اقتصاد - طاقة

الصناديق الثلاثة والتخبط التشريعي في العراق

قانون شركة النفط الوطنية العراقية أنموذجاً

في يوم 5 اذآر 2018 صوت مجلس النواب العراقي على قانون شركة النفط الوطنية العراقية الذي يكفل تنظيم وتطوير الصناعة النفطية إستكشافاً وحفراً وانتاجاً ونقلاً وتسويقاً في عموم محافظات العراق وكذلك إقليم كردستان العراق وبهذا الفقرة الاخيرة فقد أصبح لشركة النفط الوطنية العراقية الحق في التوسع في الاستثمار النفطي في كل أنحاء العراق.

لمحة عامة

يتكون قانون شركة النفط الوطنية من 22 مادة تبدأ من التعريف بالمصطلحات والتأسيس ورأس مال الشركة ومجلس إدارة الشركة وهيكلها التنظيمي مرورا بـ التزامات وحقوق الشركة أحكام عامة وختامية وانتهاءاً بالأسباب الموجبة لتشريع هذا القانون المتمثلة بضمان استكشاف وتطوير وإنتاج وتسويق الموارد النفطية في الحقول والأراضي المخصصة لها، من أجل زيادة الإنتاج وتطوير الصناعة النفطية والغازية والمرافق والمنشآت ذات العلاقة وأساليب العمل على أساس الكفاءة والمرونة والتنافسية لتعظيم الإيرادات لصالح الشعب العراقي وعلى وفق المعايير الدولية المعترف بها.

اتضح من خلال هذا القانون إن الثروة النفطية أصبحت ملك للشركة وذلك من خلال التحكم بالإيرادات النفطية والغازية كما يحلو لها في حين هذا التحكم لم يتوافق مع الأسباب الموجبة لإنشاء هذا القانون ولم يتوافق مع ما اقره الدستور في المادة 111 الذي سيتضح لاحقاً، حيث أخذت تقوم بتوزيع الايرادات النفطية والغازية بعد تسديد تكاليفها التشغيلية والاستثمارية، بين شقين رئيسيين الأول والذي تكون نسبته 90% يذهب لخزينة الدولة، والثاني وهو المتبقي 10% يوزع بين أربعة نوافذ وهي احتياطي الشركة وصندوق المواطن وصندوق الأجيال وصندوق الاعمار.

إنقلاب النسب المشروعة

وحتى لو افترضنا وفرض المحال ليس بمحال، ان للشركة الحق إلى جانب تطوير الصناعة النفطية، إدارة الإيرادات النفطية والغازية فهل من المعقول إن 90% من الأرباح يتم تحويلها لخزينة الدولة في حين إن 10% يتم تحويلها للمالك الحقيقي (الشعب العراقي) عبر الصناديق الثلاثة السابقة الذكر؟! إذ إن استمرار تحويل الجزء الأعظم نحو خزينة الدولة، هذا يعني ان هذا القانون مازال لم يحتفظ بحقوق الاجيال اللاحقة من جانب وعدم تحقيق العدالة بين أفراد الجيل الحالي من جانب آخر كون هذا الجزء يذهب لنحو أكثر من ثلثين نحو الجانب الجاري (التشغيلي) وهم من له علاقة بالحكومة من موظفين سواء بصفة دائمية او وقتية على شكل عقود او أجور يومية، علماً إن العدد الاجمالي من لهم علاقة بالحكومة لايتجاوز عددها 28% من عدد سكان العراق.

مهام القانون

حيث اخذت المادة 13 ثالثاً من هذا القانون مسالة الايرادات النفطية والغازية وكيفية إدارتها بعين الاعتبار وذلك عبر النوافذ المذكورة آنفاً على ان تصدر تعليمات من مجلس إدارة الشركة لاحقاً توضح عمل هذه النوافذ الاربعة لكن المسألة الأهم إن هذه الايرادات ليس من مهام هذا القانون ولا من اختصاصه، لان مهامه معروفة وهي تطوير الصناعة النفطية استكشافاً وحفراً وانتاجاً ونقلاً وتسويقاً، وهذا ما أوضحته المادة 8 أولاً 2- شركات استكشاف واستخراج وانتاج النفط والغاز. وثانياً ترتبط بالشركة الشركات المملوكة التالية:

1- شركة الاستكشافات النفطية

2- شركة الحفر العراقية

3- شركة نفط البصرة

4- شركة نفط الشمال

5- شركة نفط ميسان

6- شركة نفط الوسط

7- شركة نفط ذي قار

8- شركة تسويق النفط (سومو)

9- شركة الناقلات العراقية

فنلاحظ من خلال هذه المادة (8 أولاً وثانياً) لا توجد شركة متخصصة بإدارة الايرادات النفطية والغازية حتى نستطيع أن نقول إن هذه الشركة ستقوم بإدارة الايرادات النفطية والغازية وفقاً للنوافذ الأربعة التي ذكرها القانون في المادة 13 ثالثاً، وكما تمت الإشارة إليه قبل قليل إن مهام هذه الشركات تختلف عن مهام الادارة المالية للإيرادات النفطية، فهي تختص بالاستكشاف والتنقيب عن النفط ومن ثم العمل على استخراجه وإنتاجه ومن ثم نقله وتسويقه لاماكن استهلاكه سواء كان محلياً أو خارجياً، وحتى وإن توفرت شركة مختصة بإدارة الايرادات النفطية والغازية، فبالاضافة إلى سوء التوزيع السابق وهو 10% و90% فبأي حق تمتلك الشركة إدارة هذه الإيرادات التي هي ملك للشعب العراقي؟!

