التضخم ليس مجرد ارتفاع في الأسعار، بل اختبار عميق لبنية الاستهلاك واللامساواة. فالأغنياء، بفضل دخولهم وأصولهم ومرونتهم المالية، يستطيعون مواصلة الإنفاق حتى في بيئة الأسعار المرتفعة. وهذا الإنفاق، خصوصًا في السلع والخدمات الاختيارية، يمكن أن يحافظ على قوة الطلب ويجعل التضخم أكثر استمرارًا. أما الفقراء وذوو الدخل المتوسط...

لم يعد التضخم يُفهم اليوم بوصفه ارتفاعًا عامًا في الأسعار فحسب، بل بوصفه ظاهرة اجتماعية واقتصادية غير متساوية في مصادرها وآثارها. فبينما تعاني الأسر محدودة الدخل من ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة والسكن، يواصل أصحاب الدخول والثروات المرتفعة الإنفاق، خصوصًا على السلع والخدمات الاختيارية، بما يحافظ على قوة الطلب في قطاعات واسعة من السوق. ومن هنا تبرز فرضية مهمة: قد لا يكون التضخم ناتجًا فقط عن صدمات الطاقة أو اضطرابات سلاسل التوريد أو السياسات النقدية، بل قد يتغذى أيضًا من استمرار الإنفاق الاستهلاكي لدى الفئات الغنية التي لا تتأثر بسرعة بارتفاع الأسعار.

التضخم ليس رقمًا واحدًا

يعرف صندوق النقد الدولي التضخم بأنه معدل ارتفاع الأسعار خلال فترة زمنية معينة، وغالبًا ما يُقاس من خلال سلة من السلع والخدمات التي تعكس تكلفة المعيشة. لكنه يوضح أيضًا أن التضخم لا يصيب الجميع بالطريقة نفسها، لأن الأسر لا تستهلك السلع ذاتها ولا تملك المرونة المالية ذاتها. كما أن التضخم قد ينشأ من جانب العرض، مثل ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، أو من جانب الطلب، عندما يتجاوز الإنفاق قدرة الاقتصاد على الإنتاج، فتتحول قوة الشراء إلى ضغط إضافي على الأسعار. 

هذه النقطة ضرورية لفهم دور الأغنياء. فالتضخم الذي يظهر في المؤشرات العامة قد يخفي داخله اقتصادين متوازيين: اقتصادًا مضغوطًا لدى الفئات الأقل دخلًا، واقتصادًا أكثر قدرة على الاستمرار لدى الفئات الأعلى دخلًا. وعندما يستمر الطرف الثاني في الإنفاق، خصوصًا على السفر والمطاعم والسلع المعمرة والخدمات الترفيهية، فإن الطلب الكلي يبقى قويًا، حتى لو كانت شرائح واسعة من المجتمع قد بدأت التقشف.

الأغنياء وقوة الإنفاق الاختياري

تقرير نشرته نيوزويك استنادًا إلى بحث لبنك أوف أميركا أشار إلى أن أعلى 10% من أصحاب الدخول يستحوذون على نحو 70% من الإنفاق الاختياري، أي الإنفاق الذي لا يدخل ضمن الضرورات اليومية المباشرة. كما أوضحت تغطية أخرى للنتائج نفسها أن هذه الفئة تنفق على البنود الاختيارية ما يقارب إنفاق أدنى 70% مجتمعين، بينما تمثل نحو 23% من إجمالي الاستهلاك. 

هذه النتيجة تكشف أن التضخم لا يتحدد فقط بما يدفعه الفقراء على الغذاء والطاقة، بل أيضًا بما ينفقه الأغنياء على السفر، المطاعم، الرفاهية، الإلكترونيات، السلع الفاخرة، الخدمات الشخصية، والإنفاق الترفيهي. فإذا ارتفعت الأسعار وبقي الأغنياء قادرين على الشراء، فإن الشركات لا تجد ضغطًا كافيًا لخفض الأسعار، بل قد ترى في استمرار الطلب فرصة لتمرير مزيد من الزيادات.

لماذا يستطيع الأغنياء الاستمرار في الإنفاق؟

يمتلك الأغنياء ثلاث مزايا أساسية تجعلهم أقل حساسية للتضخم. الأولى هي ارتفاع الدخل، والثانية هي امتلاك الأصول، والثالثة هي القدرة على تعديل نمط الإنفاق دون المساس بالضروريات. فدراسة لبنك أوف أميركا في تشرين الأول/أكتوبر 2025 وجدت أن إنفاق الفئات المتوسطة والمرتفعة الدخل يستفيد من “أثر الثروة”، وأن أعلى 20% من أصحاب الدخول كانوا يملكون أكثر من ثلثي صافي الثروة في الربع الثاني من 2025، كما أن إنفاق أعلى 5% يميل إلى الاتساع مقارنة بالطبقة المتوسطة عندما ترتفع الأسهم. 

