الطاقة النووية التي أصبحت مطلب مهم للعديد من دول العالم بسبب فائدها الكثيرة، حيث ينظر لها كمصدر حقيقي لا ينضب للطاقة، لاتزال محط اهتمام واسع خصوصا في ظل المتغيرات الحالية التي يشهدها العالم، حيث اصبحت الطاقة النووية وكما يقول بعض الخبراء مصدر قلق للكثير من دول والحكومات، خصوصا وان العالم اليوم يعيش سباقا جديدا من اجل الحصول على هذه الطاقة من خلال بناء المفاعلات النووية لأغراض قد يستخدمها البعض في تطوير وانتاج أسلحة نووية ، حيث تفيد التقارير انه يوجد ما يزيد عن 35 دولة نووية، وينتشر في قارات العالم أكثر من 400 مفاعلاً نووياً يتبعون لمحطات نووية. وتملك الولايات المتحدة أكبر عدد من المفاعلات النووية لتكون حصتها نحو 30% من مفاعلات العالم النووية، هذا بالاضافة الى المشاريع والخطط المستقبلية لبعض الدول، وهو ما عده البعض امرا مرعبا قد يهدد الامن والاستقرار العالمي ، خصوصا مع اتساع رقعة الخلافات والازمات الدولية يضاف اليها تنامي وانتشارالجماعات الإرهابية المشددة التي قد تسعى وبحسب بعض المصادر، الى امتلاك بعض الاسلحة الخطيرة او استهداف بعض المفاعلات النووية، ما قد يؤدي إلى تسرّبات على غرار كارثتي تشيرنوبيل(1986) وفوكوشيما(2011). اللتان تسببتا بأضرار مادية وبشرية واقتصادية وبيئية جسيمة، هذا بالاضافة الى المخاوف العامة المتعلقة بالسلامة، وصعوبة التخلص الآمن من المخلفات عالية الإشعاع.

وفيما يخص اخر تطورات هذا الملف المهم فقد اكد الرئيس الأمريكي باراك أوباما إن خطر قيام إرهابين بمحاولة هجوم نووي "يغير عالمنا" هو خطر حقيقي. وأشار أوباما أمام قمة الأمن النووي في واشنطن إلى أن العالم قد اتخذ خطوات ملموسة لمنع الإرهاب النووي. وأضاف بفضل العمل معا، تمكنت دولنا من أن تجعل من الصعوبة بمكان على الإرهابيين أن يضعوا أيديهم على مواد نووية. بيد أنه أشار الى احتمال حصول تنظيم داعش على سلاح نووي يعد أحد أعظم التهديدات للأمن العالمي. وحضر القمة ممثلون عن أكثر من 50 دولة.

كما عبر قادة الدول الذين اجتمعوا في القمة بواشنطن عن قلقهم من برنامج كوريا الشمالية النووي وغياب روسيا عن هذه القمة. وأبدى أوباما قلقا بشأن قيام روسيا ببناء ترسانتها العسكرية دون حساب تخفيض الأسلحة النووية. وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رفض حضور القمة، كما تخلف الرئيس الباكستاني نواز شريف عن حضورها بعد أن الغى زيارته بسبب وقوع تفجير في مدينة لاهور. ويمتلك كلا البلدين أسلحة نووية.

وتأتي قمة الأمن النووي عقب هجمات باريس وبروكسل التي أسفرت عن مقتل العشرات وأظهرت عجز أوروبا عن إحباط تلك الهجمات أو تعقب نشطاء تنظيم داعش العائدين من سوريا والعراق. وزادت المخاوف من احتمال أن تستخدم التنظيمات المتطرفة موادا نووية بعد أن تبين أن بعض الأفراد، ممن هم على علاقة بمرتكبي هجمات باريس وبروكسل، صوروا عالما هاما يعمل في منشأة نووية بلجيكية. وقال أوباما "هناك نحو 2000 طن من المواد النووية (حول العالم)، وليست كل هذه المواد تخضع لرقابة جيدة." وحذر أوباما من أن قنبلة صغيرة، بحجم تفاحة، تحوي موادا انشطارية يمكن أن تسبب ضررا يهز العالم.

واضاف أن "أقل قدر من البلوتونيوم يمكن أن يقتل ويجرح مئات الآلاف من البشر. ستكون تلك كارثة إنسانية، وسياسية، واقتصادية، وبيئية ذات عواقب وخيمة عالميا لأجيال... إنها يمكن أن تغير العالم." وتعني مقاطعة الرئيس فلاديمير بوتين للقمة، أن هناك مخزونا نوويا هائلا لا تشمله تلك الجهود.

