إن الضرر الذي يحدث من جرَّاء إعطاء القائمين على صناعة الوقود الأحفوري الأولوية للأرباح على حساب حياة الإنسان سوف يدوم طويلًا بعد تقديم الاعتذارات وصدور الأحكام القضائية، ولذا يتعين على الأطباء الإكلينيكيين أن يدافعوا عن حياة مرضاهم المستقبليين وأن يضطلعوا بدورٍ أكبر في التعامل مع أزمات الصحة العامة التي ستنجُم عن التغيُّر المناخي...

بقلم ماثيو جيه ماير

أصدرت المحكمة العليا بالولايات المتحدة مؤخرًا حُكمًا في القضية المعروفة باسم «ولاية ويست فيرجينيا ضد وكالة حماية البيئة»، وقد أدى هذا الحكم إلى إضعاف قدرة الوكالة على فرض ضوابط على الانبعاثات الكربونية الناتجة عن محطات توليد الطاقة الكهربائية، كما يؤثر هذا الحكم تأثيرًا مباشرًا على سلطة الحكومة الفيدرالية فيما يتعلق بالرقابة على انبعاث المواد التي من شأنها أن تُلحق ضررًا بالشعب الأمريكي.

اعتادت وكالة حماية البيئة في السابق الاستعانة بقانون الهواء النظيف لمساعدة المرافق وشركات الطاقة في التحوُّل من توليد الكهرباء اعتمادًا على الوقود الأحفوري إلى مصادر أقل إنتاجًا للكربون، مثل طاقة الرياح أو الطاقة الشمسية، فاحتراق أنواع الوقود الأحفوري، مثل الفحم، والنفط، والغاز الطبيعي، يُلحق ضررًا مباشرًا بصحة الإنسان؛ لأنه يستنشق الجسيمات الدقيقة الناتجة عن عملية الاحتراق والتي تدخل إلى رئتيه، كما أن هذا الاحتراق يُلحق ضررًا غير مباشر بالإنسان من خلال التغيُّر المناخي.

بمقدورنا قياس مدى تأثير التلوث الكربوني على الصحة العامة من خلال مقياس يُطلَق عليه تكلفة الخسائر في الأرواح، هذا المقياس يُقدِّر عدد أطنان الكربون التي تؤدي عند إطلاقها في الجو إلى حدوث حالة وفاة واحدة كان يمكن تفاديها لولا تلك الانبعاثات، وتُحسَب هذه التكلفة عبر استخدام نموذج مناخي وتحليل تأثير انبعاثات الكربون بمرور الوقت على وفيات البشر، ويمكن استخدام هذا المقياس في الرصد الكمي للتأثير الذي يشمل حياة الإنسان من جرَّاء اتخاذ خياراتٍ تؤدي إلى انبعاث الكربون.

ففي مقابل كل 4434 طنًّا من انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون، يُتوقع حدوث حالة وفاة واحدة، وقد استعنتُ ببيانات وكالة معلومات الطاقة الأمريكية المتعلقة بانبعاثات الكربون الناتجة عن توليد الكهرباء بالاستعانة بالفحم في الولايات المتحدة، فتوصَّلتُ إلى تقديراتٍ تتنبأ بحدوث 200 حالة وفاة سنويًّا إذا استمرت الولايات المتحدة في توليد الطاقة باستخدام الفحم دون اللجوء إلى البدائل التي لا يَنتُج عنها غاز ثاني أكسيد الكربون.

بوصفي أحد أطباء الرعاية المُركَّزة، قد أقضي أسابيع مشغولًا بمحاولة إنقاذ حياة شخصٍ واحد، ولذا فإنني أرى أن إنقاذ حياة 200 ألف شخصٍ سنويًّا فرصةٌ لا تُقدَّر بثمن؛ فهذا أشبه بتفادي حدوث جميع حالات الوفاة الناجمة عن مرض ألزهايمر والأنفلونزا في الولايات المتحدة طيلة عامٍ كامل، كان بمقدور المحكمة العليا إصدار حكم من شأنه أن يُحدِث تأثيرًا إيجابيًّا هائلًا على صحة الإنسان، لكن أغلبية القضاة الذين نظروا في هذه القضية قرَّروا عكس ذلك.

