يرى الكثير من الخبراء والمراقبين ان ليبيا التي تخلصت من نظام القذافي، تمر بمنعطف خطير جراء استمرار واتساع رقعة الحرب الأهلية الخطيرة، بسبب ضعف الدولة والأجهزة الأمنية وسيطرة بعض الجماعات المسلحة بمختلف توجهاتها القبلية والدينية، الساعية الى تعزيز نفوذها وتحقيق مصالحها الخاصة والاستفادة من الفوضى الحالية، التي أسهمت وبشكل فاعل في تدمير البلاد التي باتت اقرب الى التقسيم والضياع خصوصا مع وجود بعض الجهات التي تسعى الى السيطرة على آبار النفط.. المصدر الأساسي لاقتصاد ليبيا، والتي أصبحت الهدف الرئيسي لجميع الجهات والأحزاب بما فيها الأحزاب والجماعات الإسلامية المتطرفة المدعومة من دول وحكومات إقليمية، وهو ما قد يشكل خطرا كبيرا على المنطقة بأسرها، وبحسب بعض المراقبين فأن الأوضاع في لبيبا قد وصلت الى مرحلة حرجة يصعب معالجتها، بسب استمرار الصراع بين الحكومتين المتنافستين حيث يحتاج ذلك الى تدخل عسكري كبير من قبل الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي. ويشكل النفط وكما تشير المصادر، نحو 94% من عائدات ليبيا من النقد الأجنبي و60% من العائدات الحكومية و30% من الناتج المحلي الإجمالي. وتمتلك ليبيا أكبر إحتياطيات النفط المؤكدة في أفريقيا.

النفط في قلب النزاع

وفي هذا الشأن دخل النفط في اتون النزاع على السلطة والشرعية في ليبيا مع اعلان الحكومة المعترف بها دوليا في الشرق فك الارتباط النفطي مع المؤسسة التي ظلت تدير هذا القطاع لعقود في العاصمة طرابلس الخاضعة لسيطرة حكومة موازية تساندها جماعات مسلحة. واصبحت ادارة هذا القطاع الذي يشكل 95 بالمئة من صادرات ليبيا ونحو 75 بالمئة من ايراداتها، ادارتين تعملان بشكل منفصل وتسيران نحو بيع وتصدير النفط كل على حدة، واحدة في طرابلس، والاخرى في بنغازي على بعد نحو ألف كلم شرق العاصمة.

وقال المبروك ابو سيف الذي عينته الحكومة في طبرق (شرق) على رأس مجلس ادارة "المؤسسة الوطنية للنفط" البديلة التي اسستها مؤخرا في بنغازي "نحن في المؤسسة حاولنا العمل منذ تسميتنا في اب/اغسطس الماضي مع ادارات المؤسسة السابقة والتي وقعت تحت سيطرة الميليشيات في العاصمة، ولم نفلح"، في اشارة الى المؤسسة الام في طرابلس. واضاف "لكننا لم نتوقف واعدنا بناء المؤسسة من الصفر ونقلنا مقرها الى مدينة بنغازي، وها قد أعلنا انطلاقنا في العمل حينما انتهينا من التجهيزات النهائية". وتابع "نحن مستعدون من الآن لتصدير النفط".

وتملك ليبيا اكبر احتياطات النفط المؤكدة في افريقيا والتي تقدرها منظمة الدول المصدرة "اوبك" بنحو 48 مليار برميل. وتأثر انتاج النفط بتدهور الوضع الامني في شكل كبير وتعرض بعض حقوله الى هجمات. وبعدما كانت البلاد تنتج اكثر من مليون ونصف مليون برميل يوميا قبل ثورة العام 2011، تراجع الانتاج الى نحو نصف مليون برميل حاليا.

وتدير قطاع النفط في هذا البلد الذي يتجاوز فيه سعر ليتر مياه الشرب ليتر الوقود، "المؤسسة الوطنية للنفط" اذ تتولى هذه المؤسسة الضخمة منذ عقود عمليات الاستكشاف والانتاج وتسويق النفط والغاز داخل وخارج ليبيا. ولطالما عملت المؤسسة من مقرها الرئيسي في طرابلس، لكن النزاع المسلح في العاصمة الصيف الماضي، الذي ادى الى سيطرة قوات "فجر ليبيا" وهي خليط من جماعات مسلحة بينها مجموعات اسلامية على المدينة وقيام حكومة بديلة فيها، فرض امر واقع جديد على المؤسسة.

