مع ازدياد أعداد السكان وتفاقم مشكلة التغيرات المناخية التي كانت سبباً في اتساع رقعة الجفاف، يواجه العالم ازمات ومشكلات جديدة تتمثل في قلة الموارد المائية وسعي بعض الدول الى فرض سيطرتها الكاملة على منابع المياه، وهو ما قد يسهم في خلق صراع جديد وحروب كارثية خصوصاً والعديد من الحكومات ستعمل للدفاع عن حصصها من المياه، و قد بدأت بوادر تلك الحرب وكما نقلت بعض المصادر في منطقة أسيا الوسطى على الحدود بين قرغيزستان وطاجيكستان.

يضاف الى ذلك اتساع رقعة الخلافات بين مصر العربية والسودان من جهة وأثيوبيا من جهة أخرى حول سد النهضة، والتي وصلت الى للغة التهديد والوعيد، وتحركات تركيا التي تحاول الحفاظ على موارد المياه داخل بلادها من خلال تنفيذ عدة مشاريع للتحكم بكميات كبيرة من المياه الخارجة من أراضيها، حيث سعت الى اقامة العديد من السدود الكبيرة كان أشهرها سدّ أتاتورك الذي أدى وبحسب بعض المصادر، إلى تراجع حصة سورية من المياه وبلوغها مستويات خطرة ، وكذلك سدّ إليسو الذي افتتح 2018 على نهر دجلة التركي وأدى إلى أن يخسر العراق 60% من حصته في مياه.

كما تبذل إسرائيل جهود كبيرة لفرض سيطرتها الدائمة على هضبة الجولان التي تعد مصدراً رئيساً للمياه، وكان الامريكان أول من دق ناقوس الخطر. ففي خريف العام 2008 وكما كتب ياروسلاف كارني-روزشوك، في "كوريير" للصناعات العسكرية، ، أصدر البنتاغون وثيقة مثيرة للاهتمام، هي العقيدة العسكرية المسماة بـ "بيئة لعمل القوات المشتركة" (JOE). ووفقا لحسابات الأمريكيين في العام 2008: بعد ربع قرن، سوف يعاني ثلاثة مليارات نسمة من نقص المياه العذبة. وهكذا، فيمكن لنقص المياه أن يسبب حروبا ونزاعات شرسة، على غرار حرب الأيام الستة العربية الإسرائيلية في العام 1967 التي نشبت، كما يقول واضعو العقيدة المذكورة أعلاه، بسبب محاولات الأردن وسوريا قطع نهر الأردن. وفي يناير 2008، أعلنت جمعية مستقبل العالم World Future Society الأمريكية غير الربحية أن المياه العذبة في القرن الحادي والعشرين ستأخذ مكانة النفط في القرن العشرين. ووفقاً لهذه المنظمة، ستعاني البلدان الغنية والنامية على حد سواء من نقص المياه. ومن المأمول تطوير تكنولوجيا تحلية المياه.

أزمة سد النهضة

وفي هذا الشأن كثفت مصر، من تحركاتها الدولية مؤخرا في محاولة لتعزيز موقفها بشأن أزمة سد النهضة الإثيوبي، والوصول إلى حل تقبله جميع الأطراف. وكان آخر هذه التحركات الدولية، اللقاءات المكثفة التي عقدها السفير أحمد أبو زيد، سفير مصر في كندا، مع أعضاء مجلسي العموم والشيوخ الكندي من ممثلي جميع الأحزاب السياسية، لطرح رؤية مصر تجاه أزمة سد النهضة..

وقال بيان للخارجية المصرية إن لقاءات السفير في كندا والتي تشمل أيضاً أعضاء لجنة الصداقة البرلمانية الكندية المصرية، تهدف لتعريف أعضاء البرلمان الكندي بعدالة الموقف المصري في قضية مياه النيل، ومخاطر اتخاذ أية إجراءات أحادية من جانب إثيوبيا من شأنها الإضرار بأمن مصر المائي. فضلاً عن استمرار تمسك مصر بالنهج التفاوضي إذا ما توفرت لدى الطرف الآخر الإرادة الحقيقية للتوصل إلى حل توافقي، بحسب البيان.

وتلقي مصر باللوم على إثيوبيا في فشل المفاوضات المتواصلة منذ عقد حول السد الذي تبنيه أديس أبابا على النيل الأزرق وتخشى القاهرة من تأثيره على حصتها من مياه النيل. وترفض إثيوبيا الاتهام المصري وتحملها والسودان في المقابل المسؤولية عن تعثر المفاوضات، وتؤكد أن السد لن يؤثر على دولتي المصب. وقال السفير المصري في أوتاوا، في تصريحات، نقلها البيان، إن "اللقاءات مع رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس العموم سفن سبينجمان، وأعضاء مجلسي العموم والشيوخ الكنديين، ورئيس وأعضاء مجموعة الصداقة الكندية المصرية بالبرلمان، عكست تفهماً كاملاً لمدى أهمية نهر النيل بالنسبة لمصر، و اقتناعاً بضرورة الالتزام بأحكام القانون الدولي ذات الصلة بالأنهار الدولية".

