في ظل تفاقم الأخطار والمشكلات البيئية التي أثرت سلبا على الحياة بشكل عام، يزداد الاهتمام الدولي ببعض المبادرات والمشاريع الخاصة الهادفة، الى خلق بيئة خضراء تهدف للحد من الآثار البيئية والمساعدة في مناخ صحي كما يقول بعض الخبراء، الذين اكدوا على ضرورة العمل من اجل تفعيل مثل هكذا مشاريع مهمة، هذا بالإضافة الى اعتماد خطط وإجراءات عاجلة تساعد في الحفاظ على الثروات والموارد الطبيعية، التي تضررت كثيرا بسبب التطور الصناعي المتسارع والحصول على مصادر الطاقة للطاقة، يضاف الى ذلك التجاوزات المتكررة والممارسات غير المشروعة التي يقوم بها البشر على الغابات والمناطق الزراعية، بهدف الحصول على بعض المنافع الشخصية، هذه المخاطر المتزايدة وبحسب بعض المراقبين ومع استمرار المطالبات ودعوات التي تقوم بها بعض المنظمات العالمية، التي تنادي باعتماد مصادر الطاقة المتجددة والنظيفة لمكافحة تغير وتلوث المناخ وإنقاذ كوكب الأرض من الدمار، دفعت بعض الدول والحكومات الى وضع برامج وإجراءات جديدة تهدف الى تعميم ثقافة الحفاظ على البيئة ومعالجة التحديات البيئية.

اشجار الارز

وفي هذا الشأن يضم المغرب اكبر مساحات من غابات الارز بين دول حوض البحر المتوسط، تمتد على 134 الف هكتار، وتسعى السلطات منذ سنوات لحماية هذه الثروة المهددة بفعل التغير المناخي والنشاط البشري. ومع ان شجر الارز الاطلسي يغطي مساحات واسعة من جبال المغرب، الا انه اقل شهرة من ارز لبنان الذي لم يبق منه الا الفي هكتار في "بلاد الارز". وفي المغرب، يعتبر الأرز "كنزا وطنيا"، فهو من جهة عامل جذب سياحي، ومن جهة أخرى هو مصدر رزق للرعاة وقطعانهم، كما أن خشب هذه الشجرة يحظى بتقدير كبير من قبل صانعي الخشب. وتقدمت الحكومة المغربية بطلب لتصنيف غابات الأرز في المملكة ضمن "محميات المحيط الحيوي" و"التراث العالمي"، وهو طلب ما زال قيد الدراسة.

وعلى مقربة من مدينة أزرو، في سلسلة جبال الأطلس الأوسط، حيث تم إحصاء أكبر مساحات هذه الأشجار، تنتصب وسط الغابات المترامية شجرة أرز ميتة يبلغ ارتفاعها 42 مترا وعمرها يقارب 900 سنة وتحمل اسم "غورو". وان كانت هذه الشجرة التي تحمل اسم ضابط فرنسي ابان فترة الاستعمار الفرنسي للمغرب، ترمز الى عظمة غابات الأرز في جبال الأطلس المغربي وتثير اعجاب عشاق السياحة الجبلية، الا انها تعكس أيضا الهشاشة التي تهدد هذا النوع النادر.

ويعلق بدر الدين، وهو شاب تونسي جاء ليزور مدينة ازرو بناء على نصيحة صديق "هنا سويسرا المغرب! انها جميلة حقا". وتجذب غابات الأرز المغربية السياح من محبي الجبال والطبيعة. ورغم اتساع المساحة والجذب السياحي، يعاني الأرز المغربي منذ سنوات الثمانينيات بسبب التأثيرات المناخية كالجفاف الذي ضرب المنطقة في الثمانينات ومطلع القرن الحالي، اضافة الى تأثيرات الأنشطة البشرية بشكل عام.

ويعتبر عبد الرحمن هومي، الامين العام للمندوبية السامية للمياه والغابات ومحاربة التصحر الحكومية ان "التهديد الحقيقي" الذي يحدق بغابات الأرز المغربية يتمثل أساسا في التغير المناخي. ويحذر هذا المسؤول الحكومي قائلا "اذا لم نفعل شيئا على المدى المتوسط والطويل، فإن انخفاض معدلات هطول الأمطار، وارتفاع درجات الحرارة والظواهر الطبيعية القوية مثل الفيضانات، ستتسبب في تغيير نطاق انتشار وتوزيع غابات الأرز".