خطر تمكين الارهاب

في السياق ذاته حذر رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية يوكيا امانو من مخاطر تمكن ارهابيين من الحصول على مواد مشعة لانتاج قنابل "قذرة". وقال امانو ان على جميع الدول تشديد الحراسة على المواد التي يمكن ان يستخدمها متطرفون لصنع مثل هذه القنابل. وصرح خلال زيارة الى الفيليبين للمشاركة في مؤتمر حول الطاقة الذرية ان "الامن النووي هو مسألة حقيقية وموجودة منذ زمن بعيد، ويتعرض لتهديد حقيقي في جميع الدول التي تتوفر فيها مواد نووية للارهابيين".

واضاف "اذا وقعت مواد نووية في ايدي ارهابيين، فيمكن ان يستخدموها لصناعة قنابل قذرة" في اشارة الى عبوات ناسفة تستخدم لنشر مواد مشعة على مساحة واسعة لبث السموم بين الناس. واشار امانو الى ان مثل هذه العبوات، التي يعتبر انتاجها اسهل بكثير من انتاج قنبلة نووية، يمكن ان تتسبب في انتشار حالة ذعر على نطاق واسع في حال اطلاقها في احدى المدن.

وصرح للصحافيين انه رغم ان الحكومات تقع عليها المسؤولية الرئيسية بضمان امن هذه المواد، الا ان الوكالة الدولية يمكنها ان تساعد في وضع ارشادات لحمايتها. وقال ان ذلك يمكن ان يشمل تدريب حرس الجمارك والحدود على كيفية رصد مثل هذه المواد وحتى مساعدة الدول على شراء اجهزة رصد او غيرها من المعدات الضرورية. بحسب فرانس برس.

واكد امانو ان الوكالة التي مقرها فيينا لديها قاعدة بيانات "لتحليل وتحديد اي توجه" يمكن ان يشير الى تهديدات محتملة. واشار الى انه رغم المخاطر فان الطاقة النووية لها الكثير من الفوائد تتخطى انتاج الكهرباء، ومن بينها الاستخدامات الطبية وادارة المياه وحتى الزراعة. وارتفع القلق من احتمال وقوع هجمات ارهابية بشكل كبير في انحاء العالم مؤخرا عقب اعتداءات وهجمات شنها انصار لتنظيم داعش المتطرف.

بلجيكا

من جانب اخر تواجه شبكة مفاعلات الطاقة النووية البلجيكية وغيرها من البنى التحتية الرئيسية خطر التعرض لهجمات الكترونية خلال السنوات الخمس المقبلة، بحسب ما افاد رئيس دائرة مكافحة الارهاب في الاتحاد الاوروبي. وقال غيلز دي كيرشوف لصحيفة "لا ليبر بلجيك" "لن افاجأ اذا جرت محاولة خلال السنوات الخمس المقبلة لاستخدام الانترنت لشن الهجوم".

واوضح ان الهجوم "سيكون من طريق دخول مركز عمل مفاعل نووي او مركز التحكم بالحركة الجوية او محطة تحويل مسار قطارات". وتاتي هذه التصريحات في وقت لا تزال بلجيكا في حالة انذار مرتفع بعد اعتداءات التي استهدفت مطار بروكسل ومحطة مترو وادت الى مقتل 31 شخصا واصابة نحو 300 اخرين. وثمة مخاوف لدى الدول المجاورة لبلجيكا منذ فترة بشان مفاعلاتها النووية بعد سلسلة من المشاكل بينها عمليات تسرب وتشققات وحادث تخريب. بحسب فرانس برس.

وتم اغلاق مفاعل "دويل1"، اقدم مفاعل نووي في البلاد، في شباط/فبراير 2015 بموجب قانون يدعو الى التخلص التدريجي من الطاقة النووية، الا ان الحكومة اعادت تشغيله بموجب اتفاق تمديد العمل به. وذكرت تقارير ان حارسا امنيا في مفاعل نووي بلجيكي للطاقة قتل وسرقت الهوية التي تسمح له بدخول المفاعل. ولم يتسن الحصول على تعليق فوري للمسؤولين على ذلك. وتاتي هذه التقارير بعدما عثر المحققون العام الماضي في شقة شخص يشتبه بصلته بتفجيرات بروكسل وباريس، على تسجيل فيديو يظهر مراقبة مسؤول في مفاعل نووي بلجيكي.

