يذهب طلاب المرحلة الثالثة والرابعة في الكليات التطبيقية الى المؤسسات الحكومية والاهلية كجزء من التدريب الصيفي، طلبة الادارة يتدربون على الوظائف الادارية، والمدرس يلقي المحاضرات في المدارس، والطبيب يتدرب من المرحلة الاولى وحتى الاخيرة، اما طلبة الاعلام، فالتدريب محرم عليهم وان وجد ففي إطار محدود وضمن اجتهادات بعض الاقسام، رغم ان مهنة الاعلام هي الاحوج للتدريب على طول سنوات الدراسة.

هذا الطالب غير المُدَرّبْ يتحول الى ذاكرة استنساخ لمعلومات اعتيادية لا تقدم له الا القليل في مجال عمله، فالمهنة القائمة على التفكير الابداعي والمتابعة الدقيقة والتحليل العميق للاحداث لا يمكن اختزالها بكُتَيبات وملازم دراسية يمتحن فيها نهاية كل عام. بدون عمل ميداني يومي لا تنمو المهارات، وهي التي يفترض ان نغرسها غرسا منذ اول محاضرة يدخل طلبة الاعلام الى كلياتهم.

لماذا لا يتدرب طالب الاعلام، وغيره يتلقى التدريب؟

اختصاص الاعلام من الاختصاصات حديثة العهد في العراق، وربما تكون من النادرة ايضا، افتتحت اول كلية خاصة بالاعلام في جامعة بغداد عام 2002، وهي امتداد لقسم للصحافة في كلية الاداب، وبقيت جامعة بغداد هي الوحيدة حتى افتتاح قسم الاعلام في جامعة ذي قار عام 2009، والجامعة العراقية، وخلال المدة من 2004 وما بعدها تاسست اقسام قليلة للاعلام في الكليات الاهلية مثل الجامعة الاسلامية في النجف، وجامعة اهل البيت في كربلاء.

كانت كليات واقسام الاعلام المستحدثة واقعة في مشاكل عدة ابرزها:

اولاً: حاولت اقسام وكليات الاعلام تثبيت نفسها كاختصاص يصلح للتدريس ويمكنه تخريج شباب يستطيعون التوغل داخل سوق العمل (الذي تغلب عليه الوظائف الحكومية)، فاسست لمناهج دراسية لا تختلف عن مناهج المتوسطة والاعدادية، مهمة الأستاذ فيها حفظ المادة واعادة القائها على الطلبة، ولا ذنب عليه لان وزارة التعليم تريد منه نسبة نجاح لطلابة وامور أخرى لا علاقة لها بالتكوين الصحفي.

ثانياً: ان فترة تاسيس اقسام وكليات الاعلام جاءت في مرحلة حرجة من تاريخ العراق، فالكلية الام في جامعة بغداد تاسست قبل سقوط حزب البعث بسنة واحدة، وبعد السقوط حدثت تغيرات جذرية استهدفت الكادر التدريسي، منهم من قتل ومنهم من طرد، وبعضهم هرب خارج العراق، هذه الفوضى اثرت على الكلية وجعلتها تكافح من اجل البقاء لا من اجل وضع اسس رصينة للبناء ومواكبة التطورات وخاصة فيما يتعلق بتاسيس تقاليد تعليمية تتناسب واختصاص الاعلام.

ثالثاً: فيما يخص الكليات الاهلية فالحال سيء وغير قابل للدراسة، البنايات سيئة، وغياب تام للمختبرات التدريبية والقاعات الدراسية تغص بالطلاب، بعضهم لا يجيد الكتابة اصلا، كل ما يريدونه هو الحصول على شهادة بكلوريوس ترفعه وظيفياً او توفر لهم سيرة ذاتية قد تفيد غير المتزوجين منهم ان يقدم نفسه لفتاة احلامه على انه يحمل شهادة ما.

رابعاً: اذا تحدثنا على مستوى الأستاذ الذي يدرس المادة، فالمشكلة تكمن بوجود غير المختصين، تجد الأستاذ يدرس مادة معينة في هذه السنة، بينما يدرس غيرها في السنة القادمة، وبعدها يدرس مادة ثالثة، وهكذا، اما في الكليات الاهلية، فلا الأستاذ مختص بالمادة ولا هو ثابت على تدريسها، تجد اختصاصه من غير الاعلام، ولمجرد انه يحمل شهادة عليا يعطى حق التدريس في الاعلام. (كل هذا يحدث بدون تدريب علمي).

خامساً: الازمة الفكرية لدى الطلبة انفسهم، لا مجال للمطالعة والقراءة العامة، كل ما يهم الطالب هو شكل قصة شعره، وبنطاله الجديد، تجد طلاب الاعلام هم الأكثر اناقة لكونهم لا يطلعون على شيء يختص بالمعرفة ولا هم يعتبرون انفسهم ينتمون الى هذا الحقل، هم شباب الاناقة وحسب، وان كانت الكلية مقصرة لا يعترضون، وان وجدت بعض الاعتراضات فتجدها تختص بإلغاء الزي الموحد والسماح لهم بتحويل الكلية الى ساحة استعراض للازياء.

تجذرت فوضى كليات الاعلام سنة بعد أخرى، وحاولت اقسامها تحديث مناهجها لكن التجربة زادت من المشكلة، فالمنهج الجديد الذي تم تعميمه قبل اربع سنوات تقريباً بات شديد الشبه بمناهج المتوسطة والاعدادية، توجد عبارات "محاضرة عملي على كذا مهارة" لكن لا توجد مختبرات أصلا للمادة العملية، والاستاذ مطلوب منه امتحان رصانة في نهاية السنة وهذا الامتحان لا يحتوي مادة عملية الا بجزء بسيط منه، لذلك تجده (الأستاذ) يركز على الجوانب النظرية ليحقق نسبة عالية من النجاح.

عندما سيطر أصحاب الاختصاصات الأخرى على وسائل الاعلام، فذلك لان كليات الاعلام تسير عكس ما تتطلبه المرحلة الراهنة، تخلفت عن تأهيل مختبراتها، وعجزت عن ادخال طلابها في التدريبات الصيفية، فتخرج طلابها صم بكم عمي يحملون وثيقة تخرج موسومة بدرجات "امتياز" في مادة التحرير الصحفي، وهم لا يجيدون كتابة خبر واحد.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0