ويوضح عبد الرحيم درو، دير المتنزه الوطني لمدينة افران (الأطلس المتوسط) الذي تم تأسيسه قبل عقد من الزمن لحماية مجمل النظام البيئي واعادة تشجير الغابات، ان "العجز المائي، إلى جانب استقرار قطعان الماشية، أدى إلى تراجع الأرز". وتحتضن المناطق التي يشملها المتنزه الوطني لمدينة افران أحد أكبر القطعان في المملكة مع حوالى 800 ألف رأس من الأغنام والأبقار والماعز.

ولأجل الحفاظ على هذا الكنز الوطني من تهديد القطعان، وضعت السلطات المسؤولة سياسية لإشراك السكان المحليين، تم من خلالها تحديد المناطق التي يمكن اعتمادها كمراع بعيدا عن الغابة، مع دفع تعويضات للرعاة بغرض شراء الأعلاف في أوقات ندرة أعشاب الرعي. ويقول أحد الرعاة من منطقة عين اللوح المحاذية لغابات الأرز "ان اختفت الغابة فإن كل شيء سيختفي، والناس هنا لا يدركون ذلك جيدا"، بل تدفعهم الظروف المعيشية احيانا الى سوء استغلال الغابة. بحسب فرانس برس.

واضافة الى تهديد المناخ والرعاة، يقتات قرد البابون المستوطن في الغابة على قشر أشجار الأرز، بسبب النقص الكبير في الكلأ الناجم عن الرعي المفرط، مما يضعف الاشجار ويؤدي الى موتها تدريجا. واضافة الى كل هذه المشكلات، تتعرض غابات الأرز الى قطع الأشجار بشكل غير قانوني لبيع خشبها في سوق يقدر فيها ثمن المتر المربع الواحد باربعة عشر الف درهم (1300 يورو). ويؤدي ذلك الى قطع اشجار عمرها مئات السنين لا يستفيد المهربون سوى من امتار قليلة منها لصعوبة نقلها كلها دون الوقوع في قبضة السلطات. ورغم انتشار ظاهرة قطع الاشجار بشكل غير قانوني، يؤكد عبد الرحمن هومي بلهجة مطمئنة ان هذه الظاهرة "لا تمثل سوى 10 هكتارات" من أصل أكثر من 130 ألف هكتار، وان السلطات تسهر على مطاردة قاطعي الاشجار بشكل غير قانوني.

طلاء العشب

من جانب اخر فالحرارة خانقة والارض جدباء والقانون الجديد يمنع الري كما في السابق إلا ان بعض سكان كاليفورنيا لا يسعهم التخلص من المساحات العشبية في حديقتهم بسبب الجفاف...فقرروا طلاءها باللون الاخضر. برشة بسيطة يستعيد العشب الجاف لونه الاخضر النضر تحت اعين اصحاب الحدائق المذهولين. هو نوع من تمويه بات يعتمده الكثير من سكان كاليفورنيا في جنوب غرب الولايات المتحدة حيث تسجل موجة جفاف غير مسبوقة منذ اربع سنوات.

هذا ما حصل مع بولا بيرسن. فمنذ اعلن حاكم الولاية الديموقراطي جيري براون في نيسان/ابريل اجراءات استثنائية للاقتصاد في استهلاك المياه، تخلت هذه المرأة التي تسكن ايسكونديدو قرب سان دييغو عن قساطل الري الخاصة بحديقتها. وكما كان متوقعا تحول عشب الحديقة سريعا الى اللون الاصفر. الا انها ارادت مواجهة هذا الوضع. فتروي قائلة "بالنسبة لي المساحة العشبية يجب ان تكون بالضرورة خضراء".

ضحكت بولا عندما سمعت للمرة الاولى عن امكانية طلي العشب المصفر باللون الاخضر. الا انها سرعان ما رأت انها قد تكون فكرة جيدة. المنازل البورجوازية مع مساحاتها من العشب الاخضر المطلة على الطريق فضلا عن حديقة خلفية اخرى في غالب الاحيان، تشكل جزءا لا يتجزأ من الثقافة الاميركية ومن المشهد في مدن الولايات المتحدة وتنتشر في الاف الضواحي والاحياء السكنية.