ألمانيا

في السياق ذاته وعندما اتصلت المستشارة أنجيلا ميركل برئيس شركة آر.دبليو.إي أكبر شركة منتجة للكهرباء في ألمانيا بعد يومين من وقوع الانفجار الأول بمحطة فوكوشيما النووية في اليابان لم يرد في المكالمة ذكر للتراجع عن سياساتها في مجال الطاقة. وبعد 24 ساعة علم يورجن جروسمان من وسائل الإعلام أن ميركل تخطط لإغلاق أقدم المفاعلات في البلاد والتخلص من الصناعة النووية التي وصفتها قبل ذلك بستة أشهر فقط بأنها في غاية الأهمية.

وطبقا لما ورد في وثائق قال جروسمان (63 عاما) الذي ظل رئيسا للشركة حتى عام 2012 ويطلق عليه منتقدوه لقب رامبو النووي "كانت الحكومة تظن أن ألمانيا مشرفة على كارثة نووية." ويكشف هذا القرار الذي يعد من أكبر التحولات السياسية في تاريخ ألمانيا عن عدم التنسيق من جانب ميركل على غير العادة. ومع اقتراب الذكرى السنوية الخامسة لكارثة فوكوشيما تواجه شركات المرافق الألمانية أزمة وتكافح لتغطية نفقات إغلاق المحطات.

وتحتاج ألمانيا لانفاق مليارات لتغطية نفقات التعامل مع طوفان اللاجئين وفضيحة العوادم بشركة فولكسفاجن وتعدد حالات الانقاذ لبنوكها. والمشكلة الرئيسية هي غياب التخطيط في التعامل مع تكلفة وقف مفاعلات الطاقة النووية التي تصل إلى 80 مليار يورو (88 مليار دولار). وقالت كلوديا كيمفرت في معهد دي.آي.دبليو الاقتصادي في برلين "كان يجب معالجة هذا الأمر قبل فترة طويلة". وعلى رأس هذه التكاليف ضرورة انفاق أكثر من 20 مليار يورو سنويا للتوسع في توليد الكهرباء من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.

وقال تليمان ماير أستاذ العلوم السياسية بجامعة بون "من المؤكد أن هذا القرار لم يحظ بتفكير واف." وأشار إلى أن اليابان نفسها لم تقرر التخلي عن المحطات النووية بالكامل. وأضاف "كان قرارا منفردا من جانب الحكومة أو من جانب المستشارة على وجه التحديد لم يقلده أحد في أوروبا." ومنذ كارثة فوكوشيما فقدت شركات الكهرباء الثلاث الكبرى في ألمانيا - إي. أون وآر.دبليو.إي وإن بي.دبليو - 56 في المئة في المتوسط من قيمتها السوقية مجتمعة أي ما يعادل 50 مليار يورو وتراكمت عليها ديون صافية بلغت 65 مليار يورو أي ما يعادل مثلي قيمتها السوقية المجتمعة حاليا. بحسب رويترز.

ورفعت الشركات الثلاث دعاوى قضائية على الحكومة تطالب بأكثر من 24 مليار يورو لأسباب تتعلق بسياسة ميركل النووية التي وصفتها الشركات بأنها ظالمة وحرمتها من مصدر من أهم مصادر ربحها بين عشية وضحاها. وقبل كارثة فوكوشيما كانت لدى ألمانيا قدرة توليد نووية تبلغ نحو 21500 ميجاوات أصبحت الآن 11357 ميجاوات وستنتهي تماما عام 2022 بإغلاق آخر المفاعلات. وتمثل الطاقة النووية الان نحو ستة في المئة من اجمالي قدرة التوليد في البلاد.

فنلندا

الى جانب ذلك أعلنت حكومة فنلندا التي تنتمي ليمين الوسط موافقتها على إصدار ترخيص لانشاء مخزن مستديم تحت الأرض لطمر النفايات النووية لتصبح أول دولة في العالم توافق على ذلك. ووافقت الحكومة على خطة لانشاء محطة لتغليف الوقود النووي المستنفد ووضعه في حاويات مع إقامة منشأة لطمره على جزيرة أوكيلوتو بغرب البلاد فيما وافق السكان المحليون على ذلك.

