لطالما سعيتُ الى تحقيق حلم صديقي الجميل (ميثم راضي)، وهو أنْ أُعَلّمَ تلاميذي.. الخَيال، عملتُ على ذلكَ كثيراً، وما أزال، بعنادِ بَغْلٍ على اعتابِ السبعينَ من العُمْر، ومعَ "عِلم الاقتصاد" (وفيهِ الكثير من الخيالِ، على عكس ما يعتقدُ الكثيرونَ)، وبدون الاقتصاد.. وكانَ ذلكَ يتمُّ بمرارة، وغالباً دونَ جدوى.. مع الأسفِ الشديد.

ولم يكُن هذا الفشلُ الذريعُ دونَ سبب، فأنا (مثلُ غيري)، لا أستطيعُ تعليمَ الخيالِ لتلاميذَ لا يُجيدونَ القراءة والكتابة.. والقراءةُ والكتابة هما، بحدّ ذاتهما.. خيال، منذُ خمسةٍ وعشرينَ عاماً، وأنا أقومُ بتدريسِ طلبة المرحلةِ الجامعيّة الأولى (حَصْرا)، مادّةَ "مباديء الاقتصاد". ومنذ ذلك الوقت، أُلاحِظُ تراجعَ قُدرتهم على القراءة والكتابةِ، عاماً بعد عام.

ومعَ تراجُعِ هذه "القُدْرَة"، إنحَسَرَتْ "عُدّةُ" الخيالِ اللازمة لتجسيدهِ لديهم، سواءَ اكانت من خلالِ حوارِ عاديّ، أو نصٍّ مكتوب، أو لوحةٍ، أو نَحْتٍ في شيءٍ ما.. أي في الأدبِ والفنِّ وأصولِ التخاطُبِ والتعبيرِ.. كلّها معاً، "عّدّةُ" تلاميذي الآنَ، وهُم يدخلونَ قاعةَ الدَرْسِ، ثَمِلينَ بهمومهم، وشرودِ ذهنهم، وطريقة عيشهم، وأساليب التصرف بأوقاتهم ( وقليلٌ منهم تمّ افسادهم باهمالِ عوائلهم لهم، أو بتدليلهم الزائدِ عن الحَدّ، ناهيكَ عن الإرث التربويّ البائس للدراسة الابتدائية والمتوسّطة والاعداديّة).. هذه "العُدّةُ" لا تزيدُ عن علبة سجائرَ و "موبايل" للبنين "المُدَخِّنين"، وحقيبة نسائية ليس فيها سوى "الموبايل"، وبعض مستحضرات التجميل، للبنات غير "المُدَخِّنات".

أيُّ خيالٍ نستطيعُ تعليمهُ لهم، وهُم يَضيقونَ ذَرْعاً بحملِ ورقةٍ واحدةٍ، وقَلَمٍ واحد؟، أيُّ خيالٍ نستطيعُ تعليمهُ لهم، مع وصولهم الى المرحلةِ الجامعيّة من الدراسة، وهُم (عموماً).. لا يقرأونَ ولا يكتبون؟

قبلَ الصراعِ على السلطةِ والثروة، وعلى الجاهِ الزائفٍ والمناصب.. وبينَ الفيدراليّة والأقاليم، وبين الديموقراطية والدكتاتورية، وبينَ"الشعبويّةِ" والاستبداد، وبين الأغلبيّة والأقليّة، و بين العشائرِ والمذاهب، وبينَ الرملِ والطين.. ومن أجلِ أنْ ينتَصِرَ "التحضُّرُ" على "البداوة" (ونحنُ على اعتاب العقد الثالث من القرن الواحد والعشرين).. نتوسّلُ إلى "أولي الأمرِ" منّا، أنْ يُخَصّصوا جُزءاً يسيراً من مالِ هذه البلادِ، ومن زمنها المهدورِ دونَ طائل، لتعليمِ أبناء وبنات هذا البلد، القراءةَ والكتابة.

دونَ ذلك.. لن يتسنّى لنا تعليمهم "الخَيال"، لن يتسنّى لنا تعليمهم، ما في "الواقعِ" مِنْ خَيال، وتعليمُ "الخَيالِ" الآن، ليسَ "تَرَفاً"، بل "ضرورة"، فمن خلالِ الخَيالِ، يُمكِنُ أنْ يكونَ لأبناءِ وبناتِ هذا البلدِ شيءٌ من الأمَل، ولا يُمكِنُ لهؤلاءِ الأيمانُ بشيءٍ من الأمَل.. إلاّ من خلال الخَيال.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق
د. ماهر حميد مجيد
العراق
شكرا جزيلا جناب الدكتور على هذا المقال الرائع
لقد أجدت التشخيص.. نعم تكمن المشكلة في ضعف القراءة و الكتابة.. فكان الضعف في الخيال و الإبداع.. و سيكون في كل مفاصل الحياة.. حيث لا إنتاجية لشعب دون إبداع.. و بذلك سنظل في دائرة الاستهلاك التي تنخر في اقتصادنا..
و لكن سنظل نحاول و نحاول.. حتى يرى النور جيل مبدع عازم على التغيير بإذن الله
تحياتي و مودتي2019-08-26

مواضيع ذات صلة

0