الاعتناء بالحديقة والمساحات العشبية فيها "يعكس شخصية مالك المنزل" على ما يقول جيم باور مؤسس شركة متخصصة في طلاء عشب الحدائق تحمل اسم "لونليفت". فترك الحديقة تيبس قد يؤثر سلبا على قيمة المنزل. ويقول باور ان زبائنه "اشخاص لا يريدون ان يروا ان مساحتهم العشبية الخضراء قد تلاشت في كل مرة يعودون فيها الى المنزل. لكن عندما لا يحق للشخص ري حديقته لا يكون لديه الكثير من الخيارات".

وبسرعة يبدأ موظف في "لونليفت" عمليات الطلاء في حديقة بولا خالطا في عبوة كهربائية مزيجا مؤلفا من المياه والصباغ الطبيعي المستخدم في مساحيق التجميل الموجهة للنساء. وفي لمح البصر، تنتعش المساحات العشبية امام عيني مالكة المنزل المذهولة. وتقول بحماسة "هذا هو لون العشب لو كنت ارويه يوميا. انا اعرف ذلك حيدا لاني اعيش في هذا المنزل منذ 25 عاما".

المواد المستخدمة ليست سامة وتستمر 12 اسبوعا وتقاوم المطر...الذي يشكل انحساره التهديد الرئيسي على الحدائق الكاليفورنية. ودفع الجفاف الكبير الكثير من السكان الى استبدال المساحات العشبية بنبتات تعيش في الصحراء مثل الصبار الذي لا يتطلب الكثير من المياه. وتقدم بعض المدن في كاليفورنيا حوافز مالية حتى للقيام بذلك كما هي الحال في لوس انجليس مع برنامح "كاش فور غراس" او سان فرانسيسكو مع مسابقة "ابشع حديقة" التي يحصل فيها الفائز مجانا على تبديل للمساحات العشبية بنبتات جافة. بحسب فرانس برس.

الا ان جيم باور يعتبر ان الحدائق الكلاسيكية "ستقاوم الجفاف". ويوضح "في السبعينات شهدنا جفافا مماثلا في كاليفورنيا وقد انتزع السكان العشب من حدائقهم قبل ان يعيدوها بعد سنوات قليلة". وهو يقر ان شركته استفادت جدا من الجفاف ولا سيما في الاشهر الاثني عشر الاخيرة موضحا "لقد تضاعفت المبيعات في اذار/مارس" مقارنة مع الشهر نفسه من العام الماضي. وتكتفي شركته الان بالتصدير الى كندا لكن قبل اسابيع قليلة باعت مواد بقيمة 15 الف دولار الى الجزائر. وتختم بولا بيرسون بالقول ضاحكة "ينبغي ان اضع لوحة تشير الى اني طليت حديقتي والا سيظن الجيران اني ارويها على الدوام وسيبلغون عني..".

واحة خضراء

في السياق ذاته وبمساعدة حفنة من المتطوعين، ازال مارو كوينتانيليا على مدى عشر سنوات مكب نفايات عشوائيا في احدى مدن الصفيح في ريو دي جانيرو لتحويله الى "متنزه بيئي" في مبادرة مجنونة فاز على اساسها بإحدى اهم جوائز التخطيط الحضري في العالم. ويوضح كوينتانيليا وهو عازف الات ايقاعية يبلغ الخامسة والخمسين "في البداية (في العام 2005) كنت اعتبر مجنونا وكان الناس يسخرون مني! فكان الامر يتعلق ب 16 طنا من النفايات المكدسة منذ 25 عاما من قبل سكان مرتفعات فيديغال".

وتتمتع فيديغال وسكانها الخمس وعشرون الفا بمنظر رائع مطل على الاحياء الراقية. ومثل غالبية مدن الصفيح، لم تكن تحظى باي خدمات عامة ولا حتى بخدمة جمع النفايات. وكان جبل النفايات يصل الى اسفل مدينة الصفيح وحتى الى ابواب جادة نيميير الانيقة على الواجهة البحرية بمحاذاة المحيط. ويروي كوينتانيليا موضحا "كان مقر سكني الاقرب الى المكب الذي كان يحوي مما هب ودب من فرش وبرادات واطارات وجيف كلاب. كانت الرائحة كريهة جدا وكان الامر يصيبني بالاكتئاب، لذا قررت التحرك".

