لم يكن التعليم الالكتروني خيار وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في العراق، فالمؤسسة التعليمية الرسمية الأعلى في العراق لا تعترف بالنظام الالكتروني للتعليم، وحاربته على مدار الأعوام الماضية، وتلمسنا هذه الحرب المعلنة من خلال رفض أي فكرة للاستفادة من التقنيات الحديثة في مجال التعليم، فلا توجد مختبرات كبيرة ولا واجبات طلابية الكترونية، ولا توجد منصات الكترونية مخصصة للجامعات العراقية، اما استخدام المصادر الالكترونية فتلك قصة اخرى.

جاء فيروس كورونا وصفع الوزارة على وجهها صفعتين، الأولى باجبارها على ترك مقاعد الدراسة ولمدة غير محدودة ما اربك حساباتها وجعل فكرة التقويم الجامعي في مهب الريح، والثانية عندما ادخلها الى نظام التعليم الالكتروني واستخدام جميع الوسائل التعليمية التي كانت في وقت ليس بالبعيد بانها وسائل غير صالحة، ونتائجها غير مضمونة فيما اذا أراد الأستاذ توصيل المادة العلمية للطلبة.

بدون خطة

في ظل الظروف التي فرضها فيروس كورونا لا نستغرب غياب التخطيط ومن الظلم ان نلوم المؤسسات الرسمية على أمور خارج نطاق سيطرتها، فالازمة بطبيعتها خلل في النظام يؤدي الى عدم التوازن بين اجزائه، لكن طبيعة الاستجابة يجب ان تكون على قدر من التناسق فالعشوائية في قرارات الوزارة جعلتها تترنح يوميا بقرار جديد، لا تعرف اين تذهب وأين توجه دفة سفينة التعليم المتهالكة، جاء القرار من الجهات العليا باللجوء الى النظام المغضوب عليه سابقا، موقع كلاس روم، والمودل، وتطبيقات التواصل الاجتماعي مثل يوتيوب وتلغرام، كلها باتت خيارات متاحة امام الأستاذ الجامعي ليستفيد منها في توصيل المادة العلمية لطلابه.

نعم، نتفهم الظرف العصيب، لكن لا نتفهم لماذا تقول الوزارة في بداية الازمة ان التعليم الالكتروني غير معترف به وان المادة التي سوف يدرسها الطالب سوف يعيدها الأستاذ عليه عند عودة الدوام، وهذا اثر بشكل سلبي وجعل الطلاب يشعرون بانهم امام وضعية لقضاء الوقت فقط، ثم عادت الوزارة وقالت ان التعليم الالكتروني معتمد لديها، ولن تعاد المحاضرات ويجب على الأساتذة اكمال المنهج الكترونيا، ونعرف ان اكمال المنهج بحاجة الى اجراء بعض الاختبارات البسيطة والواجبات البيتية، لكن الوزارة تقول ان الامتحانات لا يمكن احتسابها وعلى الكادر التدريسي التوقف عن اجراء الامتحانات، والى الان لم تتفق اراء الوزارة على طريقة معينية حول نظام التعليم الالكتروني.

ضعف كفاءة البرامج التعليمية

اعتمدت الكادر التدريسي على نوعين من المنصات للتواصل العلمي مع الطلبة الأولى مواقع مخصصة للتعليم الالكتروني، وهذه وظيفتها الوحيدة، وهي منصة جوجل كلاس روم، ومنصة المودل، بالنسبة لمنصة جوجل كلاس روم فهي المنصة الاسهل لكنها تفتقد للجانب الرسمي وهي تشبه المكان العام الذي يستطيع أي شخص فتح صف الكتروني ودعوة الطلاب اليه، لا يمكن مراقبتها من المؤسسة الجامعية وهي تخضع كليا لموقع جوجل، اما منصة المودل فهي منصة تعليمية يمكن للجامعة ان تخصص اعدادتها والسيطرة عليها كليا، لكنها تفتقد للسلاسة في العمل ولا تزال صعبة مقارنة بمنصة جوجل كلاس روم.

النوع الثاني هو المنصات المساعدة متمثلة بـ"تطبيق التلغرام وموقع يوتيوب"، ووظيفة هذه التطبيقات ضمان التواصل بين الطلبة والأستاذ من حيث التبليغات وغيرها، لكن الوزارة وبسبب قراراتها اليومية جعلت الطالب يشعر ان التعليم يجب ان يجري عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي، وهذا غير ممكن لانها غير مخصصة للتعليم أصلا، وتفتقد للكثير من الخصائص التدريسية، وكل ما فيها انها تمثل حلقة وصل لا اكثر.

