مع استمرار انخفاض أسعار النفط ووصولها إلى مستويات متدنية، يضاف اليها العقوبات الغربية المفروضة على موسكو بسبب الأزمة الأوكرانية وتكلفة العمليات العسكرية الهائلة في سوريا، يبدو أن الاقتصاد الروسي وكما تنقل بعض المصادر بدأ بالتداعي، وقد أعلنت الوكالة الحكومية للإحصاء في روسيا كما تنقلت بعض المصادر، وفقا لتقديرات أولية، أن إجمالي الناتج المحلي الروسي قد تراجع العام الماضي بنسبة 3.7 في المئة. وهذا التراجع يعتبر الاضخم بالنسبة لروسيا منذ عام 2009، عندما تسببت الازمة المالية العالمية في انكماش إجمالي الناتج المحلي بنسبة حوالي 8 في المئة.

ويعاني الاقتصاد الروسي – الذي يعتمد على النفط – حاليا من تراجع الأسعار في ظل وفرة عالمية في المعروض، بالإضافة إلى العقوبات التي يفرضها الغرب على البلاد بسبب دورها في الأزمة الأوكرانية. وقد تراجع الروبل الروسي ايضا إلى مستوى متدن قياسي مقابل الدولار الأمريكي، ومؤخرا أفاد مؤتمر الامم المتحدة للتجارة والتنمية بأن الاستثمارات الأجنبية المباشرة في روسيا قد انخفضت بنسبة 92 في المئة في العام الماضي.

وقال الرئيس الروسي، إن الأزمة الاقتصادية بلغت ذروتها، في حين أفاد المحللون بأنه من المرجح أن تظل البلاد في حالة ركود. وأضاف وليام جاكسون من شركة "كابيتال ايكونوميكس"، إن "الاقتصاد لا يزال ضعيفا للغاية". وتأثرت روسيا التي تعتبر أكبر دولة مصدرة للطاقة في العالم بسبب انخفاض سعر النفط، حيث تراجع سعر البرميل الواحد من النفط الخام من 115 دولارًا في صيف 2014 إلى أقل من 28 دولار. الامر الذي اجبر السلطات على اتخاذ قرارات سريعة من اجل معالجة هذه الازمة المتفاقمة، وقد أفاد رئيس البنك المركزي الروسي الفيرا نابيولينا ، بأن السلطات لديها كافة الوسائل اللازمة لدرء عدم الاستقرار المالي.

وفي ظل معاناة روسيا من هبوط أسعار النفط والعقوبات الغربية وانخفاض الروبل، تجد موسكو صعوبة شديدة في الموازنة بين ضرورة دعم اقتصادها الآخذ في الانكماش، ورغبتها في الاحتفاظ بأموال تساعدها على اجتياز أسوأ موجة انكماش تشهدها البلاد منذ تولي الرئيس فلاديمير بوتين السلطة.

هبوط تاريخي للعملة

في هذا الشأن هبط الروبل الى أدنى مستوياته تاريخيا الاربعاء في مقابل الدولار، وسط الانهيار المتواصل لأسعار النفط الذي يدفع بروسيا اتجاه أزمة اقتصادية. وبعد يوم من الاستقرار النسبي، واصل الروبل تراجعه وتخطى عتبة 80,10 روبلا ولامس 80,20 روبلا للدولار الواحد في بورصة موسكو. ولم يصل الروبل الروسي إلى هذا المستوى من سعر الصرف منذ أزالت موسكو ثلاثة أصفار من عملتها في أعقاب الأزمة المالية الكبيرة في العام 1998.

ولكن حتى الآن، تم الإبقاء على العملة الروسية فوق أسوأ مستوياتها في الأيام السوداء في كانون الأول/ديسمبر 2014، حين واجه المستثمرون والروس موجة من الذعر لدى تراجع الروبل بقوة قبل أن يستعيد عافيته. وانخفض الروبل كذلك امام اليورو مع استمرار تراجع اسعار النفط وتسجيل تراجع في اسواق المال الاسيوية والأوروبية، وهو أدنى مستوى منذ كانون الأول/ديسمبر 2014، حيين وصل سعر صرف اليورو مائة روبل.

وقال المحلل الاقتصادي ايغور نيكولاييف من شركة غرانت ثورنتون الاستشارية إن "تراجع الروبل، يعني ارتفاع التضخم، وبالتالي انخفاض القدرة الشرائية للأسر، وإفقار للسكان وانخفاض في مستويات المعيشة". وأضاف أنه "بالنسبة إلى الاقتصاد، فهذا يعني أن الاستثمارات ستنخفض أيضا، إذ أن المخاطر تعززت بالنسبة إلى المستثمرين، والوضع الاقتصادي غير مستقر وغير مؤكد". وقال الفا بانك في مذكرة الى عملائه بان "السوق ستبقى متأثرة عموما بالاجواء الاقتصادية العالمية التي لا تبدو ايجابية في الوقت الراهن". بحسب فرانس برس.

