في كل عام جديد يجب أن يبدأ الإنسان رحلة جديدة وانطلاقه جديدة في الحياة، وأن يحمد الله سبحانه وتعالى ويشكره على ما أنعم عليه من نعم كثيرة، ومنها: أن أبقاه حياً في هذه الدنيا، وأتاح له فرصة أخرى لتغيير ذاته وتطوير شخصيته نحو الأفضل والأحسن، فالتغيير الجوهري إنما يبدأ من النفس كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾[1]، لأن النفس هي المحرك والباعث للحياة، وأما تغيير الشكليات دون تغيير الجوهر فلا يغير ماهية الإنسان وحقيقته.

فلو غيّر الإنسان لباسه وسيارته وهاتفه وأثاث منزله وطريقة مأكله ومشربه ولكن بقي هو دون أي تغيير فلن يتغير أي شيء في جوهره ونمط تفكيره ونظرته للحياة والكون، وإنما كل الذي غيّره هو الجانب الشكلي من حياته دون المساس بتغيير داخله، وهو منطلق التغيير وأساسه.

والإنسان حتى يتغير نحو الأفضل بحاجة إلى المراجعة والتقويم والنقد الذاتي والتفكير في ماضي الأيام وأخطائها، لاستخلاص النتائج وأخذ العبر والدروس، والتصميم على التغيير الحقيقي، والعزم على حذف الأخطاء القديمة، والبدء بصفحة جديدة خالية من العيوب والذنوب والمعاصي والمحرمات.

إن الإنسان يعيش معارك متعددة في الحياة من أجل البقاء والصمود والاستمرار والنجاح، وأول هذه المعارك معركته الشديدة مع نفسه، في مصارعة أهوائه وغرائزه وشهواته، فإن هو انتصر عليها بمغالبتها ومحاربتها ومجاهدتها فقد ربح الدنيا والآخرة، ولذا روي عن الإمام علي عليه السلام: «اعلَموا أنَّ الجِهادَ الأكْبَرَ جِهادُ النَّفْسِ، فاشْتَغِلوا بجِهادِ أنْفُسِكُم تَسْعَدوا»[2]، وعنه عليه السلام قال: «رَحِمَ اللَّهُ امرأً غالَبَ الهَوى‏، وأفلَتَ مِن حَبائلِ الدُّنيا»[3]، وأما من غلبه هواه فقد خسر نفسه وأفسد آخرته، لقول الإمام علي عليه السلام: «غَلَبَةُ الهَوى‏ تُفسِدُ الدِّينَ والعَقلَ»[4]، وعنه عليه السلام قال: «مَن غَلَبَت علَيهِ شَهوَتُهُ لَم تَسلَمْ نَفسُهُ»[5] .

وحتى يتغلب الإنسان على شهواته عليه أن يحاسب نفسه، ويروضها على التقوى والورع عن محارم الله، فقد ورد عن الإمام عليّ عليه السلام: «مَنِ استَدامَ رِياضَةَ نفسِهِ انتَفَعَ»[6]، وعنه عليه السلام قال: «إنّما هِي نَفسِي أرُوضُها بِالتَّقوى‏ لِتَأتِيَ آمِنَةً يَومَ الخَوفِ الأكبَرِ، وتَثبُتَ على‏ جَوانِبِ المَزلَقِ»[7] .

والمعركة الثانية للإنسان هي معركته مع الزمن، فحركة الزمن لا تتوقف وإن توقف هو عن الحركة والعمل والعطاء، والليل والنهار في حركة مستمرة ودائبة، يقول تعالى: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِي الْأَبْصَارِ﴾[8] وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾[9]، فالعام الجديد مناسبة للاتعاظ والاعتبار، وفرصة لشكر الله تعالى وحمده على نعمه الكثيرة.

وعلى العاقل أن يبدأ عامه الجديد باغتنام ما بقي من العمر واستثمار الزمن، ووضع خطة لإنجاز الأعمال الصالحة في أسرع وقت قبل أن ينفد ما بقي له من وقت في هذه الدنيا، فعمر الإنسان محدود، والوقت هو الحياة، ولذا يجب استثماره وتوظيفه في الإتيان بالطاعات وفعل الخيرات والمبرات.

وقد استفاضت النصوص الدينية في الحث على اغتنام العمر واستثمار الوقت، فقد روي عن رسول اللَّهِ صلى الله عليه وآله أنه قال: «كُنْ عَلى‏ عُمرِكَ أشَحَّ مِنكَ عَلى‏ دِرهَمِكَ ودينارِكَ»[10]، وعنه صلى الله عليه وآله قال: «إنَّ العُمرَ مَحدودٌ لَن يَتَجاوَزَ أحَدٌ ماقُدِّرَ لَهُ، فبادِروا قَبلَ نَفاذِ الأجَلِ»[11]، وعن الإمام عليّ عليه السلام قال: «العُمرُ أنفاسٌ مُعَدَّدَةٌ»[12]، وعنه عليه السلام قال: «إنَّ ماضي عُمرِكَ أجَلٌ، وآتيهِ أمَلٌ، والوَقتُ عَمَلٌ»[13]، وعنه عليه السلام قال: «إنَّ اللَّيلَ والنَّهارَ يَعمَلانِ فيكَ فَاعمَل فيهِما، ويَأخُذانِ مِنكَ فخُذْ مِنهُما»[14] .