فقد دفع السباق على تأكيد الشرعية الحكومة المعترف بها دوليا في طبرق الى الاعلان عن تأسيس الفرع البديل للمؤسسة الوطنية للنفط في بنغازي، ثم تأكيد فك الارتباط كليا بالفرع الام من جهة التصدير والبيع. واصدرت الحكومة في طبرق بيانا وجهته الى "المؤسسات والشركات المتعاقدة مع الدولة الليبية في مجال النفط والغاز عبر المؤسسة الوطنية للنفط"، اعتبرت فيه انها "الجهة الشرعية الوحيدة المخولة بيع الغاز والنفط".

وشددت هذه الحكومة على ان "اي عمليات تعاقد او بيع تتم خارج الشرعية القانونية المتمثلة في المؤسسة الوطنية للنفط (...) ومقرها مدينة بنغازي تعد مخالفة وسيتحمل المتجاوزين ما يترتب على هذه المخالفة من اجراءات قانونية". وتدعو الحكومة بذلك الشركات الاجنبية المتعاقدة اصلا مع المؤسسة النفطية في طرابلس، الى حصر التعامل مع المؤسسة البديلة في بنغازي، على ان تدير هذه المؤسسة وحدها عملية بيع وتصدير النفط من الموانئ والحقول الواقعة في المناطق الخاضعة لسيطرتها ومعظمها في شرق ليبيا.

واعتبر ابو سيف ان بيان الحكومة هذا "يمنحنا الغطاء السياسي"، مشددا على ان مؤسسته ستعمل "على عدم تمكين اية جهة تتعامل مع غيرنا من الحصول على اية عقود او مزايا في وقت لاحق اذا ما استمرت العقود السابقة حتى انتهائها". في مقابل ذلك، قالت المؤسسة الام في فرعها في طرابلس في بيان ان مجلس ادارتها يعمل بعيدا عن التجاذبات السياسية. واوضحت ان المجلس "يدير شؤونه باستقلالية تامة ولا يخضع لاي جهة سياسية (...) ويتعامل في هذه المرحلة الانتقالية بحيادية كاملة".

ورغم تأكيد المؤسسة في طرابلس على حياديتها، قال نائب رئيس الوزراء لشؤون الخدمات في الحكومة في طبرق عبدالسلام البدري ان "اي تعامل مع المؤسسة السابقة في طرابلس يعد خروجا عن القانون الدولي وشراء للنفط الليبي من السوق السوداء، وبالتالي تمويل جماعات صنفتها ليبيا والمجتمع الدولي على انها ارهابية". وينذر زج النفط في الصراع السياسي بمسار طويل من التعقيدات الاضافية بالنسبة للبلاد وبالنسبة لمستوردي النفط.

وتقول فاليري مارسيل الخبيرة في شؤون الطاقة في معهد تشاتام هاوس البريطاني ان "الحكومة في طبرق كانت تملك الافضلية بفضل سيطرتها على موانئ تصدير رئيسية (في الشرق)، لكن حكومة طرابلس كانت تحظى ايضا بافضلية وهي وجود مؤسسة النفط الوطنية في العاصمة". وترى مارسيل ان "تاسيس مؤسسة وطنية للنفط بديلة في بنغازي تزيد التعقيدات خصوصا لدى مشتري النفط".

واضافة الى ذلك، تعقّد التجاذبات حول النفط النظام المعمول به في ليبيا منذ عقود لادارة هذا القطاع وتحصيل ايراداته، علما انه من غير الواضح حتى الان ما اذا كانت ادارتا النفط في البلاد ستفرضان نظاما جديدا منفصلا لتحصيل اموال النفط. وعادة يقوم "المصرف الخارجي الليبي" وهو مؤسسة رسمية بتحصيل اموال النفط عبر فروعه في الدول المستوردة لهذا النفط، ثم يحوّل هذه الاموال الى المصرف المركزي في طرابلس الذي يبدو انه بقي حتى الان في منأى عن الصراع السياسي، رغم انه يعمل براسين. بحسب فرانس برس.

ويقوم المصرف المركزي يجمع هذه الاموال ومنحها للحكومة عبر وزارة المالية، لكنه يكتفي حاليا بدفع رواتب الموظفين الحكوميين فقط، من دون ان يقدم اموالا اخرى لاي من الحكومتين، بحسب مسؤولين في السلطة الحاكمة في طرابلس. وتقول مارسيل "انه وضع معقد جدا. حكومتان وبرلمانان ورئيسان للمصرف المركزي نفسه، والان مؤسستان للنفط!".

