علينا أن نختار بالعين والعقل، لا نغمض أحدهما ونترك الاخر توجهنا، فالعين ترى الجمال والأبداع لنتذوقه ونعيشه والعقل يوازن الحقائق لنتدبرها، فحين نبصر بهما ستتوازن رغبات القلب وشغف المشاعر، بالعين الباصرة والعقل المدرك نميز صفات الأشياء من حسنها وقبحها وكمالها ونقصانها وخيرها وشرها.

من بين انواع المشاعر التي تلازم العين لتتحسس الجمال والسحر والعقل ليوازن الحقائق بعدالة هو الشعور بالامتنان، والامتنان هو النظرة التي تجعلنا نلاحظ ونقيم النعم الموجودة حولنا، فتزيد حالة القبول والرضا بما منّ الله به علينا، ويبعدنا عن أزمة الروح وقلقها بما لم نحصل عليه وشحة النفس فنشعر بالغنى والبركة.

يقول العزيز في كتابه الكريم: (لأن شكرتم لأزيدنكم...)، والشكر هو احصاء نعم الله علينا ما صغر منها وما كبر، وتذكرها بكرة وعشيا، وحمد الخالق لجميع النعم التي حبانا اياها واكرمنا بها، عند المرض نفهم الامتنان للصحة وكيف كنا نتحرك ونعمل ونمارس نشاطاتنا دون ألم ومعاناة، وعند الكبر حين يضعف السمع و الرؤية او نفقدهما نعرف مدى اهمية صحة حواسنا وعملها بشكل يسير وسهل طوال هذه السنين، ولعلنا نقضي عمرنا كله دون الاحساس بالامتنان لهذه النعم وشكر الله عليها.

يقول الفيلسوف الألماني جورج سيمل: "الامتنان هو الذاكرة الاخلاقية للبشرية"، فهي تهذب الأرواح وتجعلها اكثر تقديرا ليس لعطايا ونعم الله فقط بل لعطاء الاخرين أيضا ومهما كانت بسيطة، ويعمل التقدير لصغائر الأمور وكبائرها على تطور وتعزز العلاقات من حولنا باستمرار ورقي.

ان عبارة (الحمد الله) التي نرد بها عند سؤالنا كيف حالك والتي اعتاد الكثير على قولها رغم كل الظروف التي تمر به، من افضل العادات التي يرددها اللسان، لأنها نوع من الامتنان المتمدد والمستمر لله سبحانه وتعالى، والذي يزيد من طاقة الرضا لتقوى ارواحنا من عطش رغبات الدنيا المتزاحمة دون ان نشعر.

يمثل أسلوب الحياة المبني على الامتنان اطار ثابت في مسارات الحياة واهدافها، ولأهمية مشاعر الامتنان على النفس البشرية كانت هناك دراسات كثيرة تكشف الفرق بين حياة وشخصية الشخص الممتن وغير المهتم بهذه المشاعر ومن بين مجموعة نتائج الدراسات كشفت التناغم الإيجابي والسيطرة على السلبية في افعال من يمارس ويطور هذه المشاعر، اثبتت احدى الدراسات ان الاشخاص الممتنين أكثر فائدة وإيثاراً و رأفة كما ان المتنين هم اشخاص يتميزون بالتسامح وهي من اروع الصفات البشرية.

ليس هذا فقط وكما تشير الدراسات فهم لا يعانون القلق وينامون ساعات طويلة وصحية ويشعرون بالنشاط أكثر عند الاستيقاظ، كما أنه يعزز مشاعر التفاؤل والفرح والمتعة والحماس والمشاعر الإيجابية الأخرى، ويعيشون بشكل أفضل ويواجهون مستوى أقل من هرمون الإجهاد والتوتر ويعيشون بشعورٍ من الرضا عن حياتهم، وعليه ما يوصون به هو "إذا كنت ترغب في النوم بشكل أكثر صحة، فعُدَّ النعم التي لديك وليس الخراف".

اضف تعليق