شهدت إيران مؤخرا فيضانات كانت الأسوأ منذ عقود، إذ حصدت عشرات الأرواح ودمرت قرى بكاملها، لتفتح الجدل من جديد حول هشاشة البنية التحتية وقدرة البلاد على التعامل مع الكوارث الطبيعية، وعلى الرغم من توقف هطول الأمطار الغزيرة في إيران، لم تتوقف السيول بعد، إذ تتجه مياهها الجارفة من المحافظات الغربية التي شهدت فيضانات كبيرة خلال الأسبوع الماضي، نحو محافظة خوزستان لتعرّض 400 ألف مواطن فيها لسيول جديدة، ما دفع سلطاتها المحلية إلى إخلاء 9 مدن وأكثر من 100 قرية، خشية أن تتسبب في كارثة إنسانية.

حيث تعيش إيران هذه الأيام على وقع أحداث وكوارث بيئية، فمن جهة تشهد معظم محافظاتها، خصوصاً الغربية منها، سيولاً جارفة جراء الموجة الجديدة من الأمطار الغريزة، ومن جهة أخرى، ضربت زلازل، محافظتين غربيتين واجتاحت عواصف غير مسبوقة مدناً في محافظة أصفهان، وسط البلاد.

إلا أن الفيضانات والسيول التي تغرق أنحاء مختلفة من إيران منذ أسبوعَين تتصدر الأحداث، وما زالت مستمرة على خلفيّة هطول الأمطار الغزيرة غير المعهودة منذ عقود في البلاد، فقد ضربت السيول الأخيرة في ايران عدد كبيرا من المدن الإيرانية ملحقة بها خسائر بشرية ومادية كبيرة، مما دفع المؤسسات والوزارات الإيرانية للتحرك بكل إمكاناتها للحد من اثار هذه السيول واغاثة المتضررين.

مناطق السيول تركزت الاضرار في محافظتي كلستان ومازندران شمال شرق البلاد ومحافظات فارس (شيراز) وخوزستان ولرستان جنوب وغرب البلاد.

اما ما يخص الضحايا يمكن القول ان عدد الضحايا الذي وقع نتيجة السيول قليل اذا ما تم مقايسته بحجم هذه السيول والمساحة الجغرافية التي ضربتها حيث بلغ عدد الضحايا حتى لحظة كتابة هذا الخبر 62 شخصا، تأتي محافظة فارس بـ21 شخصا، ومحافظة لرستان بـ14 شخصا في مقدمة عدد ضحايا السيول فيما بلغ عدد الضحايا 3 اشخاص في محافظة خراسان الشمالية، و8 اشخاص في محافظة كلستان، و5 أشخاص في محافظة مازندران، و5 اشخاص في محافظة همدان، وشخص واحد في محافظة خوزستان وشخص واحد في محافظة كرمانشاه، وشخص واحد في محافظة سمنان، واثنان في محافظة كهكيلوية وبوير احمد، وشخصواحد في محافظة خراسان الرضوية.

بينما حجم الخسائر حتى اللحظة لا يمكن حصر الأضرار المادية الناتجة عن هذه السيول، ولا يوجد احصاءات كاملة رسمية تعلن حجم الاضرار الكلي في ايران، حيث يتم التركيز الآن على عمليات الإغاثة وتقديم الإسكان المؤقت والخدمات للمتضررين من السيول ولكن بعض التقارير الإعلامية والخبرية تنقل بعض الارقام عن مسؤولين ايرانيين تقدر حجم الاضرار بـ1500 مليار تومان ايراني، بالإضافة إلى تضرر اكثر من 256 الف هكتار من الاراضي الزراعية، وتضرر 25 الف واحدة سكنية جراء السيول.

في حين ألحقت السيول والأمطار التي احتاجت أجزاء واسعة من إيران خسائر بملايين الدولارات بالنشاط الزراعي، وسط شكوك حول قدرة الحكومة الإيرانية على تعويض المزارعين المتضررين.

ونظرا للخسائر الجسيمة التي تسببها الكوارث الطبيعية يرى الخبراء والباحثون إن من الضروري الاستعداد لمواجهتها والتقليل من الخسائر الاقتصادية والاجتماعية من خلال تعزيز ثقافة الحد من الكوارث الطبيعية بما في ذلك محاولة منع الكوارث إن أمكن والتخفيف منها والتأهب لها والتصدي والإنقاذ، التركيز الشديد على الوقاية من أخطار الكوارث، التركيز على أهمية نظم الإنذار المبكر، عمل البحوث العلمية ذات العلاقة بالموضوع والتعلم من الدروس السابقة للكوارث، تقوية البنى الأساسية، وجود خطط طوارئ على المستوى الوطني والمستوى المنزلي وحتى المستوى الشخصي قابلة للتطبيق في الوقت المناسب، والعمل على قيام تعاون دولي وعالمي.