تقسيم البلاد

من جانب اخر حذر رئيس حكومة ليبيا الموازية عمر الحاسي من أن محاولات حكومة منافسة في شرق البلاد لإحكام السيطرة على صناعة النفط من شأنها تصعيد الصراع السياسي وتقسيم الدولة. وفي ليبيا تتنافس حكومتان على السلطة منذ أغسطس آب عندما استولت مجموعة تسمى عملية فجر ليبيا -يقول معارضون إنها مدعومة من قبل الإسلاميين- على طرابلس واضطر رئيس الوزراء المنتخب إلى الانتقال لمدينة صغيرة بالقرب من الحدود مع مصر. ويتجنب الطرفان حتى الآن الحديث علنا عن احتمال تقسيم البلاد.

وجاء تحذير الحاسي بعدما أعلنت حكومة الثني مسؤوليتها عن شن غارات جوية على مطار معيتيقة الدولي في طرابلس مما أدى إلى تصاعد المواجهة التي بدأت بهجوم من فجر ليبيا على قوة منافسة في طرابلس في يوليو تموز. ولا تعترف الأمم المتحدة والقوى العالمية بالجهات الحاكمة في العاصمة التي سيطرت على الوزارات ومرافق النفط والمطارات ومعظم غرب ووسط ليبيا.

وقال الحاسي "المساعدة الآن لخلق مؤسسات نفط أخرى هذه مساعدة على الانقسام فى ليبيا. العالم الغربي سيكون مسؤولا عن هذه المشكلة القادمة." وأضاف الحاسي أن تعيين رئيس للمؤسسة الوطنية للنفط محاولة للاستيلاء على منشآت نفطية في الشرق بمساعدة اللواء السابق خليفة حفتر الذي اندمجت قواته المسلحة مع الجيش في الشرق لمحاربة أعداء يصفهم بالإسلاميين. لكن الحاسي قال إن حكومة الثني أظهرت أنها تعتزم السيطرة على المنشآت النفطية في دويلة صغيرة بالشرق من خلال اختيار المبروك بوسيف رئيسا جديدا للمؤسسة الوطنية للنفط وهو من نفس قبيلة إبراهيم الجضران الزعيم السابق للمسلحين الذين استولوا على الموانئ في شرق البلاد لمدة عام للضغط من أجل الحصول على حكم ذاتي. وقال الجضران الذي أعاد فتح موانئ النفط في أبريل بعد التوصل لاتفاق مع حكومة الثني إنه سيعمل على انفصال الشرق إذا اعترف العالم بحكومة الحاسي.

وأوضح الحاسي أن أوبك اسهمت في تصعيد الوضع برفض دعوة وزير النفط في حكومته ما شاء الله الزوي إلى اجتماع أوبك والذي حضره وفد حكومة الثني. وقال الحاسي إن تركيا قد تتوسط بين الجانبين إذ أن لديها مصلحة مباشرة بسبب مصالحها التجارية الكبيرة في ليبيا. ويقول دبلوماسيون إن الأمم المتحدة بدأت حوارا لكن المحادثات لم تسفر عن شيء. بحسب رويترز.

وأضاف الحاسي "لتركيا مصالح وتركيا تريد أن تقدم حلا سريعا للمشكلة الليبية حتى تبدأ الاستثمارات. تركيا دولة تفكر في الاقتصاد." وتابع قائلا "تركيا تمتلك لغة هادئة ولغة جيدة وعقلها جيد في التفكير السياسي معنا وتمنح الفرصة للطرفين للحوار وهو مهم جدا." وأضاف أنهم "يفكرون بعقلية متوازنة تريد أن تحل المشكلة وتتمنى حل هذا الأمر." وتركيا واحدة من الدول القليلة التي التقت كبار المسؤولين في حكومة الحاسي علنا. كما دعت أنقرة -التي تربطها أيضا علاقات جيدة مع الثني- الزوي لحضور منتدى أعمال. وقال الحاسي إن حكومته منفتحة على الحوار مشيرا الى أن هذا الصراع لا يمكن حله عسكريا.

بلد ممزق

على صعيد متصل ربما يواجه أكبر حقل نفط في ليبيا أغلقه مسلحون في وقت سابق صعوبات كبيرة لاستئناف الانتاج فيما يجتذب الصراع الذي يقسم هذا البلد الصحراوي مزيدا من مجموعات المقاتلين وبينهم القبائل الفقيرة في الجنوب التي تطالب بنصيب من ثروات الارض. وتعرض حقل نفط الشرارة الذي يبلغ انتاجه 340000 برميل يوميا لهجوم شنه مسلحون أغلقوا مصدرا رئيسيا لايرادات الحكومة وحطموا الآمال في إفلات قطاع النفط من الاضطرابات التي تشهدها ليبيا.