وبات اليوم "متنزه سيتييه البيئي" او "الواحة الخضراء" كما يسميه القيمون عليه، مكانا يمكن فيه مراقبة الطيور والفراشات والقردة الصغيرة وممارسة رياضة الجري. وهو يضم بستانا صغيرا ايضا ينتج 700 كيلوغرام من الخضار والاعشاب العطرة والفاكهة التي توزع على السكان. ويوضح كوينتانيليا رئيس متنزه "سيتييه"، "في البداية استمر الناس برمي نفاياتهم لكن ليلا. الا اننا قمنا تدريجا بتثقيفهم من خلال اعطائهم نبتات من البستان. والتحول لم يشمل المكان فقط بل السكان ايضا".

والشتول هي من تقديم حديقة النبات في ريو دي جانيرو. وقد اعيد استخدام كل ما يمكن استخدامه في النفايات او كل ما يمكن اعادة تدويره. وباتت كراسي مراحيض ملونة مختلفة الاشكال تشكل احواضا لنبتات تزينية. ومن دواليب دراجة هوائية صمم كويتانيليا طاولات، فيما حولت قنان بلاستيكية الى قاعدة سرير والى وسادات للجلوس، لتباع باسعار بخسة. ويتم الوصول الى "الواحة الخضراء" عبر درج ضيق مصنوع من دواليب قديمة مليئة بالحصى من الشارع الرئيسي الذي تجوبه عشرات الدراجات النارية التي تستخدم كوسيلة نقل بالاجرة.

وتحول طريق كان يستخدمه تجار المخدرات للفرار الى حين سيطرة الشرطة على فيديغال سنة 2011، الى موقع يوفر اجمل منظر على شواطئ ايبانيما وليبلون الشهيرة. واعتبارا من العام 2008، استعادت شرطة ريو السيطرة على الكثير من مدن الصفيح من اجل ضبط الامن في المدينة استعدادا لكأس العالم لكرة القدم سنة 2014 ودورة الالعاب الاولمبية في العام 2016. وبقيت مبادرة كوينتانيليا غير معروفة كثيرا في صفوف سكان ريو الى حين خرجت من الظل بفضل قمة "ريو+20" للامم المتحدة حول التنمية المستدامة وزيارات وفود اجنبية للمتنزه. الا ان المنتزه برز فعلا مع وصول مهندس معماري برازيلي خريج جامعة هارفرد يدعى بيدرو كريستو (32 عاما).

ويقول كريستو مدير "سيتييه" والمهندس المعماري فيه "ادركت ان السكان احدثوا ثورة هنا. سكان مدن الصفيح رائعون الا انه ينبغي تحسين هذه المساحات. طالما ان الحكومات والمجتمع المدني +المزفت+ (الاحياء الغنية) لا تدرك ذلك، فان الاندماج الاجتماعي المرجو لن يحصل". ويضيف المهندس الشاب المتزوج من كارولين شانون (29 عاما) وهي مهندسة معمارية خريجة هارفرد ايضا "عندما وصلنا كانت مساحة المتنزه 1100 متر مربع وقد وسعناها الى 8500 متر مربع في غضون سنتين ونصف السنة".

ويطمح كريستو وزوجته وكوينتانيليا من خلال خبرتهم واستغلال "اللحظة الاولمبية" وموجة الاستثمارات التي ترافقها، الى بناء معهد سيتييه للبيئة والفنون والتكنولوجيا بحلول العام 2016 وهو مشروع تقدر قيمته بمليون دولار وافقت عليه بلدية ريو لكنه ممول بالكامل من قبل متبرعين من القطاع الخاص. وفي حال تأمين الميزانية سيضم المعهد مركز ابتكار تكنولوجي ومكتبة وقاعات تدريس ومطعما سيستخدم منتجات البستان. ويوضح كريستو "المهم هو استحداث فسحات عامة تتوافر فيها التربية والديموقراطية والترفيه وتكون خصوصا للاطفال ترياقا ضد العنف". بحسب فرانس برس.

وفي نهاية نيسان/ابريل، نال المتنزه ومشروع معهد سيتييه جائزة "سيد اوارد 2015" في ديترويت (الولايات المتحدة) وهي احدى اعرق الجوائز في العالم في مجال الهندسة المعمارية والتخطيط الحضري والتصميم، وذلك بحضور كوينتانيليا ودي كريستو. وانتقلت عدوى هذا المتنزه الى الخارج. وقال المهندس المعماري "تبلغنا للتو بأننا سنزور كايب تاون في جنوب افريقيا لوضع تصميم لمتنزه حضري". وتقول ايفونيتي تافاريس (50 عاما) المقيمة في فيديغال "لو يفعل الجميع مثلما فعل كوينتانيليا في مدن صفيح اخرى سيكون الامر رائعا. تحويل مكب نفايات الى متنزه...انظروا الى الفرق!"

