وفقا للتوقعات، فإن العام الجاري سيشهد ثباتا على صعيد النمو في الأسواق الناشئة والدول النامية، وفي المقابل سيتراجع الانتعاش وكذلك النمو في العديد من الدول. وبينما يرتفع سعر الفائدة في المصارف والبنوك الكبرى في الدول المتقدمة، فإن الدول النامية والفقيرة ستصبح أكثر ضعفا، فتجد الأموال طريقها إلى تلك البنوك هربا من الظروف الاقتصادية المتوترة والمرتبكة. وتشير التوقعات أيضا إلى أن مستويات الدين تتزايد وترتفع، الأمر الذي يؤدي إلى تنامي القلق في العديد من الدول منخفضة الدخل، التي تمكنت في الأعوام الأخيرة من الحصول على مصادر تمويل جديدة.

تباطؤ اقتصادي عالمي

انخفضت أسعار النفط بأكثر من 40٪ منذ أعلى مستوى لها في 4 سنوات، عندما تجاوز 86 دولارا للبرميل في أكتوبر/تشرين الأول، مما يثير التساؤلات حول مستقبل الاقتصاد العالمي في العام الجديد 2019، ويتداول خام برنت، المعيار القياسي العالمي، الآن قرب أدنى مستوى له منذ أغسطس/آب 2017، ويعتبر النفط أحد أهم العوامل المؤثرة على النمو المستقبلي، ويعكس الانخفاض الحاد في أسعاره مخاوف من ضعف الاقتصاد العالمي، بالإضافة إلى ارتفاع الإنتاج الأمريكي وتراجع أسعار الأسهم، ولم يفلح خفض أوبك وشركائها الإنتاج في دفع الأسعار لأعلى، وعليه تبدو القوى التي ضغطت على النفط ليتراجع في 2018 مستمرة.

وخفض صندوق النقد الدولي توقعات النمو العالمي إلى 3.7٪ العام المقبل، بدلاد من 3.9%، ويؤدي تراجع النشاط الاقتصادي إلى انخفاض الطلب على منتجات الطاقة، وحذرت وكالة الطاقة الدولية من الطلب "الضعيف نسبيا" في أوروبا والدول الآسيوية المتقدمة، بالإضافة إلى تباطؤ الطلب في الهند والبرازيل والأرجنتين بسبب ضعف العملات، وتعتقد أوبك أن الطلب على نفطها العام المقبل سينخفض بحوالي مليون برميل يوميا مقارنة بـ2018. وذكر روبن ميلز، الرئيس التنفيذي لشركة الاستشارات في مجال الطاقة، "قمر إنرجي"، إن "العامل المهيمن على الطلب سيكون التوقعات الاقتصادية، سيحصل الاقتصاد العالمي على بعض الدعم من تراجع أسعار النفط ولكن على الأغلب سيتباطأ الاقتصاد العالمي في 2019".

واتفقت أوبك وحلفاؤها في ديسمبر/ كانون الأول الجاري على خفض الإنتاج اليومي بـ1.2 مليون برميل، وتعهد أعضاء أوبك بخفض إنتاجهم 800 ألف برميل يوميا لمدة ستة أشهر تبدأ في يناير/تشرين الثاني، فيما وعدت روسيا وآخرون بخفض 400 ألف برميل أخرى، ولم يؤثر القرار بشكل كبير على الأسعار. وفاجأت الولايات المتحدة المستثمرين في نوفمبر/تشرين الأول عندما منحت 8 بلدان استثناء مؤقت بشراء النفط من طهران، وينتهي الإعفاء في مايو/أيار، ومن غير الواضح ما إذا كان سيتم تمديده أم لا.

بينما أوضح سبنسر ولش، المدير التنفيذي للنفط في IHS Markit: "من الصعب التنبؤ بالأسعار، الولايات المتحدة قامت بتحول شبه كامل في سياستها مع إيران"، وأضاف: "الإدارة الأمريكية لا تريد أن يرتفع سعر البنزين، لذا من المرجح أن تتأثر السياسة الأمريكية بتحركات السوق الذي سيتأثر بمدى فعالية خفض أوبك". وباتت الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط الخام في العالم في سبتمبر/أيلول، متجاوزة روسيا والسعودية لأول مرة منذ 1973، وأعادت طفرة النفط الصخري الأمريكي رسم خريطة الطاقة العالمية، بعدما نما إنتاج الولايات المتحدة أكثر من الضعف خلال العقد الماضي، ليثير تساؤلات حول قدرة أوبك على التأثير على الأسعار. اما جميل أحمد، رئيس استراتيجية العملات وأبحاث السوق في FXTM أفاد "أن احد العوامل التي أدت لتغير ديناميكيات صناعة النفط هو تأثير لاعبين جدد على الإنتاج، وبالأخص الولايات المتحدة".