كفاءة الكوادر التدريسية

اذا قلنا ان هناك نسبة كبيرة من الأساتذة لا يستطيعون التعامل مع التعليم الالكتروني، فهذه ليست شتيمة ولا انتقاصا منهم بقدر ما هو توصيف للواقع، والسبب مرتبط بطبيعة المنظومة التعليمية التقليدية التي تعود عليها الأستاذ منذ أعوام عدة، لم يدخل الأستاذ الجامعي دورات تطويرية في مجال التعليمي الالكتروني، (باستثناء بداية العام الدراسي الحالي)، ولم يستخدمه بشكل منتظم الا بعد ظهور فيروس كورونا وفرضه الحظر على الجميع، لذلك كانت نسبة استجابة الكادر التدريسي ضعيفة، وفي بعض الأحيان مرتبكة وغير واضحة ما جعل الطالب تائه ولا يعرف من اين يغترف المادة العلمية.

الاستجابة الطلابية

الطالب العراقي عموما يعش ظروفا صعبة، فالاغلبية يمر بنقطة تحول، بعضهم تزوج خلال فترة الجامعة واستقل في بيت خاص، والبعض الاخر في طور الانتقال، وما بينهما الطالب الفقير الذي لا يستطيع توفير قوت اسرته، مع هذه الظروف تطلب المؤسسة التعليمية من الطالب توفير الانترنت بشكل دائم وضرورة ان يكون الانترنت سريعا ليشغل المنصات التعليمية التي لا تعمل مع الانترنت الضعيف في العراق، لا يستطيع غالبية الطلبة توفير الانترنت ويجبرون على ترك المحاضرة الالكترونية، وبعضهم شن هجوما لاذعا على التعليم الالكتروني، وصنع رأيا طلابيا عاما يعارض الفكرة من الأساس لانها لا تتوافق والظروف التي يعيشونها، كل هذا ساهم اما بالاستهزاء بالتعليم الالكتروني، او التعامل معه بقليل من الجدية.

اما النقطة الأبرز فهي عدم تعود الطالب على هذه الطريقة التعليمية الجديدة، بل ان بعض الطلاب لا يستطيع فتح حساب عبر الايميل، بينما تريد منه المؤسسة التعليمية ان يدخل ويتفاعل في صف الكتروني.

حلول مقترحة

على وزارة التعليم ان تضع مجموعة من الحلول للاستفادة من الأخطاء الحالية واصلاحها وفق الاتي:

1. وصع خطة قصيرة الأمد للاستفادة من التعليم الالكتروني واكمال المنهج الدراسي لهذا العام باكمل وجه.

2. وضع خطة متوسطة الأمد للاستفادة من التعليم الاكتروني للعام الدراسي القادم ووما بعده، فلا نعلم الى أي وقت يستمر وباء كورونا.

3. وضع خطة طويلة الأمد تسمى خطة التحول، لاشراك النظام الالكتروني مع النظام التعليمي الصفي وجعله جزء أساسيا من النظام التعليمي في العراق.

4. انشاء منصة تعليمية مجانية توفرها شركات الاتصالات العاملة في العراق، يمكن للطالب فتحها في أي مكان واي وقت يشاء وان تعمل بشكل سلسل وبدون أي تعقيدات.

5. اجراء دورات تطويرية للكوادر التدريسية بشكل سنوي، وجعلها جزء من تقييم الأستاذ الجامعي.

6. إعادة النظر نظام التعليم وتوزيعه بين التعليم الالكتروني والصفي من اجل مواكبة التطورات.

7. إعادة النظر بطريقة اختبار الطلبة، واقتطاع جزء من الاختبارات التقليدية لصالح البحوث والتقارير التي يعدها الطلبة من اجل تعزيز الجانب البحثي الطلابي.

8. التفكير المستقبلي بتوفير أجهزة الكترونية مجانية لكل طالب جامعي، توزع كما توزع الكتب الورقية، وتكون مخصصة للتعليم فقط حتى لا يجبر الطالب على استخدام الهاتف في مجال التعليم.

انقر لاضافة تعليق
مرتضى احمد
احسنت دكتور ، كل ما ذكرته ما ذكرته هو ما نمر به حاليا ، واضيف ما مر به من الاسبوعين الماضي لتسجيل الحضور والغياب داخل موقع مودل ، اهتم الكادر التدريسي في مختلف الجامعات على تسجيل الحضور اكثر مما يكون الاهتمام هل فهم الطالب المادة ؟ كيف يتاكد الاستاذ من فهم الطالب للمادة حتى وان كانت ثلاث محاضرات ؟2020-04-19

مواضيع ذات صلة

1