السياحة المراعية

بنباته الوافر وبحيراته القائمة على فوهات بركانية وحيتانه، يشكل ارخبيل الازور جنة رائعة لمحبي الطبيعة الذين باتوا يأتون باعداد كبيرة منذ بدء تسيير رحلات جوية منخفضة السعر في نهاية اذار/مارس الماضي. فاعتبارا من نيسان/ابريل سجل مطار بونتا ديلغادا عاصمة هذه المنطقة البالغ عدد سكانها 250 الف نسمة، ارتفاعا بنسبة 33,6% في عدد المسافرين مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي في حين ارتفع رقم اعمال القطاع الفندقي بنسبة 35,2%.

ويشكل تسيير رحلات جوية منخفضة الكلفة نبأ سارا لقطاع سياحي غير مطروق كثيرا حتى الان بعدما كانت الاجواء حكرا في السابق على الشركتين الوطنية والمحلية. ويمثل هذا التجول تحديا كبيرا لوجهة معروفة بجمالها الطبيعي غير المهدور بعد. وتقول السائحة الايطالية باميلا ماسي البالغة 33 عاما "كنت احلم بجزر الازور منذ فترة طويلة وحدثتني صديقة لي عن هذه الرحلات الجديدة باسعار منخفضة وتمكنت من شراء تذكرة الطائرة بمئة يورو فقط" اي ثلث متوسط اسعار بطاقات السفر حتى الان.

وتؤكد هذه المهندسة البيئية "انه مكان مميز مع طبيعة رائعة" وهي تندهش لرؤية الدلافين تلعب الى جانب الزورق السريع الذي يجوب مياه بحر صافية قبالة ساو ميغيل كبرى الجزر التسع التي يتشكل منها الارخبيل. وتقول تينيكي اينتزفيلد الهولندية الستينية السعيدة جدا بالتواجد على بعد امتار قليلة من مجموعة من الحيتان "العام الماضي كنا في نيوزيلندا وبحثنا من دون جدوى عن حيتان على مدى يومين. وهنا يمكننا رؤيتها على بعد 15 كيلومترا تقريبا عن الشاطئ".

ويشكل توافد السياح باعداد متزايدة نبأ سارا لشركة "فوتيريسمو" التي تنظم هذه الرحلات البحرية لمشاهدة الحيتان وهو اختصاص محلي منذ التخلي في العام 1986 عن صيد الحيتان التقليدي. وتوضح روزا كوستا المديرة التجارية للشركة "وصول شركات الطيران المنخفضة الكلفة كان منتظرا منذ فترة طويلة" مع انه "من المبكر" تقييم تأثيرها على رقم الاعمال السنوي البالغ راهنا مليون يورو.

وتضيف المسؤولة في هذه الشركة التي تنظم في ذروة الموسم رحلات لنحو 250 شخصا في اليوم بحثا عن الحيتان المختلفة والسلاحف والدلافين "لا احد يريد ان تتحول المنطقة الى وجهة للسياحة الجماعية. التحدي الكبير يكمن في وضع حدود لقدرتنا على استضافة السياح وعلى احترامها".

وتقع جزر الازور على بعد ساعتين بالطائرة من لشبونة واربع ساعات من الولايات المتحدة وكانت المنطقة البرتغالية الاقل جذبا للسياح مع 350 الف زائر فيما حصتها من السوق السياحية 2,1%. وتضم الجزر راهنا حوالى عشرة الاف سرير فندقي ويتوقع ان ترتفع هذه القدرة بـ1800 سرير جديد بفضل مشاريع استثمارية جديدة حصلت على موافقة السلطات المحلية. الا انه تم من الان وضع تحدي قدرة فنادقها الاستيعابية ب15 الف سرير.

ويقول جاو رييس بعد ايام على افتتاح فندقه "سانتا باربرا ايكو بيتش ريزورت" الذي يطل على شاطئ ساو ميغيل الشمالي "لقد ركبنا الموجة في الوقت المناسب لان شركات الطيران المنخفضة الاسعار تقوم بعمل ترويجي كبير من اجل جعل نشاطاتها مربحة". وقد استثمر هذا المقاول البالغ 37 عاما مليوني يورو لبناء حوالى 15 فيلا على سفح تلة بمواد قابلة للتدوير بنسبة 95% من فلين وحجارة البازالت والخشب المحلي...