وأضاف أن "أعضاء البرلمان أكدوا على أن كندا تُطبق تلك المبادئ في إدارتها للموارد المائية المُشتركة مع الولايات المتحدة، وأن تجربتها تؤكد على أن التعاون والنهج التفاوضي بهدف تحقيق المصالح المُشتركة وعدم الإضرار بالآخر، هو النهج السليم الذي يجب اتباعه بعيدا عن اتخاذ إجراءات أحادية تستهدف فرض الأمر الواقع". وأضاف السفير أبو زيد، أنه "ناقش عدة مقترحات وأفكار مع أعضاء البرلمان تستهدف تنشيط الدور الكندي في دعم جهود التوصل إلى إتفاق شامل وعاجل حول قواعد ملء وتشغيل سد النهضة، وأنه حرص على شرح تفاصيل المفاوضات الثلاثية على مدار الأعوام العشر الماضية، وأسباب تعثرها نتيجة غياب الإرادة السياسية للحل لدى الطرف الإثيوبي".

وأكد أن "الجمود الحالي يمثل خطرا كبيرا على استقرار المنطقة ومصالح شركائها الدوليين، بما فيهم كندا، إذا ما قررت إثيوبيا تنفيذ إعلانها بالبدء في الملء الثاني بغض النظر عن نتائج المفاوضات". وقد تم الاتفاق على مواصلة التشاور والتنسيق بين السفير المصري وأعضاء البرلمان الكندي لمتابعة تطورات الموقف خلال المرحلة المقبلة.

وكان وزير الخارجية المصري سامح شكري، قد أجرى مؤخرا جولة أفريقية شملت عدة دول في إطار المساعي المصرية لإيجاد حل لأزمة سد النهضة، وإطلاع الدول على الجهود التي تبذلها بلاده لبلوغ اتفاق عادل ومنصف وقانوني. وشملت الجولة عدة دول كان من بينها تونس التي أكد رئيسها قيس سعيد، دعم بلاده الثابت لمصر فيما يتعلق بملف سد النهضة. وشدد على الوقوف إلى جانب مصر في مختلف المحافل الإقليمية والدولية من أجل التوصل إلى حلّ تفاوضي وعادل لملف سدّ النهضة، بما يحفظ الحقوق التاريخية للشعب المصري في مياه النيل، موضحا أن "الأمن القومي المصري ركيزة أساسية للأمن القومي العربي".

كما أطلع شكري دولة النيجر، العضو غير الدائم في مجلس الأمن الدولي، خلال زيارة في إطار جولته الأفريقية، على آخر تطورات ملف سد النهضة. وسلم شكري رسالة موجّهة من قبل الرئيس عبدالفتاح السيسي إلى رئيس النيجر، حيث "تناولت آخر مستجدات ملف سد النهضة وموقف مصر إزاءها". وأوضح أن "ذلك يأتي في إطار الحرص المصري على التشاور مع النيجر الشقيق في ضوء ما يجمعهما من علاقات متميزة وعضوية النيجر غير الدائمة حالياً في مجلس الأمن ممثلةً عن القارة الأفريقية".

وقال وزير الخارجية المصري في هذا الصدد، إن بلاده تحلت خلال اجتماعات كينشاسا بإرادة سياسية لإطلاق مسار تفاوضي جاد يسفر عن اتفاق قانوني ملزم حول ملء وتشغيل سد النهضة وأكد شكري أن القاهرة تتطلع إلى العمل مع مختلف الدول والأطراف المعنية لحل قضية سد النهضة بما يحول دون المساس بأمن واستقرار المنطقة. وشملت جولة شكري الأفريقية كذلك كينيا ثم جزر القمر وجنوب أفريقيا، سلم خلالها رؤساء هذه الدول رسائل من الرئيس المصري، بشأن موضوع سد النهضة.

والملء الثاني للسد دون التوصل لاتفاق ملزم يعد أكثر نقاط الخلاف حساسية بين إثيوبيا من جهة وكل من مصر والسودان من جهة أخرى. وتتبادل القاهرة وإثيوبيا الاتهامات حول مسؤولية فشل المفاوضات. وفشلت مفاوضات مصر والسودان (دولتا المصب) وإثيوبيا (دولة المنبع) في جولتها الأخيرة التي عقدت في عاصمة الكونغو الديمقراطية كينشاسا، في التوصل لاتفاق ملزم حول السد الذي تبنيه أديس أبابا على النيل الأزرق وتخشى القاهرة والخرطوم من تأثيراته السلبية المحتملة.