وعندما يصل الإنسان إلى مرحلة الشيخوخة كالستين والسبعين وما زاد عن ذلك يكون عمره حجة عليه، وعليه تدارك ما يمكن تداركه، والاستعداد للرحيل في أي وقت، وكتابة وصيته، والإيصاء بأفعال الخير من ثلث ماله لتكون له صدقة جارية، فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: «ما بَينَ السِّتّينَ إلَى السَّبعينَ مُعتَرَكُ المَنايا»[15]، وعنه صلى الله عليه وآله قال: «أبناءَ الأربَعينَ زَرعٌ قَد دَنا حَصادُه. أبناءَ الخَمسينَ، ماذا قَدَّمتُم وماذا أخَّرتُم؟! أبناءَ السِّتّينَ، هَلُمّوا إلَى الحِسابِ لا عُذرَ لَكُم. أبناءَ السَّبعينَ، عُدُّوا أنفُسَكُم مِنَ المَوتى‏!»[16] .

وروي عن الإمام الصادق عليه السلام قال: «إذا بَلَغتَ سِتّينَ سَنَةً فَاحسَبْ‏ نَفسَكَ فِي المَوتى»[17] ‏.

والمعركة الثالثة للإنسان في العام الجديد معركته مع الأمراض والأوبئة، فدائماً الإنسان في معركة مستمرة مع الأمراض والأوبئة منذ قديم الزمان من أجل البقاء، وبالرغم من تطور الطب الحديث، واستطاعته بالفعل التغلب على كثير من الأمراض والأوبئة التي كان يعاني منها الإنسان، ولكنه لم يتغلب على كل الأمراض والأوبئة، وقد رأينا في العام المنصرم 2020م كيف استطاع (فيروس كورونا) الذي لا يرى بالعين المجردة أن يقضي على مئات الآلاف من البشر في العالم، وأن يصيب الملايين، وأن يشل حركة الأعمال والاقتصاد في جميع أنحاء العالم، ولا زال العالم يعاني منه ومن آثاره وتداعياته، وقد بذل الأطباء والعلماء جهوداً حثيثة للانتصار عليه، وقد بدأ الأمل بالقضاء عليه باكتشاف اللقاحات المضادة له، ولكن هذا لا يعني نهاية الأوبئة والأمراض، فمعركة الإنسان ستبقى مستمرة مع الأمراض المختلفة، تختفي أمراض لتظهر أمراض وأوبئة أخرى، وبعضها نتيجة المعاصي والذنوب والابتعاد عن الله تعالى، ويؤكد على ذلك ما روي عن رسول اللَّهِ صلى الله عليه وآله أنه قال: «لَم تَظهَرِ الفاحِشَةُ في‏ قَومٍ‏ قَطُّ حَتّى‏ يُعلِنوها إلّا ظَهَرَ فيهِمُ الطّاعونُ وَالأَوجاعُ الَّتي لَم تَكُن في أسلافِهِمُ الَّذينَ مَضَوا»[18] .

وهو ما يجب أن يحفز الإنسان إلى العودة إلى الله، والتوبة من الذنوب، وترك المحرمات والموبقات، والعمل وفق القوانين الطبيعية في الكون حتى يحافظ الإنسان على صحته وسلامته، فالصحة نعمة كبيرة، بل هي أفضل النعم، كما قال الإمامُ عليٌّ عليه السلام: «الصِّحَّةُ أفضَلُ النِّعَمِ»[19] .

نسأل الله تعالى أن يجعل عامنا الجديد عام خير وصحة وسلامة، وأن يجعل مستقبل أيامنا أفضل من ماضيها، وأن يختم حياتنا بخير، والحمد لله رب العالمين.

..................................
الهوامش:
[1] سورة الرعد: الآية 11.
[2] غرر الحكم: 11005.
[3] غرر الحكم: 5212.
[4] غرر الحكم: 6414.
[5] غرر الحكم: 8140.
[6] غرر الحكم: 8305.
[7] نهج البلاغة: الكتاب 45.
[8] سورة النور: الآية 44.
[9] سورة الفرقان: الآية 62.
[10] مكارم الأخلاق: 2/ 364/ 2661.
[11] أعلام الدين: 336/ 12.
[12] غرر الحكم: 535.
[13] غرر الحكم: 3462.
[14] غرر الحكم: 3705.
[15] معاني الأخبار: 402/ 66.
[16] جامع الأخبار: 330/ 926.
[17] جامع الأخبار: 330/ 925.
[18] ثواب الأعمال: ص 301 ح 2؛ السيرة النبويّة لابن هشام: ج 4 ص 280، حلية الأولياء: ج 8 ص 333، الفردوس: ج 5 ص 288 ح 8209.
[19] غرر الحكم: 1050.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2