ومن اجل تشاطر شغفه بهذه الجزر يرغب هذا الرجل المولود في البر الرئيسي للبرتغال باستقبال المصطافين في اطار ينسجم مع الطبيعة "خلافا للفنادق التقليدية التي تدمر الطبيعة المجاورة لها". والفندق محجوز حتى نهاية الصيف. وهو يعتبر ان "توافد السياح سيتضاعف لا بل يزيد ثلاث مرات في السنوات المقبلة". لكنه يرى ان جزر الازور "تبقى سوقا خاصة" موجهة الى محبي النزهات في الطبيعة والغوص وركوب الامواج.

وتقول الحكومة المحلية ان ارتفاع عدد السياح يشكل "مجازفة محسوبة". ويؤكد فيتور فراغا مسؤول السياحة والنقل "قواعدنا لحماية الطبيعة تسمح لنا بمواجهة المعطيات الجديدة بكل ثقة". وقبل سنتين بات الدخول الى موقع كالديرا فيليا مع احواضه الطبيعية التي تغذيها منابع المياه الحارة في ظل نبتات وافرة، يتم في مقابل اجر مدفوع للحفاظ عليه بشكل افضل. بحسب فرانس برس.

ديوغو كايتانو رئيس جمعية "اصدقاء الازور" البيئية يقر بان المنطقة واقتصادها سيستفيدان من تنمية السياحة. الا انه يقلق على "بعض المناطق الحساسة والمهددة اكثر من غيرها". ويذكر عالم الجيولوجيا هذا البالغ 35 عاما على سبيل المثال المطل الرائع على بحيرة سيتي سيداديس الذي يأتي اليه الكثير من السياح للاستمتاع بمنظر هاتين البحيرتين الشاطئيتين مع مياه بلونين مختلفين هما الازرق والاخضر. وفي دليل على الاستثمارات الفاشلة التي جرت في الماضي ينتصب في المكان هيكل اسمنتي لفندق مهجور منذ التسعينات. ويحذر كايتانو الان "يجب ان نبقى حذرين حتى لا نلحق الاذى بالبيئة ولا بالصورة المثالية التي تجذب السياح".

مطار صديق للبيئة

على صعيد متصل يسرح حيوان من زواحف الإيغوانا قرب مدرج طيران في جزر غالاباغوس... فقد تطلب بناء اول مطار صديق للبيئة بالكامل في العالم على انقاض قاعدة عسكرية اميركية مراعاة دقيقة للبيئة الفريدة لهذا الارخبيل الذي يعتبر احد اكثر الانظمة البيئية هشاشة على الارض. وقبل سبعين عاما ونيف، كان المشهد في المكان مغايرا تماما. فقد أدى وصول الجنود الاميركيين المتمركزين حينها في هذا الموقع للتصدي لاي تقدم ياباني محتمل على جبهة المحيط الهادئ خلال الحرب العالمية الثانية الى إبعاد زواحف الايغوانا من بالترا خوفا من الحراك الشديد ومن وصول الكلاب والقطط مع العسكريين.

بالترا واحدة من ثلاث عشرة جزيرة في هذا الارخبيل الواقع على بعد حوالى الف كيلومتر من السواحل الاكوادورية والذي الهمت سلاحفه العملاقة عالم التاريخ الطبيعي البريطاني تشارلز داروين في نظريته بشأن تطور المخلوقات. وفي نهاية الحرب، بقيت الزواحف ذو الاشكال الشبيهة بكائنات ما قبل التاريخ غائبة عن هذه الجزيرة على مدى سنوات. حتى ان الامر تطلب تدخل اخصائيين في علوم الاحياء لاعادة ادخال هذه الفصيلة الى الموقع.

حاليا، عندما يمر أحد زواحف الايغوانا هذه على المدرج لحظة اقتراب طائرة سياحية من الهبوط، يعمد الموظفون المدربون الى التقاطه من ذيله لنقله الى مكان آمن. فقد شهدت المنطقة تحولا مذهلا إذ لم تعد جزيرة بالترا مستودعا للمعدات الحربية بقي حتى سنوات قليلة خلت يضم قنابل غير صالحة للاستخدام. وبات الموقع السابق للقاعدة العسكرية الاميركية يصنف حاليا المطار الوحيد الصديق للبيئة في العالم.