يبدو لي أن المحكمة العليا قد قلَّصت من قدرة الحكومة الفيدرالية على حماية صحة مواطنيها، فقد صار لزامًا على الأطباء الإكلينيكيين التحدث جهارًا نيابةً عن مرضاهم.

فمثلما اضطلع الأطباء السريريون بدورٍ مهم في التعامل مع اثنتين من أزمات الصحة العامة، وهما أزمة التبغ وأزمة سوء استعمال المواد الأفيونية، يتعين عليهم الإسهام بدورٍ أكبر في التعامل مع أزمات الصحة العامة التي يُنذر التغيُّر المناخي بقرب حدوثها والتي يُحدِثها التلوث في الوقت الحالي؛ فالأطباء الإكلينيكيون يتمتعون بأصواتٍ قوية ومؤثرة، كما أنهم مُسلَّحون بالعلم والأدلة البحثية، وهي عوامل تُسهِم مجتمعةً في دعم مزاعمهم وآرائهم، وتلك الأصوات قادرةٌ على أن تعلو فوق ضجيج التسويق، وممارسات جماعات الضغط، وأرباح حملة الأسهم كي تتحدث بالنيابة عن النشء والمرضى والفقراء الذين سيتضرَّرون قبل غيرهم بتبعات التغيُّر المناخي.

من المعلوم أن عملية احتراق أنواع الوقود الأحفوري -مثل الفحم والغاز والديزل- تُطلِق جسيماتٍ دقيقة (تُصنف وفق حجمها إلى نوعين PM2.5 وPM10) التي بمجرد أن تَعلق في الهواء، يمكن أن يستنشقها الإنسان فتصل إلى رئتيه، وبوجهٍ عام، تمكث الجسيمات الأكبر حجمًا (PM10) في مجرى الهواء العلوي، فتتسبَّب في حدوث التهاب وتهيُّج، وهو ما قد يؤدي إلى الإصابة بداء الانسداد الرئوي المزمن أو إلى تفاقُم حالات الإصابة بالربو، وفيما يتعلق بالجسيمات الأصغر حجمًا، فإنها قد تصل عبر الاستنشاق إلى مجرى الهواء السفلي، بل قد تُمتَّص في مجرى الدم، ويرتبط التعرُّض لجسيمات PM2.5 بزيادة معدلات الإصابة بالكثير من الأمراض المختلفة، ومنها النوبات القلبية، والسكتات القلبية، والسكتات الدماغية، وجلطات الدم، وسرطان الرئة، ومرض باركنسون، وتجدُر الإشارة إلى أن استنشاق انبعاثات الوقود الأحفوري يُسهِم في حدوث 10 ملايين حالة وفاة مبكرة كل عامٍ على مستوى العالم.

وإضافةً إلى ذلك، يتسبَّب احتراق الوقود الأحفوري في إلحاق الضرر بحياة الإنسان عبر إسهامه في ظاهرة التغيُّر المناخي؛ إذ يرتبط التغيُّر المناخي باعتلالاتٍ تؤثر على معظم أجهزة الجسم، وعلى الصحة العقلية، بل يمتد تأثيرها إلى صحة الرضع حديثي الولادة، وعند حساب تكلفة الخسائر في الأرواح التي تنجم عن انبعاث 33 مليار طن من غاز ثاني أكسيد الكربون سنويًّا من جرَّاء احتراق النفط والغاز الطبيعي والفحم، سنجد أنها تُقدَّر بـ7.4 ملايين حالة وفاة.

أدرك القائمون على صناعة الوقود الأحفوري منذ ستينيات القرن العشرين ارتباط الانبعاثات الناتجة عن هذا النوع من الوقود بالضرر الذي يلحق بالصحة العامة عالميًّا، وفي تسعينيات القرن ذاته، سعوا إلى نزع صفة الشرعية عن علم المناخ، فشكَّلوا "فريق علم المناخ العالمي" بقصد تقويض الجهود الرقابية التي ينصبُّ تركيزها على المناخ، وتجدُر الإشارة إلى أن الرسائل التي نشرها "فريق علم المناخ العالمي" حملت تناقضًا صريحًا مع رسائل علماء المناخ العالمي الفعليين، آنذاك وفي الوقت الحالي.