انتهاك الدستور

ولذا فمسألة التدخل في إدارة الايرادات النفطية والغازية والتحكم بنسب توزيعها وإنشاء نوافذ أربعة من قبل هذا القانون يعد انتهاكاً صارخاً للدستور خصوصاً للمادة 111 التي تنص على ان "النفط والغاز هو ملك لكل الشعب العراقي في كل الأقاليم والمحافظات" فلا يمكن لشركة تختص في تطوير الصناعة النفطية ان تقوم بإدارة الايرادات النفطية والغازية لان إدارة هذه الإيرادات لابد أن تكون من قبل جهات مختصة في الادارة المالية والاستثمار وتتسم بالاستقلال المالي والإداري حتى لا تخضع لسلطة الحكومة وتعمل على توجيه هذه الايرادات وفقاً لمصالح الحكومة ومتطلباتها بعيداً عن مصالح ومتطلبات المالك الحقيقي لهذه الثروة ألا وهو الشعب العراقي.

وفي حال تم إنشاء إدارة مستقل بشكل كامل مالياً وإدارياً كما يود البعض سيتعرض الاقتصاد العراقي إلى تضارب سياساته الاقتصادية وخصوصاً المالية والنقدية، فلو فرضنا إن هذا الادارة المستقلة مالياً وإدارياً بشكل كامل قامت بالاستثمار في الاقتصاد العراقي كأن قامت بشراء الأسهم والسندات أو العقارات أو غيرها، هذا سيعني حقن الاقتصاد العراقي بمزيد من النقود الذي سيولد الضغوط التضخمية التي تهدف السياسة النقدية في الغالب إلى محاربتها أو جعلها عند أقل ما يكون، وهذا هو التضارب، أو ربما تقوم بالاستثمار خارج الاقتصاد العراقي في حين انه بأمس الحاجة للاستثمارات وهذا ما يضر بالسياسة المالية كون استثمارات الادارة في الخارج ينبغي أن تكون داخل الاقتصاد وبشكل مكمل لاستثمارات المالية العامة لمنع التضارب.

التعديلات المطلوبة

وعليه لا يمكن أن تكون إدارة الإيرادات النفطية والغازية بشكل مستقل وانفصالي عن البنك المركزي وزارة التخطيط ووزارة النفط وزارة المالية وغيرها من الجهات ذات العلاقة لانه وكما ذكرنا إن الادارة بشكل مستقل وانفصالي عن الجهات ذات العلاقة سيولد المزيد التضارب والفوضى في السياسات الاقتصادية وعدم تحقيق أهدافها بالوقت المناسب وزيادة هدر الموارد والتكاليف، ولذا لابد ان تكون الادارة مشتركة بين هذه الجهات.

ولذا لابد من العمل على ثلاث نقاط وكما يلي:

1- فصل ادارة الصناديق الثلاثة عن قانون شركة النفط الوطنية العراقية لان هذا القانون يهتم بتطوير الصناعة النفطية استكشافاً وحفراً وإنتاجاً ونقلاً وتسويقاً في حين إن إدارة الصناديق الثلاثة لم تكن من اختصاصه من جانب ومخالفة للأسباب الموجبة لهذا القانون من جانب آخر وتمثل إنتهاك صارخ للدستور من جانب ثالث.

2- قيام البنك المركزي بإدارة الإيرادات النفطية والغازية عبر الصناديق الثلاثة وذلك من خلال استحداث وحدة خاصة لكل صندوق ضمن قسم واحد يمكن ان يسمى "قسم الصناديق العراقية" تحت إدارة وإشراف البنك المركزي وبالتعاون مع وزارة المالية والتخطيط والنفط وللبرلمان الحق في متابعة ومراقبة أداء الصناديق عبر التقارير التي يصدرها قسم الصناديق العراقية في البنك المركزي لوزارة المالية حتى نضمن مراقبة الشعب لثروته وسير أدائها بالشكل المطلوب، بالإضافة إلى توحيد الجهود لتلافي التضارب بين هذه الجهات ولتحقيق الأهداف المرسومة بأسرع وقت وبأقل الكلف.

3- اعادة النظر بالنسب الموزعة بين خزينة الدولة والصناديق الثلاثة فلابد أن تكون النسب الأكبر للمالك الحقيقي وهو الشعب العراقي كما أشار الدستور العراقي في المادة 111، أي لابد أن تكون النسب على أقل تقدير هي 50% للصناديق الثلاثة و50% لخزينة الدولة على ان تقل تدريجياً لصالح الصناديق مستقبلاً حتى نكون امام تعبير حقيقي لملكية الشعب لثرواته.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2018
www.fcdrs.com

..........................
المصادر المعتمدة//
قانون شركة النفط الوطنية العراقية متاح على موقع مجلس النواب العراقي.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0