وقال ايزيكييل بارينيكيا رئيس شركة "كوربوراثيون اميركا" الارجنتينية التي حازت ترخيص تشغيل هذا المطار "اننا انتقلنا من موقع للجيش والطائرات (الحربية) الى مطار صديق بالكامل للبيئة". وقد اطلق على المنشأة اسم مطار سيمور نسبة الى لورد بريطاني من القرن الثامن عشر. وكانت البنى التحتية موجودة اصلا قبل تحويل الموقع الى ما يشبه المحمية البيئية. وحتى العام 2011، كان هذا المطار، وهو أحد المطارات الثلاثة في جزر غالاباغوس، مجرد مبنى عادي اشبه بمنشأة معدنية عملاقة في قلب الطبيعة.

لكن في ذلك العام بدأت مسيرة التحول الكبيرة. فعلى مدى 15 شهرا، اعاد مئات العمال استصلاح المطار في مهمة شاقة قاموا خلالها باعادة استخدام الاخشاب وكل المواد القابلة لاعادة التدوير لإنشاء مطار جديد يلبي شرطا اساسيا: الاستدامة البيئية الكاملة. وبلغت تكلفة المشروع 40 مليون دولار كما حاز جوائز عدة بفضل تناغمه مع محيطه البيئي الاستثنائي الواقع ضمن محمية تضم اجناسا فريدة كأنها من زمن غابر مثل السلاحف العملاقة او زواحف الايغوانا بألوان متعددة.

وأوضح ايزيكييل بارينيكيا أن "البناء في جزر غالاباغوس مهمة شاقة بحد ذاتها لأن كل المستلزمات يجب احضارها من البر الرئيسي عن طريق السفن، لكن البناء وفق اسس مستدامة امر اكثر تعقيدا في سائر انحاء العالم. اذا ما جمعتم الصعوبتين معا، ستحصلون على نجاح كبير على الصعيد الهندسي. وقد أتت هذه الجهود بثمارها: فمنذ البدء بتشغيله في اذار/مارس 2013، حصل المطار سنة 2014 على اعلى تصنيف ممكن بالنسبة للانشاءات المستدامة ويعرف باسم "ليد غولد" ويقدمه مجلس البناء المستدام في الولايات المتحدة (يو اس جي بي سي).

كما أنه لا يزال هذا المطار حتى اليوم هو الوحيد في العالم الحاصل على هذه الميزة بكامل اجزائه. وفي السابق، منح هذا التصنيف فقط لأحد المباني الموسعة في مطار سان فرانسيسكو في الولايات المتحدة نظرا الى مراعاته القصوى للبيئة. ولتشغيل هذا المطار الذي يستقبل سنويا 400 الف مسافر بغالبيتهم من السياح، لا يتطلب الامر سوى الشمس والهواء اضافة الى كثير من الطاقة من جانب موظفيه.

وقال المدير العام للمطار خورخي روسيلو لمناسبة اول جولة منظمة للصحافيين في المكان "هنا كل شيء يعمل بالطاقة المتجددة"، مؤشرا الى الالواح الشمسية وتوربينات الرياح العملاقة الثلاث التي تمد المشروع بالطاقة. وباستثناء قاعة الالات، لا وجود لأنظمة تكييف كما لا يوجد زجاج على النوافذ في هذه الجزيرة التي تتميز بطقس حار طوال السنة نظرا لوقوعها على خط الاستواء. لكن للوهلة الاولى، لا شيء يميز مطار بالترا عن سائر المطارات في العالم اذ انه منشأة رمادية في قلب ارض شبه قاحلة ومهجورة غالبا ما تضربها الرياح. بحسب فرانس برس.

وتبدو هذه المنشأة البالغة مساحتها ستة الاف متر مربع مع ارتفاع كبير للسقف واستخدام لافت للحجر البركاني المنتشر بكثرة في المنطقة، مجرد مطار عادي. وأوضح ايزيكييل بارينيكيا أن "المسافر لا يلاحظ الفرق لأن المطار يعمل تماما كأي مطار آخر" مؤكدا أنه من الممكن تماما انشاء مطارات مراعية بالدرجة نفسها للبيئة في الاوساط الحضرية.

العلاج بالاقتراب من الطبيعة

في السياق ذاته فمن الممكن، وفقا لخبراء، أن يعطيك الأطباء نصيحة صحية مثل هذه في المستقبل غير البعيد. إذ يقترب العالم الحديث، بعد عقود من البحث، من تحديد كيف أن التعرض للطبيعة يعزز من الرفاهية. وكشفت دراسة أمريكية حديثة أن القرب من الطبيعة ربما يريح العقل، ويقلل من اجترار الأفكار السلبية التي تجول في العقل مرارا وتكرارا.