عشرات القتلى

ارتفعت حصيلة ضحايا الفيضانات التي غمرت مناطق واسعة من ايران في ال15 يوما الماضية الى 62 قتيلا، وفق ما أفاد رئيس الطب العدلي الايراني لوسائل اعلام، وقال أحمد شجاعي لوكالة فارس شبه الرسمية إن محافظة فارس الجنوبية كانت الأكثر تضررا ب21 قتيلا، تليها محافظتا لورستان الغربية وغولستان الشمالية ب14 و8 قتلى على التوالي، وأضاف شجاعي انه تم الابلاغ عن سقوط قتلى جراء السيول في 11 محافظة من أصل 31، وذكرت وكالة ايسنا أن الحصيلة الحالية تشمل فقط الضحايا الذين نقلت جثثهم الى مكاتب الطب الشرعي في البلاد، ما يشير الى ان عدد القتلى قد يرتفع.

واجتاحت الفيضانات والسيول معظم أنحاء ايران منذ آذار/مارس، وغمرت الفيضانات شمال شرق البلاد في 19 آذار/مارس، وغربها وجنوب غربها في 25 آذار/مارس، ما أدى الى مقتل 45 شخصا، واستمرت الفيضانات في غرب ايران وجنوبها الغربي في 1 نيسان/أبريل عندما عادت الأمطار الغزيرة للهطول في المنطقة.

وقال بهنام سعيدي الناطق باسم الادارة الوطنية للكوارث "أغلقت 78 طريقا بين المدن و2,199 طريقا ريفية وتعرض 84 جسرا للجرف"، وأضاف للتلفزيون الرسمي "فاض 141 نهرا في 15 محافظة وتم الابلاغ عن حوالى 400 انزلاق في التربة"، وقالت الحكومة إن الفيضانات أحدثت اضرارا في نحو 12 ألف كيلومتر من الطرقات او 36 بالمئة من شبكة الطرقات في البلاد.

إرهاب اقتصادي

اتّهم وزير الخارجيّة الإيراني محمد جواد ظريف الولايات المتّحدة الإثنين بعرقلة جهود المساعدات وممارسة "إرهاب اقتصادي" ضدّ بلاده، في وقت أمرت السّلطات الإيرانيّة بعمليات اجلاء فورية للسكان في مدن عدة متضرّرة من الفيضانات في غرب البلاد، وكتب ظريف على تويتر أنّ العقوبات الأميركيّة "تعوق جهود الهلال الأحمر الإيراني لمساعدة جميع المجموعات المتضررة بالفيضانات غير المسبوقة"، في إشارة إلى أعمال البحث والإنقاذ التي تجري في البلاد على أثر الفيضانات الناجمة عن أمطار غزيرة.

وكتب في التغريدة أنّ "المعدات الممنوعة تشمل مروحيات إغاثة" مضيفا "هذا ليس مجرد نزاع اقتصادي بل إرهاب اقتصادي"، وصدرت أوامر اجلاء السكان بعد أن فاضت السدود والأنهر وعزلت المياه مساحات شاسعة.

ودفع النّقص المزمن في مروحيات الإنقاذ في إيران جرّاء العقوبات الأميركيّة، خدمات الطوارئ إلى الطّلب من الجيش التدخّل بواسطة مروحيّات عسكريّة وناقلات جند مدرّعة برمائيّة في عمليّات الإنقاذ، وأعلنت السلطات حالة الانذار "الأحمر" وهي أعلى مستويات الانذار في محافظة لورستان مع أربع أو خمس مدن في وضع "بمنتهى الخطورة"، وفقا شبكة إخبارية محلية من خورام اباد عاصمة المحافظة.

وأشارت الشبكة إلى أنّ "المياه ارتفعت إلى ثلاثة أمتار في بعض المناطق في خورام آباد (...) وقد وردت تقارير عن مناطق ... غمرتها المياه تمامًا، حيث علق الناس على أسطح منازلهم"، وقال صارم رضائي مدير الهلال الأحمر في لورستان، إن منظمته فقدت الاتصال مع جزء كبير من المحافظة، وقال لشبكة إيرين "الهواتف لا تعمل، اتصالاتنا اللاسلكية مقطوعة ... في هذه المرحلة ليس لدينا أنباء عن مدن وقرى أخرى" مضيفا إن المياه تغمر الطرق، فيما المروحيات غير قادرة على الإقلاع لسوء الأحوال الجوية، وأكد قائلا "طلبنا مساعدة عاجلة من محافظات مجاورة لكن في الوقت الحاضر لا أحد يستطيع القيام بأي شيء".