وسيتم طمر نحو 6500 طن من وقود اليورانيوم النووي المنضب في المنشأة التي ستقام على عمق نحو 450 مترا من سطح الأرض ذي التركيب الجرانيتي ومن المتوقع بدء تشغيل المنشأة بحلول عام 2023. وتعتزم السويد ان تحذو حذو فنلندا بعد بضع سنوات. وقال ياني موكا الرئيس التنفيذي للمشروع المسمى بوسيفا أوي "إنها خطوة عملاقة بالنسبة الينا. نجري أبحاثا وعمليات للتطوير في هذا الشأن منذ أكثر من 40 عاما".

ولدى العالم 270 ألف طن من مخزون الوقود النووي المنضب يرقد معظمه في قاع قنوات مائية بالمحطات النووية لتوليد الطاقة الكهربية وهو الأمر الملح الذي يستلزم ايجاد حل مستديم لطمر هذه النفايات التي تظل سميتها قائمة مئات الآلاف من السنين. وبالنسبة الى مشروع بوسيفا أوي الفنلندي فسيتم تعبئة النفايات في عبوات من النحاس ثم تنقل الى أنفاق ومن ثم الى حفر الطمر المبطنة بمادة البنتونايت العازلة. بحسب رويترز.

ومن المتوقع ان يتكلف هذا المشروع بمفرده نحو مليار يورو فيما تصل تقديرات التكاليف الاجمالية –بما في ذلك تكاليف التشغيل لمدة 100 عام- نحو 3.5 مليار يورو. وقبل تشغيل المنشأة سيجري تحليل جديد للآثار البيئية للمشروع بما في ذلك امكانية استعادة النفايات النووية اذا اقتضى الأمر علاوة على حساب مخاطر النقل.

فرنسا ومصر

على صعيد متصل قالت مجلة دير شبيجل الألمانية إن البدء في انشاء مفاعل الاندماج النووي في جنوب فرنسا تأجل خمس سنوات أخرى إلى عام 2025 فيما ستتجاوز التكاليف الفعلية التوقعات البالغة 15 مليار يورو (16.07 مليار دولار). ويقع المشروع الذي يطلق عليه اسم المفاعل النووي التجريبي الحراري الدولي (انتير) في منطقة كاداراش قرب مرسيليا ويهدف لانتاج الطاقة الكهربية من خلال الاندماج النووي في مفاعل يحول مياه البحار إلى طاقة تضخ إلى شبكة القوى الكهربية.

ونقلت المجلة هذه المعلومات عن وزارة التعليم والبحوث الألمانية وقالت المجلة إن المنشآت وحدها ستتكلف مليار يورو أخرى وسيستغرق الأمر 45 شهرا أطول من المدة المقترحة سابقا. وذكرت المجلة مشاكل تتعلق بأدوار ومسؤوليات مجموعة حملة الأسهم التي تضم عشر دول والتي تشمل إلى جانب دول من الاتحاد الأوروبي الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة وروسيا.

وقالت المجلة إنه سيجري طرح جدول زمني جديد وتحديد الأسعار في وقت لاحق. وبخلاف المفاعلات الانشطارية الحالية التي تعمل من خلال انطلاق الطاقة بفعل تفتيت الذرة فإن المفاعل الاندماجي سيولد الطاقة من خلال دمج الذرات لكن لم يتضح مدى جدوى هذه التقنية من الوجهة التجارية.

من جهة اخرى قال رئيس الوزراء المصري شريف إسماعيل إن من المقرر أن تبدأ بلاده في توليد الكهرباء من أول وحدة بمحطة نووية تضم أربعة مفاعلات بحلول عام 2024. وتأتي تصريحات إسماعيل بعد أيام من توقيع مصر اتفاقا مع روسيا لبناء المحطة النووية التي تهدف إلى تغطية احتياجاتها المتزايدة من الكهرباء.

وقالت مصر إن روسيا ستمدد قرضا لها لتغطية تكاليف بناء المحطة النووية في منطقة الضبعة بالصحراء الغربية والتي يتوقع أن تكتمل بحلول عام 2022. وتدرس مصر بناء المحطة النووية في الضبعة منذ ثمانينيات القرن الماضي. وقال إسماعيل في كلمة تلفزيونية أثناء إطلاق إشارة البدء في مشروع تنمية منطقة قناة السويس "تصل الطاقة الإنتاجية للمفاعل الواحد إلى 1200 ميجاوات ومخطط تنفيذ المحطة ودخول الوحدة الأولى الخدمة عام 2024." بحسب رويترز.