وقارن فريق من جامعة ستانفورد أثر التنزه في مساحة خضراء مع التنزه في بيئة حضرية، وهي في هذه الحالة بجانب طريق مزدحم في مدينة بالو ألتو بولاية كاليفورنيا. وأظهر الفحص انخفاض نشاط منطقة في المخ مرتبطة بمخاطر المرض العقلي في الأشخاص الذين خضعوا للدراسة، والذين تجولوا لمدة تسعين دقيقة وسط أشجار البلوط، والطيور والسناجب.

كما سجل هؤلاء الأشخاص مستويات أقل من اجترار الأفكار. ويقول غريغوري براتمان من جامعة ستانفورد، وهو أحد الباحثين المشاركين في الدراسة، إن الانتقال إلى المدن "حدث في طرفة عين بلغة التطور البشري". وكما يوضح فإن نحو 50 في المئة من إجمالي سكان العالم يعيشون في مدن وبلدات، وهذا الرقم من المتوقع أن يصل إلى 70 في المئة بحلول عام 2050.

وتدرس بعض الدول والمدن بالفعل الفوائد التي تعود على الصحة العقلية من الطبيعة، وذلك عند تخطيط المناطق الحضرية الجديدة.

ويقول براتمان: "هناك أدلة متزايدة على أن رؤية المناطق الطبيعية مقارنة بالمناطق الحضرية تفيدنا، على الأقل شعوريا من الناحية المزاجية، وربما أيضا من ناحية تطورنا الإدراكي". وأضاف: "يمكنك اعتبار فوائد الصحة العقلية هذه مثل خدمة نفسية من النظام البيئي". وتسعى الجمعية الملكية البريطاينة للبساتين لتشجيع الجمهور على جلب الطبيعة إلى أفنية منازلهم، عن طريق استبدال الخراسانة بالنباتات.

وعرضت حديقة لحملة تخضير بريطانيا الرمادية، خلال مهرجان هامبتون كورت للزهور، طرقا لجعل البيئات الحضرية أغنى من ناحية النباتات والطبيعة. ومن المقرر نقل النباتات من هذه الحديقة إلى مدينة بريستول، بهدف تخضير أحد الشوارع العامة، ودار سانت مونغو للمشردين. وصمم الحديقة البروفيسور نيغل دونيت أستاذ تكنولوجيا زراعة النباتات في جامعة شيفلد.

ويقول دونيت: "نحن تطورنا مع الطبيعة، ومن غير الطبيعي بالمرة بالنسبة لنا أن ننفصل عنها". ويرغب دونيت في تحقيق نقلة في التفكير لجعل المطورين يستثمرون في إنشاء ضواحي طبيعية، وكذلك جعل المتخصصين في زراعة البساتين يستثمرون في مشروعات بنية تحتة خضراء. ويضيف: "هناك دور كبير لزراعة البساتين في هذا التحرك الشامل لتخضير المدن". أحد التوجهات الصحية الشائعة خاصة في اليابان وكوريا الجنوبية ما يسمى "شينرين – يوكا"، وهو تعبير يعني الدخول في جو الغابة أو السباحة في الغابة.

وكشفت دراسة أجريت على 24 غابة في اليابان أن المشي وسط الأشجار أدى لخفض ضغط الدم، ومعدل ضربات القلب ومستويات هرمون الكورتيزول، الذي يفرزه الجسم كرد فعل على التوتر. ووفقا للطبيب النفسي الدكتور ماثيو وايت من جامعة إكستر، فإن البحث في العلاقة بين الطبيعة والرفاهية تركز على آثار الطبيعة على الجسم والمخ، مثل كيفية استجابة نشاط المخ لرؤية الطبيعة. بحسب بي بي سي.

ويقول وايت: "لم نكتشف بعد بعض العناصر الإدراكية، التي ربما تفسر لماذا تكون البيئات الحضرية مرهقة جدا للمخ". ويقول إن هناك العديد من المشروعات تجري حاليا، بهدف تطوير "وصفات علاج خضراء" بالتعرض للطبيعة، والتي ستكون ذا فائدة للأشخاص الذين يعانون من القلق والاكتئاب. ونشرت دراسة جامعة ستانفورد في دورية وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم، بالولايات المتحدة الأمريكية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
0