دمشق وتركيا

من جانب اخر دعت سوريا وكما نقلت بعض المصادر، الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة واللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى تحمل مسؤولياتها لجهة وقف التصعيد التركي غير المبرر تجاه المواطنين السوريين في محافظة الحسكة من قطع للمياه لأكثر من 16 يوماً عن أكثر من مليون سوري. وشددت وزارة الخارجية السورية، في بيان عقب قيام الدكتور بشار الجعفري نائب وزير الخارجية السوري باستدعاء القائم بأعمال المنسق المقيم لأنشطة الأمم المتحدة في سوريا، ورئيس بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر بدمشق، على أن «قوات الاحتلال التركي ومرتزقته تستمر بممارستها الإجرامية وانتهاكاتها بحق المدنيين السوريين من أهالي محافظة الحسكة، حيث قامت مجدداً بقطع مياه الشرب من محطة علوك لأكثر من 16 يوماً على التوالي عن أكثر من مليون سوري بالرغم من الوضع الصحي الحرج المرتبط بجائحة (كوفيد-19)، والحاجة لمياه الشرب وللمحافظة على النظافة في وقت تشهد فيه المنطقة ارتفاعاً كبيراً في درجات الحرارة خلال شهر رمضان المبارك، مما فاقم بشدة من المعاناة الكبيرة لسكان مدينة الحسكة وضواحيها».

وأضافت الخارجية السورية، في بيانها: «الحكومة السورية تجدد إدانتها الشديدة لهذه الممارسات التركية الوحشية المتكررة التي تجاوز عددها 23 مرة منذ شهر أكتوبر 2019، والتي تنتهك أحكام القانون الدولي الإنساني, خاصة الذي يتعلق بعدم جواز استخدام المياه كسلاح حرب, وهو الأمر الذي تتعمده قوات الاحتلال التركي ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية المسلحة، علاوة على انتهاكها لأحكام القانون الدولي لحقوق الإنسان الذي يضمن حق كل إنسان في الوصول إلى مياه الشرب الآمنة باعتباره من الحقوق الأساسية الواجب احترامها من قبل جميع الدول وباعتباره حقاً أساسياً يضمن الحق بالحياة والحق بالتمتع بالصحة، لا سيما في سياق التحدي المتمثل بالتصدي لجانحة كوفيد - 19».

كما دعت «المنظمات الدولية، لا سيما منظمة الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر للضغط على سلطات الاحتلال التركي لوقف هذه الممارسات الإجرامية بحق السوريين الأبرياء في محافظة الحسكة ولتسليط الضوء على هذه الانتهاكات وعلى تداعياتها الكارثية على المواطنين السوريين، ولإعادة ضخ المياه من محطة علوك فورًا».

اشتباكات بسبب المياه

في السياق ذاته قتل 13 شخصا على الأقل وأصيب العشرات كما تم إجلاء نحو 10 آلاف شخص من منازلهم بعد اندلاع اشتباكات بين جيشي طاجيكستان وقيرغيزستان في المنطقة الحدودية المتنازع عليها بين البلدين. واندلعت الاشتباكات، التي تعد الأعنف خلال السنوات الماضية، عندما اشتبكت عناصر مدنية من السكان بإلقاء الحجارة عبر الخط الحدودي الفاصل بعد تركيب كاميرات مراقبة في منشأة للمياه.

ورغم توصل الجانبين إلى اتفاق لوقف إطلاق النار وسحب القوات من خط الاشتباك إلا أن هناك خروقات متبادلة للاتفاق. وتم إحصاء الجرحي الذين أعلن عنهم الجانب القيرغيزي بينما لم تعلن طاجيكستان أي معلومات عن الخسائر في جانبها. ورغم ذلك ذكرت مصادر إعلامية طاجيكية أن هناك 10 قتلى على الأقل و90 مصابا في الجانب الطاجيكي من الحدود.

وأظهرت صور نشرها مواطنون طاجيك على وسائل التواصل الاجتماعي اندلاع النيران في بعض المباني. ووقعت الاشتباكات عبر الحدود بين البلدين في إقليم باتكين في قرغيزستان الذي قالت السلطات إنه شهد مقتل فتاة صغيرة صريعة بسبب الاشتباكات مع الجانب الطاجيكي. وقام البلدان بسحب الآليات المسلحة بعيدا عن خط الاشتباك حسب اتفاق خفض التوتر. وكانت الأزمة قد بدأت مع غضب السكان المحليين أولا إثر تركيب نظام مراقبة بالكاميرات في منشآة لضخ المياه على الحدود المتنازع عليها منذ إعلان البلدين الاستقلال بعد انهيار الاتحاد السوفيتي السابق عام 1991. بحسب بي بي سي.

ومنذ ذلك الحين ادعى كل جانب ملكية المحطة التي كانت تعمل بشكل دائم لخدمة سكان المنطقة. وبعد ساعات من بدء الاشتباكات بين المدنيين، تدخلت قوات حرس الحدود في الجانبين قبل التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار وخفض التصعيد والذي تضمن إزالة كاميرات المراقبة من المحطة وسحب القوات بعيدا عن خط الحدود. وقال حاكم إقليم باتكين القيرغيزي إن الحكومة الطاجيكية رفضت إزالة الكاميرات في وقت لاحق. وشهدت المنطقة اشتباكات متكررة بين البلدين بسبب الخلاف على ترسيم الحدود منذ الاستقلال عام 1991.

اضف تعليق