وأغرقت مياه الفيضانات المطار في مدينة خورام اباد الواقعة في الغرب، وأظهرت المشاهد المياه وقد غطت المدرج لينقطع التواصل الجوي الرئيسي في المحافظة مع باقي أنحاء البلاد، وأمرت السلطات في لورستان بإجلاء العديد من المناطق واستعانت بالقوات المسلحة لإخلاء الأهالي الذين يرفضون تنفيذ القرار بالقوة، وفقا لوسائل إعلام محلية.

إخلاء القرى

أصدرت السلطات الإيرانية أوامر بإخلاء عشرات القرى مع امتداد تأثير الفيضانات العارمة إلى أنحاء أخرى من البلاد، بينما نفت واشنطن زعم إيران أن العقوبات الأمريكية تبطئ جهود الإغاثة، وذكر التلفزيون الرسمي أن القوات المسلحة، بما فيها الحرس الثوري، كثفت جهود الإغاثة في المناطق التي اجتاحتها الفيضانات، وبث لقطات لطائرات تابعة للجيش والصليب الأحمر تشارك في عمليات الإغاثة.

وذكرت وكالة الجمهورية الإسلامية الإيرانية للأنباء (إيرنا) أن المخاطر التي قد تنجم عن الفيضانات أجبرت السلطات على إخلاء أكثر من 70 قرية في إقليم خوزستان الغني بالنفط بجنوب غرب البلاد.

وفي غضون ذلك ذكر التلفزيون الرسمي أن الزعيم الإيراني آية الله علي خامنئي أشاد بجهود الإنقاذ لكنه قال إن المسؤولين كان يجب أن يتوقعوا الكارثة على نحو أفضل، وقالت وسائل إعلام إيرانية إن الكهرباء والاتصالات انقطعت في المناطق المتضررة، كما جرفت المياه الطرق بينما انتظر الناس فوق أسطح المباني في القرى التي غمرتها المياه انتظارا لإنقاذهم.

وتضرر من الفيضانات 26 إقليما على الأقل من أقاليم إيران الأحد والثلاثين منذ أن بدأت الأمطار تهطل بغزارة على البلاد في 19 مارس آذار، وأعلنت السلطات حالة الطوارئ في عدد من الأقاليم الجنوبية المهددة بالفيضانات وتم إجلاء عشرات الآلاف من منازلهم.

وتعهد الرئيس حسن روحاني، الذي يتهمه منتقدون بسوء إدارة الأزمة، بدفع تعويضات للمتضررين، وكان رجل الدين المحافظ إبراهيم رئيسي رئيس السلطة القضائية قال إن المسؤولين الذين أساءوا إدارة الكارثة وتسببوا في وفاة مدنيين قد يمثلون للعدالة.

الإغاثة من الفيضانات

حث وزير النفط الإيراني شركات النفط والغاز المحلية على المساعدة في جهود إغاثة ضحايا الفيضانات العارمة، فيما أعلنت منظمة إغاثة دولية عن تقديم مزيد من التمويل لتعزيز تلك الجهود، وتساعد شركات تنقيب وغيرها من مؤسسات الطاقة في جهود الإنقاذ في المناطق التي اجتاحتها الفيضانات، وتستخدم على وجه الخصوص مضخاتها لشفط المياه، لكن وزير النفط بيجن زنغنه لمح إلى أنه ينبغي على هذه الشركات فعل المزيد، وقال ”إلى جانب القيام بواجباتها الأساسية ينبغي على (الشركات في القطاع) أن تستخدم كل قدراتها لمساعدة الناس وخفض منسوب مياه الفيضانات“.

واضطرت شركات النفط والغاز الغربية للانسحاب من إيران منذ عاودت واشنطن العام الماضي فرض عقوبات اقتصادية بعد الانسحاب من الاتفاق النووي المبرم عام 2015 بين طهران وست قوى عالمية.

وقال الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر إنه أرسل ما يقل قليلا عن 500 ألف فرنك سويسري (500 ألف دولار) كمنح نقدية لثلاثة آلاف أسرة إيرانية فقدت منازلها ومصادر رزقها بسبب الفيضانات، وقال سيد هاشم مدير الاتحاد في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ”إيران غرقت. هذه أزمة لم يسبق لها مثيل... استجابة الهلال الأحمر هائلة وتزداد كل يوم“.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1