في حين توقعت جلينكور ومركوريا إنرجي، وهما من بين أكبر شركات تجارة السلع الأولية في العالم، مزيدا من التقلبات في أسعار النفط بسبب المخاوف المرتبطة بإمدادات فنزويلا وإيران العضوين في منظمة أوبك. وأعادت الولايات المتحدة فرض عقوبات على إيران، وهو ما أدى إلى هبوط صادرات طهران النفطية، وهددت بفرض عقوبات على فنزويلا، التي يتراجع إنتاجها وسط اضطرابات سياسية وأزمة اقتصادية. وصرح ماركو دوناند الرئيس التنفيذي لمركوريا في المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس ”أتوقع مزيدا من التقلبات بسبب فنزويلا. هناك تكهنات بشأن عقوبات أمريكية محتملة ربما تؤثر على التدفقات، ومنحت واشنطن إعفاءات مؤقتة من العقوبات، لدول آسيوية في الأساس، لتتيح لهم الاستمرار في استيراد بعض النفط الإيراني.

تخمة المعروض وتباطؤ النمو

أظهر استطلاع أن من المرجح تداول أسعار النفط الخام دون 70 دولارا للبرميل في 2019 مع تقوض الجهود التي تقودها أوبك لدعم السوق بفعل الإنتاج الفائض، القادم معظمه من الولايات المتحدة، وتباطؤ النمو الاقتصادي، وتوقع مسح شمل 32 اقتصاديا ومحللا أن يبلغ متوسط سعر خام القياس العالمي برنت 69.13 دولار للبرميل في 2019 بانخفاض أكثر من خمسة دولارات عن توقع الشهر الماضي.

وكانت منظمة البلدان المصدرة للبترول ومنتجون آخرون من بينهم روسيا، فيما يعرف باسم أوبك+، قد اتفقوا في وقت سابق من الشهر الحالي على خفض الإنتاج 1.2 مليون برميل يوميا لمحاولة تصريف مخزونات الخام العالمية ودعم الأسعار. لكن التخفيضات لن تدخل حيز التنفيذ قبل يناير كانون الثاني بينما تراجعت الأسعار أكثر من 15 بالمئة منذ الإعلان. وتوقع المسح أن يبلغ متوسط سعر الخام الأمريكي الخفيف 61.05 دولار للبرميل في 2019 مقارنة مع 67.45 دولار في الاستطلاع السابق. وبلغ المتوسط 64.98 دولار في 2018. ويعتقد المحللون أن إنهاء الاستثناءات الأمريكية في العقوبات المفروضة على صادرات النفط الإيرانية سيضع ضغوطا إضافية على أسعار الخام.

من جهتها أفادت وكالة الطاقة الدولية إن نمو إنتاج النفط الأمريكي إلى جانب تباطؤ الاقتصاد العالمي من شأنهما وضع ضغوط نزولية على أسعار الخام في عام 2019، وهو ما يمثل تحديا لإصرار منظمة أوبك على دعم السوق عبر خفض المعروض. وأشارت الوكالة، التي تنسق سياسات الطاقة مع الدول الصناعية، إلى أنها تُبقي توقعاتها لنمو الطلب العالمي على النفط هذا العام دون تغيير عند 1.4 مليون برميل يوميا. وارتفعت أسعار النفط فوق 85 دولارا للبرميل في النصف الثاني من عام 2018 بفعل مخاوف بشأن انخفاض إمدادات النفط من إيران بسبب العقوبات الأمريكية الجديدة.

وهبط خام القياس العالمي مزيج برنت صوب 50 دولارا للبرميل في نهاية 2018 بسبب التباطؤ الاقتصادي وزيادة الإمدادات الأمريكية، مما دفع منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) إلى خفض إنتاجها في مسعى لإبقاء الأسعار فوق 60 دولاراً للبرميل. وذكرت الوكالة إن إمدادات النفط العالمية هبطت بمقدار 950 ألف برميل يوميا في ديسمبر كانون الأول، أي بنحو واحد بالمئة، بقيادة انخفاض إنتاج أوبك حتى قبيل دخول اتفاق تخفيض الإنتاج الجديد حيز التنفيذ في يناير كانون الثاني.

كما أضافت أن نمو الإنتاج خارج المنظمة يتجه إلى التباطؤ عند 1.6 مليون برميل يوميا في 2019 بعد نمو سنوي قياسي عند 2.6 مليون برميل يوميا في 2018. وإن ”الولايات المتحدة، التي تتصدر قائمة منتجي السوائل بالفعل، ستعزز قيادتها كأكبر منتج للخام في العالم. بحلول منتصف العام. من المحتمل أن يصبح إنتاج الخام الأمريكي أعلى من طاقة السعودية أو روسيا“. وأشارت إلى أن روسيا زادت إنتاجها النفطي في ديسمبر كانون الأول إلى مستوى قياسي قرب 11.5 مليون برميل يوميا وأنه من غير الواضح متى سينخفض الإنتاج.

ويتوقع صندوق النقد الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن ينمو الاقتصاد العالمي بوتيرة أبطأ في العام المقبل عن المتوقع قبل ستة أشهر. وتوقعت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في نوفمبر تشرين الثاني أن يتباطأ نمو الاقتصاد العالمي إلى 3.5 بالمئة في 2019 مقارنة مع 3.8 بالمئة في العام الحالي.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1