وبينما قال عمال في قطاع النفط ان المسلحين الرئيسيين مقاتلون يدعمون عملية فجر ليبيا - وهي الجماعة المسلحة التي سيطرت على طرابلس فان سكانا يقولون إنهم مدعومون بمقاتلين آخرين من المنطقة. لكن السكان المحليين أضافوا انه لابد وأن التحالف مؤقت لان منطقة جنوب الصحراء تخضع لسيطرة قبائل لا تتلقى أوامر من أحد.

لذلك فان المعركة من اجل حقل النفط الذي يقع في عمق جنوب الصحراء الليبية يرجح ان تكون تكرارا لنفس النموذج المقسم والمعقد الذي تشهده أجزاء مختلفة من البلاد التي بها بالفعل حكومتان وبرلمانان منذ الصيف حيث تقاتل بلدات بلدات أخرى وتقاتل قبائل قبائل أخرى. وتزداد حدة التوتر بسبب أن الجنوب الذي يعرف باسمه التاريخي فزان هو أفقر مناطق ليبيا فقد واجه إهمالا شديدا من حكومات طرابلس التي استغلت النفط لكنها لم تقدم شيئا يذكر لتطوير المنطقة.

وأغلق السكان المحليون المسلحون الحقل مرتين منذ اكتوبر تشرين الاول 2013 لتقديم مطالبهم المالية والسياسية مثل تمثيل سياسي أفضل أو بطاقات هوية وطنية يحتاجون اليها للحصول على المميزات التي توفرها الدولة. وتدهور هذا الوضع منذ الصيف عندما عرقل القتال والصراع السياسي العمل في وزارات الحكومة وقطع طرق الامداد. وأصبح العثور على كل شيء من الغذاء الى الدواء والنقود اكثر صعوبة.

وقال ابراهيم كرنفودا عضو مجلس النواب من أوباري وهي بلدة مجاورة لحقل نفط الشرارة ان الناس في الجنوب لا يستفيدون على الاطلاق من النفط. وأضاف ان الشبان يعتقدون انهم يحق لهم حماية الحقل لانه يقع في منطقتهم. ولا تعاني الجماعات المسلحة المتنافسة من نقص في الذخيرة التي تم الاستيلاء عليها اثناء انتفاضة 2011 من ترسانات القذافي وتلك التي أرسلها الحلفاء الغربيون الى ليبيا وتوزع الان على نطاق واسع في أنحاء البلاد. والمقاتلون مسلحون جيدا ولديهم الاسلحة الخفيفة مثل بنادق الكلاشنيكوف والمسدسات والقنابل اليدوية الى جانب الشاحنات التي تحمل المدافع المضادة للطائرات.

وليس بامكان أي من الجانبين فيما يبدو التغلب على الاخر لان الوصول الى ساحات المعارك لا يكون سهلا في أغلب الأحيان. ويعاني الجنوب على وجه الخصوص من نقص الطرق الجيدة ونتيجة لذلك فإن الموقف هناك سيظل غير محسوم لبعض الوقت على الأرجح. وكان مقاتلو الزنتان المتحالفون مع حكومة الثني يحمون حقل الشرارة وهو اكبر حقل يعمل في ليبيا الى أن جاء مقاتلون من عملية فجر لييبا ومعظمهم من مدينة مصراتة الساحلية في غرب البلاد. بحسب رويترز.

ومن الناحية السياسية فان جماعة فجر ليبيا مرتبطة جزئيا بالاسلاميين وجماعة الاخوان المسلمين. ومقاتلو الزنتان جزء من ائتلاف قومي متحالف مع حكومة الثني ولهم صلات أيضا باللواء خليفة حفتر - وهو لواء سابق في جيش القذافي يقاتل الاسلاميين في بنغازي. وقال موظف كبير في قطاع النفط طلب عدم نشر اسمه "مجموعة متحالفة مع مصراتة سيطرت على الحقل." وأكد عبد الحميد كرير المسؤول عن قوة حماية المنشآت النفطية التي يقودها مقاتلو الزنتان ان رجاله انسحبوا وأقر بالهزيمة لكنه قال ان من المتوقع اندلاع مزيد من الاشتباكات.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0