وفي كانون الاول/ديسمبر 2014، تراجعت العملة الروسية الى مستويات غير مسبوقة بلغت اكثر من 80 روبلا للدولار ومئة لليورو. وقد ادت العقوبات الغربية المفروضة على روسيا بسبب دعمها الانفصاليين في شرق اوكرانيا الى تفاقم الازمة الاقتصادية في البلاد واغلقت مجالات اخذ قروض من الخارج. والازمة الاقتصادية المتفاقمة وتراجع اسعار النفط يشكلان تحديا جديا للرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي وعد ناخبيه بسنوات من الاستقرار الاقتصادي والازدهار النسبي.

تخفيض النفقات

في السياق ذاته امام انهيار اسعار المحروقات التي تؤمن غالبية عائداتها اعلنت الحكومة الروسية انها تستعد لخفض نفقاتها بمعدل 10% تفاديا لاصابة البلاد بإفلاس شبيه بما حصل في 1998. ولخص رئيس الوزراء ديمتري مدفيديف خلال منتدى اقتصادي في موسكو الوضع بقوله "علينا ان نعيش وفق امكانياتنا من خلال خفض نفقات الموازنة ونفقات مؤسسات الدولة وخصخصة أصول الدولة".

وادى تدهور اسعار النفط الى تغيير المعطيات بصورة مفاجئة بالنسبة لروسيا التي تعتمد على المحروقات لتأمين عائداتها والتي كانت تأمل ان يعود اقتصادها للانتعاش خلال 2016 بعد انكماش شديد العام الماضي. وقال وزير المالية انتون سيلوانوف "علينا اتخاذ تدابير مدروسة وتكييف ميزانيتنا مع المعطيات الجديدة. اذا لم نفعل ستكرر ما حدث في 1998" التي شهدت ازمة مالية عميقة تسببت في تخلف روسيا عن سداد ديونها "وسيدفع المواطنون من خلال التضخم ثمن ما لم نفعله عبر تكييف الميزانية".

وتابع الوزير عبر تأكيد ما نشرته الصحف الروسية خلال الايام الماضية قائلا انه ينتظر من الوزارات ان تقدم له خطة لخفض النفقات بنسبة 10% مقارنة مع ما هو وارد في قانون الميزانية الذي تم اقراره قبل بضعة اسابيع. واوضح ان تصحيح النفقات يمثل 500 مليار روبل (6 مليارات يورو) ويفترض ان يتم الانتهاء منه قبل نهاية الربع الاول من السنة. واكد سلوانوف ان الحكومة تعمل على توفير عائدات جديدة ولا سيما من خلال بيع حصصتها في الشركات العامة ما يمكن ان يؤمن الف مليار روبل على مدى سنتين (12 مليار يورو).

اعدت ميزانية 2016 بالاعتماد على سعر 50 دولارا للبرميل مع عجز 3% من اجمالي الناتج الداخلي حدده الرئيس فلاديمير بوتين كسقف اعلى. وقال سيلوانوف انه في حين امكان ابقاء العجز عند 2,6% العام الماضي، يبدو ان الامر سيكون اكثر صعوبة هذه السنة. وتجتاز روسيا هذه الصعوبات في سنة ستشهد انتخابات تشريعية في ايلول/سبتمبر وفي حين تخوض حربا في سوريا تقدر تكاليفها بعدة ملايين من الدولارات يوميا.

وقال نائب رئيس الوزراء ايغو شوفالوف انه لا بد من اتخاذ "تدابير قاسية. لا اقول ان الامر مريح، لكنه مفيد" لضبط الميزانية وجعل الاقتصاد اقل اعتمادا على المحروقات. وعانت روسيا الخاضعة لعقوبات اقتصادية بسبب الازمة الاوكرانية كذلك السنة الماضية من انكماش ادى الى انخفاض كبير في القدرة الشرائية للسكان. وتوقع البنك المركزي الروسي ان ينخفض اجمالي الناتج الداخلي هذه السنة ايضا اذا استمر انخفاض اسعار النفط بعد ان تراجع بنسبة 3,7% في 2015 وفق الارقام الحكومية. بحسب فرانس برس.

وقامت الحكومة بخفض كبير في عدد موظفي الادارات الحكومية وقطاعات الصحة والشرطة لتركيز جهودها على القطاعات الصعبة مثل البنوك والبناء والسيارات. وقررت زيادة معاشات التقاعد هذه السنة بنسبة 4% فقط في حين بلغت نسبة التضخم السنة الماضية 12,9%. وقال سلوانوف انه "لا ينبغي توقع ارتفاع اسعار (النفط) خلال فترة قريبة" وبالمثل توقع وزير الاقتصاد الكسي اوليوكاييف ان تبقى اسعار المحروقات منخفضة "لفترة طويلة". ودفع هبوط اسعار النفط الروبل الى ادنى مستويات خلال اكثر من سنة. وفي حين يتيح ضعف العملة الروسية التعويض جزئيا في الميزانية عن انخفاض النفط فانه يخشى ان يسهم في زيادة اضعاف القدرة الشرائية وقطاع البنوك.