وليس معروفا كم يتكلف بناء المحطة النووية لكن الرئيس عبد الفتاح السيسي قال خلال حفل توقيع اتفاق بناء المحطة إن بلاده ستسدد القرض لروسيا على مدى 35 عاما من عائدات الكهرباء التي ستنتجها المحطة. وأضاف إسماعيل أن العمر الافتراضي للمحطة يصل إلى أكثر من 60 عاما. وتسعى مصر التي يعيش فيها 90 مليون نسمة لتنويع مصادرها من الطاقة في ظل احتياجاتها المتزايدة للكهرباء.

اوكرانيا

الى جانب ذلك ووسط منطقة محظورة واسعة في شمال أوكرانيا يجري إنشاء أضخم ساتر متحرك في العالم لمنع انتشار الإشعاعات القاتلة الناشئة عن كارثة تشرنوبيل النووية خلال المئة سنة القادمة. وفي 26 أبريل نيسان من عام 1986 أدت محاولة تجربة فاشلة بالمحطة النووية السوفيتية إلى نشر سحب كثيفة من المواد النووية الإشعاعية على مساحات واسعة من أوروبا ما أدى إلى إجلاء أكثر من 50 ألف شخص مع إصابة أعداد غير معروفة من العمال بالتسمم أثناء عمليات التطهير.

ويجري على قدم وساق تشييد البناء الخرساني الضخم على موقع المحطة النووية المعطوبة الذي شهد أكبر حادثة تلوث إشعاعي لكن لم يشرع أحد في إيجاد حل مستديم إلا في الآونة الأخيرة. ويجري إنشاء الساتر الخرساني المصمم على شكل قوس والذي يمكن رؤيته بسهولة من على بعد عدة كيلومترات ويزن 30 ألف طن وسيكتمل في أواخر العام الجاري ليمثل حاجزا صلبا يمنع الإشعاعات مع إتاحة الوقت للتخلص من بقايا الكارثة بأمان.

ويتولى البنك الأوروبي للإنشاء والتعمير تمويل المشروع الذي تصل تكلفته إلى 1.5 مليار يورو (1.7 مليار دولار) ويتضمن معونات من 40 حكومة. وتصل مساحة الساتر الجديد والمنطقة المحيطة به إلى مساحة 2600 كيلومتر مربع أي ما يقرب من مساحة لوكسمبورج ولن يقطن سكان في هذه المنطقة ولن يدخلها سوى من يصرح له بذلك. وتشير الإحصاءات الرسمية الأولية إلى مقتل 31 شخصا في الكارثة النووية لكن الكثيرين توفوا جراء أمراض تتعلق بالإشعاعات مثل السرطان فيما لا تزال مسألة العدد الإجمالي للقتلى والآثار الصحية الطويلة المدى مثارا للجدل. بحسب رويترز.

ونظم الأوكرانيون المشاركون في جهود التطهير في منطقة تشرنوبيل احتجاجات في وسط العاصمة كييف لمطالبة الحكومة بالاعتراف بتضحياتهم من خلال زيادة الإعانات الاجتماعية. وقال أحد المحتجين "منذ ثلاثين عاما عندما كنا أصغر سنا ونحن ننقذ العالم بأسره من انفجار نووي والآن لا يحتاجنا أحد". وقال علماء في الآونة الأخيرة إنه بعد مرور نحو ثلاثين عاما على حادثة تشرنوبيل بُعِثَت منطقة الكوارث من جديد إذ صارت محمية طبيعية تحفل بالأيائل والوعول والذئاب. وتشير هذه الطفرة المشهودة في المنطقة -التي أعلنت جهة محظورة على البشر عقب الحادث- إلى أن التلوث بالإشعاع لا يمنع الحياة البرية من التكاثر والازدهار.

كارثة فوكوشيما

في السياق ذاته يعاني الصيادون اليابانيون بعد خمس سنوات على كارثة فوكوشيما النووية من استمرار الخطر الاشعاعي الذي يؤثر سلبا على نوعية الاسماك المتوافرة للصيد، وسط محاولات من السلطات لتحفيز الاقتصاد المحلي مع مراعاة الهواجس الصحية. ساتوشي ناكانو صياد متمرس، الا ان شباكه خلال السنوات الأخيرة لم تعد تشبه ما كانت عليه في الماضي. فقد تغيرت حياته تماما بعد 11 اذار/مارس 2011 تاريخ حصول كارثة فوكوشيما النووية.