تكلَّلت الجهود التي بذلها القائمون على صناعة الوقود الأحفوري بنجاحٍ كبير في الطعن في حقيقة أزمة الصحة العامة الناجمة عن التغيُّر المناخي في الولايات المتحدة إلى حدِّ حذف مصطلح "التغيُّر المناخي" من بعض الوثائق الفيدرالية، ولا تزال تلك الجهود باقية الأثر؛ فرغم أن التغيُّر المناخي ورد وصفه فيما يزيد على 200 دورية طبية بأنه الأزمة الأكثر إلحاحًا في مجال الصحة العامة العالمية في القرن الحالي، لم تتجاوز المُخصَّصاتُ المالية للأبحاث التي تتناول تأثيرات التغيُّر المناخي على الصحة في عام 2021 مبلغًا قدره 23 مليون دولار أمريكي (ما يعادل 0.05% من إجمالي ميزانية معاهد الصحة الوطنية الأمريكية).

تُعدُّ ولاية ويست فيرجينيا هي الثانية في ترتيب أكبر الولايات الأمريكية إنتاجًا للفحم، ويعمل فيها قرابة 11 ألفًا من عمال مناجم الفحم، وبات من المؤكد إلى حدٍّ كبير أن الحكم الذي أصدرته المحكمة العليا من شأنه أن يُطيل أمد استخدام الفحم في توليد الكهرباء بالولايات المتحدة، وهو ما سيؤدي بدوره إلى إطالة أمد التنقيب عن الفحم، وهنا تجدُر الإشارة إلى أن استخراج الفحم يرتبط بإيداع مرضى يعانون من الربو المستشفيات، وبإصدار أغلبية القضاة حكمًا لصالح الفحم، يكونون بذلك قد أصدروا حكمًا ضد نسبةٍ تُقدَّر بـ12.4% (175,011 فردًا) من البالغين الذين يعانون من الربو في ولاية ويست فيرجينيا، وهي النسبة الأعلى للإصابة بالربو على مستوى الولايات الأمريكية.

أتولى رعاية مرضى من ولاية ويست فيرجينيا، ومن واقع عملي طبيبَ تخديرٍ، أعرف أن مرض الربو وما يرتبط به من مُضاعفات قد يُحوِّلان عمليةً جراحيةً روتينية إلى عمليةٍ محفوفة بالمخاطر، ولكوني طبيبًا، لا يمكنني أن أقف مكتوف الأيدي وأنا أرى مرضاي يعانون بسبب احتراق الوقود الأحفوري، لذا يتطلب الأمر تقليل انبعاثات الوقود الأحفوري إلى أقل حدٍّ ممكن، صحيحٌ أنني أُصبتُ بحالةٍ من الإحباط بسبب الحكم الذي أصدرته المحكمة العليا، والذي من شأنه أن يُضعِف من قدرة الهيئات التنفيذية على حماية الصحة العامة، فإن التحركات الهادفة إلى تقليل انبعاثات الوقود الأحفوري إلى الحدود الدنيا لا بد أن تتواصل.

واليوم، من الممكن الربط بين انبعاثات الوقود الأحفوري وحدوث قرابة 17 مليون حالة وفاة، ويَعدِل هذا الرقم 25% من حالات الوفاة على مستوى العالم، ومن المتوقع أن يتفاقم الضررُ الناجم عن التغيُّر المناخي على مدار العقد القادم إذا لم يحدث انخفاضٌ ملحوظٌ في الانبعاثات.

إن الضرر الذي يحدث من جرَّاء إعطاء القائمين على صناعة الوقود الأحفوري الأولوية للأرباح على حساب حياة الإنسان سوف يدوم طويلًا بعد تقديم الاعتذارات وصدور الأحكام القضائية، ولذا يتعين على الأطباء الإكلينيكيين أن يدافعوا عن حياة مرضاهم المستقبليين من خلال تحرُّكهم لمواجهة المعلومات المُضلِّلة وتمكين المرضى والمواطنين والساسة والقضاة من إيلاء العناية الواجبة لأكثر حقٍّ مصون من حقوق الإنسان، وهو الحق في حياةٍ ينعم فيها المرء بالصحة والعافية.

اضف تعليق