خطط ومخاطر

الى جانب ذلك أظهرت بيانات من وزارة المالية أن صندوق إحتياطي الميزانية في روسيا إنكمش بمقدار 9.4 مليار دولار في ديسمبر كانون الاول مع إستخدام الحكومة أموالا من الصندوق لتغطية العجز في الميزانية. وبلغت قيمة الصندوق 49.95 مليار دولار في أول يناير كانون الثاني إنخفاضا من 59.35 مليار دولار في أول ديسمبر. وقالت وزارة المالية إن حيازات بقيمة 4.52 مليار دولار و4.14 مليار يورو و0.67 مليار جنيه إسترليني بيعت في ديسمبر كانون الاول بما يعادل 710.67 مليار روبل.

وإنكمش صندوق الاحتياطي بوتيرة سريعة على مدى الاشهر القليلة الماضية مما يبرز الضغوط على مالية الحكومة الناتجة عن هبوط اسعار النفط. وفي أول اكتوبر تشرين الاول الماضي بلغت قيمة الصندوق 70.51 مليار دولار. من جانب اخر اعلن وزير المال الروسي انطون سيلوانوف ان الحكومة الروسية تنوي بيع 19,5% من حصصها في مجموعة روسنفت العملاقة لتعويض تراجع الايرادات في الموازنة بسبب الازمة. وقال الوزير في حديث لقناة روسيا 1 العامة "علينا اتخاذ قرار الان لايجاد المال. في مرحلة اولى نتحدث عن نسبة يجب بيعها منذ سنوات اي 19,5% من روسنفت".

وتملك روسيا حاليا 70% من روسنفت التي تمثل 40% من الانتاج النفطي الروسي لكنها طرحت للبيع منذ 2013 نسبة ال19,5% قبل ان تعود الحكومة الروسية عن قرارها. واكد سليوانوف ان الحكومة تبحث عن ايرادات جديدة خصوصا مع عمليات خصخصة قد تدر الف مليار روبل خلال عامين (12 مليار يورو). وبحسب الوزير يجب ان يرتفع سعر برميل النفط الى 82 دولارا لتامين التوازن. واذا كان العجز قد بقي مضبوطا العام الماضي ب2,6% فان هذا العام سيكون اصعب.

وقال الوزير في حديثه "بلغ سعر النفط 25% مما كان عليه قبلا. علينا وضع موازنة الدولة في ضوء هذا الواقع الجديد" مضيفا انه قد يتم ايضا خصخصة مصرفي سبيربنك وفي تي بي بنك. وحذر الوزير من تفاقم الوضع رغم امتلاك روسيا احتياطي قدر في نهاية العام ب8300 مليار روبل (97 مليار يورو). وقال "يمكننا انفاق الاحتياطي اذا لم نتخذ تدابير اخرى". وقال رئيس الوزراء ديمتري مدفيديف ان اسعار النفط ساهمت في تراجع سعر الروبل الى ادنى مستوى خلال اكثر من عام، الامر الذي يطرح "تهديدا جديا" على الموازنة، علما بان النفط يشكل مع الغاز اكثر من نصف ايرادات موازنة البلاد.

على صعيد متصل نقلت وكالات أنباء روسية عن نائب وزير المالية ماكسيم أورشكين قوله إن استمرار انخفاض أسعار النفط قد يؤدى لإغلاق بعض الأصول المنتجة للخام في روسيا. ونقلت وكالة تاس للأنباء عن أورشكين قوله في مقابلة مع تلفزيون آر.بى.سى "أسعار النفط الحالية قد تقود إلى إغلاقات سريعة ومؤلمة جدا لبعض الأصول المنتجة للنفط في الأشهر القادمة".

وتصمد شركات النفط الروسية حتى الآن في مواجهة انخفاض أسعار النفط مدعومة بانخفاض قيمة الروبل بجانب عوامل أخرى وهو ما نتج عنه انخفاض التكلفة. من ناحية أخرى قال مسؤول لدى شركة ترانسنفت الروسية التي تحتكر خطوط أنابيب النفط في البلاد إن من المتوقع تراجع صادرات النفط الخام الروسية بنسبة سته بالمئة لتصل إلى 215.8 مليون طن في 2016 من 229.6 مليون طن في العام الماضي. بحسب رويترز.

وبلغ إنتاج روسيا من النفط أعلى مستوياته في فترة ما بعد الحقبة السوفيتية ليصل إلى أكثر من 10.8 مليون برميل يوميا بفضل الحقول التي دخلت الخدمة حديثا وكذلك إنتاج مكثفات الغاز. وتستبعد الحكومة حتى الآن إجراء تخفيضات متعمدة في إنتاج النفط الخام الذي يساهم مع إنتاج الغاز الطبيعي بنصف إيرادات الموازنة العامة للدولة قائلة إن الظروف المناخية القاسية لا تسمح بالاستئناف السريع للإنتاج من الآبار بعد إغلاقها.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0