهو شيء غير سليم، هذه هي فكرة وثقافة التواكل مع الأخذ بنظر الاعتبار أن حجم المسؤولية يختلف من جهة إلى أخرى، وكل شخص لديه مسؤولية خاصة حسب مكانته في المجتمع، لذلك يقول الرسول صلى الله عليه وآله: كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته.

لو يشعر الإنسان بالمسؤولية تجاه نفسه والآخرين سوف تصبح الأرض جنة بلا شك، فالشخص الذي يشعر بالمسؤولية تجاه نفسه يرغب أن يتطور ويحفظ نفسه عن الحرام والأخطاء ويرتقي عالياً، والذي يشعر بالمسؤولية تجاه الآخرين يهتم لأمرهم ويساعدهم في تخطي مشاكلهم، وهكذا إلى أن يُصبح العالم أجمل بكثير.

أهمية الأخذ بالأسباب

يقول الباري عزَّ وجل: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ.

إذاً لابد من تهيئة الأجواء لنزول البركات على الإنسان، فالتقوى تفتح أبواب الفرج وتُخرج الإنسان من الضيق والتوكل على الله يساعده على أنْ يكون من أغنى الناس، ولا يحتاج إلى أحد ولا يأتي أي شيء هباءً بل بعد التعب وإيجاد المستلزمات الأولية.

أمرنا الله تعالى أن نأخذ بالأسباب معتمدين عليه في كل الأمور، وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فالإنسان مأمور بطلب العلم والرزق، وغير ذلك، والسعي والحركة، والعمل قدر الإمكان بما يعود بالنفع عليه وعلى المجتمع والإنسانية جمعاء، فـ (إِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ).

وكلما كانت نوايا الشخص أحسن من غيره نرى الفيوضات الإلهية تحتويه من كل جانب، فالذي يتوكل على الله ويبدأ عمله، بلا شك أنه سيصل أسرع ممَّن يفكر في نفسه ويعظّمها بطريقة جنونية.

ماذا قالوا عن التوكل على الله

من اعتمد على سلطانه ذل. ومن اعتمد على عقله اختل. ومن اعتمد على علمه ضل. ومن اعتمد على الناس مل.

ومن اعتمد على الله فما قلَّ ولا ذلّ ولا اختلّ ولا ضلّ ولا ملّ.

فهو الكافِ والمشافِ والغني الذي لا يفتقر والرفيق الذي لا يترك رفيقه طرفة عين... فالتسليم لأمره مع الأخذ بالأسباب يعني اليأس عما في أيادي الناس.

وإذا أراد الله أن يفعل شيئا سوف يهيّئ الأجواء عندها، وحتى الشيطان سيخضع لأمره!.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1