رجعت متعبا من العمل الذي أصبح مملا بعض الشيء في ظل أزمة كورونا التي ألمّت بالبشرية بصورة عامة، لم تستثني جنس أو طائفة أو عرق، هكذا هي الأمراض لم تفرق بين صغير أو كهل، غني وفقير، اسمر البشرة أم ابيض، ولم يتوقف عن حلوله ضيف مزعج على النساء أيضا.

بعد دخولي إلى البيت وجدت اخي الذي يصغرني بعشرة أعوام متحيرا، وعرفت السبب فيما بعد هو انقطاع خدمة الإنترنت، وهو بأمس الحاجة اليها لكونه يجري الامتحانات الفصلية في كلية الإدارة والاقتصاد المرحلة الرابعة، تذكرت بعد ذلك انهم أصبحوا يتلقون موادهم الدراسية عبر الشبكة العنكبوتية.

من الأمور المهمة والجميلة في ذات الوقت هو التعامل مع الأزمات والتغيرات الطارئة، وفي هذا المضمار نود الإشارة لما قامت به وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في سبيل مجاراة الأوضاع الراهنة وتقليل الضرر الناجم عنها، فضلا عن مواصلة مسير الركب العلمي.

لكي نكون اكثر تفاؤلا يمكن ان نعد هذا الإجراء المرحلي من الإجراءات الناجعة لتلافي الأزمة، والظفر بعام دراسي بما يحمله من أتعاب وخسائر مادية من قبل الطلبة بجميع الاختصاصات العلمية، ولا يمكن لنا الشك بنوايا الجهات التعليمية في البلاد، فهي بالتأكيد تراعي أهمية العلم ومستقبل الشباب العلمي، ولا تريد ان تلحق بهم الأذى اكثر مما لحق بهم في السنوات الماضية، وما هذه المبادرة إلى دليل على اهتمامها في الحصول على العلم والمعرفة من اجل الاستفادة منهما في القطاعات المختلفة.

لم يبقى امام الوزارة سوى هذا الخيار الذي تتبعه بعض البلدان بشكل سبق دخوله إلى العراق على اثر الوعكة الصحية التي إصابات ما يقرب من 160 دولة حول العالم، امر يفسر ان دخوله كان اضطراريا وليس إدراكاً لاهميته، وتماشيا مع الحداثة التي تسعى الكثير من دول العالم إلى مواكبتها.

بعد تسليط الضوء على هذه الإشراقة الناجمة عن اتباع هذا النظام الجديد علينا ان تناول بعض سلبيات الاستخدام، اذ قمت بإجراء بعض الحوارات مع الطلبة الذين تعاملوا مع الأسلوب الحديث، فتبين انهم يعانون وبشكل كبير من ضعف خدمة الإنترنت في اغلب الأوقات لاسيما الأوقات التي تم تحديدها من قبل الأساتذة، فهي عادة ما تكون في أوقات الذروة.

ان من عوائق استخدام أو الاستمرار على هذه الوسيلة لإكمال المناهج الأكاديمية هو تردي الخدمات المتعلقة بالإنترنت، ولم نلاحظ ادنى اهتمام من الجهات المسؤولة عن هذا الملف في الحكومات كافة، اذ يعد من الملفات العالقة ولم توضع لها الحلول اللازمة.

ضعف الخدمة ادى إلى توليد شعور الإحباط لدى المستخدمين بصورة عامة، اذ يعاني الفرد من عدم إكمال مكالمته أو محادثته سواء في موضوعات مهمة أو غيرها من باب التسلية، وبالتالي فان هذا الشعور لازم المستخدم من الطلبة الذين يوجد فيما بينهم من ليس لديه الرغبة تجاه التعلم والحصول على الشهادة الجامعية، اذ وجد في ذلك الضعف فرصة مثالية للهروب من المسؤولية امام أسرته وبعض أصدقاءه.

وكذلك أيضا يمكن ان يأتي ضمن المآخذ على هذه الطريقة هو الافتقار إلى التجاذب الذي يحصل بين الأستاذ والطالب كما في القاعات الدراسية التقليدية، فغالبا ما يشعر الطالب بالملل ومن ثم عدم الانتباه، وبالنتيجة نكون قد فقدنا اهم عوامل اكتساب المعرفة وهو التفاعل فيما بين المرسل والمستقبل. مما قد يدفع بالطالب إلى عدم الاهتمام بما يُقدم وقد يفضل البقاء في كروبات المحادثة مع الأصدقاء واضعا العلم والدراسة خلف ظهره، ويمكن ان يكون السبب في ذلك هو التأكد من ضعف أو انعدام المسألة الرقابية من الأهل أولا ومن الطواقم التدريسية ثانيا.

وقد لا نبالغ إذا ما قلنا ان المستويات العلمية وفق هذه النمط ستكون متشابهة ويصعب التمييز بين من يستحق الدرجة العالية من غيره في الاختبارات.

ولرب أحد القراء يُشكل علينا بهذه الجزئية، ويرد هذا القول علينا، وهنا اود الإجابة عليه، ببساطة ان الكثير من الطلبة وفي المرحلة التي سبقت المرحلة الحالية يحاولون انتهاز الفرصة عبر اتباع أساليب وطرق ملتوية للحصول على درجات تمكنهم من العبور في الاختبار ولا داعي لذكر هذه الطرق كونها معروفة منذ امد، وبعد ذلك يحق لي ان أتساءل، من الذي يضمن الشفافية من قبل الطالب إذا كان يجري الاختبار في المنزل، ولا يوجد من يراقبه سوى ذاته؟، هنا تكمن الإشكالية وسيباع الأخضر بسعر اليابس كما يقال.

بهذه الصورة نكون قد وضعنا الجميع بنفس الميزان، وقتلنا روح الرغبة والحماس لدى المجتهدين الذين في العادة لديهم القدرة على الإبداع والتميز على أقرانهم الذين قد يكونوا مجبورين على انخراطهم في المراحل الدراسية ولم يجدوا فيها سوى تحصيل حاصل.

وبذلك نكون قد شيعنا روح الاجتهاد إلى مثواها الأخير وجعلنا اليأس يخيم في نفوس المتميزين، وأعلنا ان الكل سواسية يسيرون في ذات المركب، ولم تتاح الفرصة مجددا للذين يرمون التميز ولديهم صفات كثيرة من بينها حب العلم والمثابرة من اجل الوصول إلى مطلبهم وتحقيق هدفهم ونيل غايتهم، ليشرق مستقبلهم.

فمن دواعي اعتراض الطلبة على هذه الوسيلة هو ما يقوم به بعض الطواقم الأكاديمية والمتمثل بإعطاء المادة بشكل مكثف في سعي منه لإكمالها وإبراء ذمته امام الجهات المسؤولة متناسيا ان ذلك سينعكس بصورة سلبية على اهتمام الطلبة، ولم نجد تعاطي يؤدي إلى الاستفادة بنسبة كبيرة من المادة المقدمة، مما ادى إلى خروج الطلبة من البرامج الموضوعة لذلك الغرض.

وعلى هذا الأساس يجب ان يتم مراعاة الحالة النفسية التي يعيشها الطلبة في المرحلة الحالية، فهم يقاتلون على جبهات متعددة واهمها جبهة مواجهة الفيروس القاتل، فعندما نخفف من الضغوطات عليهم سنضمن تفاعلهم واستجابتهم للطرح العلمي والوصول إلى الهدف الأسمى.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1