فخلال خمس سنوات، عاش مراحل من الشك والخيبة والصبر. ومنذ نهاية 2013، عادت انشطة الصيد لكن ببطء. ويوضح هذا المسؤول في نقابة صيادي اوناهاما الواقعة على بعد حوالى خمسين كيلومترا من المنشآت النووية المتضررة في فوكوشيما أن "التشريعات الصادرة عن الدولة لا تحظر علينا تقنيا الصيد (الا في محيط يقل عن 20 كيلومترا من المحطة) غير أنها تحد من التوزيع. المسألة تكمن في معرفة حالة الاسماك في منطقة فوكوشيما".

ويخرج ناكانو وزملاؤه مرتين اسبوعيا الى عرض البحر لاجراء تحاليل على حوالى 70 نوعا من الاسماك لا ترسل من بينها الى الأسواق اليابانية سوى تلك التي يتدنى مستوى الإشعاعات فيها أربع مرات عن المعدل المسموح به من السلطات اليابانية (100 بيكريل للكيلوغرام). لكن مهما فعل الصيادون والسلطات من بوادر للطمأنة، يبقى اسم المصدر "فوكوشيما" مرتبطا في المخيلة الجماعية للسكان بـ"الاشعاع النووي".

وعند حصول الكارثة النووية الناجمة عن زلزال عنيف وموجة تسونامي عملاقة في اذار/مارس 2011، وصل حوالى 80 % من مجمل العناصر المشعة المتسربة من مفاعلات محطة فوكوشيما النووية الى البحر "في اكبر عملية تسرب في التاريخ" بحسب شون بورني الخبير في منظمة غرينبيس البيئية. واظهرت قياسات بحرية اجرتها شركة كهرباء طوكيو (تبكو) وهيئة ادارة القطاع النووي بموجب اتفاق صادقت عليه الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ورفعت نتائجها الى الدولة ان الأمور كلها "تحت السيطرة".

غير أن الوضع يتفاوت من مكان الى اخر بحسب بورني الذي يوضح أن "مصدر القلق الرئيسي يتعلق بالاثر ضمن دائرة قطرها 20 كيلومترا من الساحل حيث يوجد التركيز الاكبر من مادة السيزيوم المشع في الرواسب". وتسحب منظمة "غرينبيس" عينات من عمق البحر من حوالى عشر نقاط على طول السواحل الشمالية الشرقية قرب المحطة ليتم بعدها تحليلها داخل مختبرين مستقلين في اليابان وفرنسا.

ويلفت بورني الى "اننا نحاول فهم ما يحصل هنا في هذا البيئة الساحلية المجاورة (لمنطقة التسرب). طبعا لم يعد الصيادون يأتون الى هنا في هذه المرحلة غير أن هذا الوضع اثر على بيئتهم وحياتهم". وتستعين "غرينبيس" في هذه المهمة بغواصة مسيرة عن بعد مزودة بأدوات تسمح بوضع خرائط بالابعاد الثلاثية عن توزع نسب الاشعاعات قبالة محطة فوكوشيما دايتشي النووية.

ويشير بورني الى ان "بعض هذه المناطق الملوثة كثيرا، صغيرة جدا اذ ان مساحتها قد لا تتعدى مترا مربعا غير أن مناطق اخرى تمتد على مئات الامتار وأحد آثار هذه المستويات المرتفعة هو أن بعض الاجناس البحرية اكثر عرضة للاشعاعات". أما مصدر القلق الآخر فيتعلق بتبعات الوضع مستقبليا اذ ان ازمة تلوث المياه لم تنته بعد. بحسب فرانس برس.

ويؤكد بورني أن "ذيول الحادثة لم تنته بعد اذ لا تزال ثمة مخلفات نووية ومياه ملوثة بشدة تتدفق يوميا. هذا الامر سيشكل تهديدا بيئيا على المدى الطويل"، مبديا اسفه لتضييع الوقت الحاصل في معالجة هذه الازمة. ويرى بورني أن "حلولا عدة اقترحت منذ بدء العملية لتطويق المشكلة لكن لم يحصل اي نقاش مفتوح بشأن افضل السبل لمواجهة الوضع". غير أنه يؤكد أن برنامج مراقبة الصيد "هو من بين الاكثر تقدما في العالم". ويقول "ارغب في ان تكون لدى الناس صورة افضل عن اسماك فوكوشيما وأن يقولوا يوما إن تحاليل دقيقة تجعل منتجاتنا من الاكثر امنا في السوق".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0