وبحسب بنك أوف أميركا أيضًا، فإن ارتفاع مؤشر الأسهم الأميركية في 2025 منح أصحاب الدخول الأعلى مكاسب مالية قد تكون أكبر نقديًا من زيادات الأجور، وهو ما ساعد على دعم إنفاقهم. وهذا يعني أن التضخم قد يتغذى من سوق الأصول بقدر ما يتغذى من سوق الأجور: فعندما ترتفع الأسهم والعقارات والمحافظ الاستثمارية، يشعر الأثرياء بقدرة أكبر على الاستهلاك، حتى لو كانت الأسعار اليومية ترتفع.

الطلب القوي يطيل عمر التضخم

وتقدم الدراسات تفسيرًا مهمًا لهذه العلاقة، حيث تبيّن أن الأسر لا تتفاعل فقط مع معدل التضخم العام، بل مع “تجربتها الشخصية” مع التضخم بحسب سلة استهلاكها. فكل نقطة مئوية إضافية في التضخم الشخصي ترتبط بزيادة الإنفاق بنسبة 1.4%، وهو ما ينسجم مع فكرة أن الناس قد يعجلون الشراء عندما يتوقعون استمرار ارتفاع الأسعار. 

لكن الأخطر أن الدراسات تخلص إلى أن الإنفاق الإضافي، عندما يحدث في بيئة تضخم مرتفع، يمكن أن يجعل التضخم أكثر استمرارًا، خصوصًا إذا تم تمويله من المدخرات أو الاقتراض. ومع أن الأسر المثقلة بالديون أو ضعيفة السيولة لا تستطيع غالبًا زيادة إنفاقها، فإن الأسر الميسورة تمتلك القدرة على ذلك، ما يجعل دورها أكبر في استمرار الطلب. 

الفقراء يدفعون الثمن أكثر ولا يصنعون التضخم بالقدر نفسه

رغم أن الأغنياء قد يسهمون في إبقاء الطلب قويًا، فإن الفئات الأقل دخلًا هي الأكثر تضررًا من التضخم. يوضح مركز أبحاث التقاعد في كلية بوسطن أن الأسر منخفضة الدخل تنفق حصة أكبر بكثير من مواردها على البنود الداخلة في مؤشر الأسعار، بينما تستطيع الأسر الغنية تخصيص جزء أكبر للادخار أو الاستثمار. وبحسب المركز، ينفق الفقراء نحو 95% من مواردهم بعد الضريبة على سلع وخدمات متأثرة بالتضخم، مقابل نحو 79% لدى الأغنياء.

وفي بريطانيا، أظهر تقرير مكتبة مجلس العموم أن الأسر منخفضة الدخل تعرضت لمعدلات تضخم أعلى في 2023 بسبب اعتمادها الأكبر على الغذاء والطاقة، وهي بنود ارتفعت بسرعة بين 2021 و2024. كما أن الأسر في أدنى شريحة دخل أنفقت 12.8% من إنفاقها على الغذاء والمشروبات غير الكحولية، و10.5% على الكهرباء والغاز، مقارنة بـ8.7% و4.6% فقط لدى أعلى شريحة دخل. 

هذا يعني أن الفقراء لا يملكون ترف “الاختيار” في مواجهة التضخم. فهم لا يستطيعون بسهولة تأجيل الغذاء أو الطاقة أو الإيجار، ولا يملكون غالبًا بدائل أرخص إذا كانوا أصلًا يشترون السلع الأدنى سعرًا. لذلك فإنهم يتضررون أكثر، لكن قدرتهم على دفع التضخم من خلال الطلب الاختياري أقل من قدرة الأغنياء.

التضخم يغير عادات الاستهلاك لكنه لا يوقف الجميع

ويظهر تقرير عن المستهلكين في تسع دول أظهر أن أكثر من 80% من المشاركين عدّلوا سلوكهم الشرائي بسبب التضخم، وأن أكثر من 40% خفضوا كمية ما يشترونه، بينما اتجه أكثر من نصف المستهلكين إلى بدائل أرخص في البقالة. كما أشار التقرير إلى أن 44% بحثوا عن خيارات أرخص عبر الإنترنت، و41% استخدموا القسائم والعروض.

لكن هذه التعديلات ليست متساوية. فأصحاب الدخول الأعلى يميلون إلى الاستمرار في شراء المنتجات نفسها مع البحث عن الخصومات، بينما تلجأ الفئات المتوسطة والأدنى دخلًا إلى العلامات التجارية الخاصة، وتغيير المتاجر، والبحث المكثف عن الصفقات. كما وجد التقرير أن ثلثي المستهلكين الأميركيين يشترون أقل أو يؤجلون الشراء أو ينتقلون إلى بدائل أرخص. 

هذه الفجوة السلوكية مهمة لأنها توضح أن السوق لا ينكمش بصورة موحدة. فالأسر الفقيرة والمتوسطة تخفض الكميات أو الجودة، بينما الأسر الغنية قد تحافظ على مستوى الاستهلاك نفسه، مكتفية بالبحث عن سعر أفضل. وهنا يصبح التضخم أكثر تعقيدًا: هناك طلب مضغوط في الأسفل، وطلب مستمر في الأعلى.

الإنفاق المرتفع يخفي هشاشة الاقتصاد

تقرير بنك أوف أميركا في حزيران/يونيو 2026 أظهر أن الإنفاق عبر بطاقات الائتمان والخصم ارتفع 5.1% على أساس سنوي في مايو، وهي أقوى زيادة في نحو أربع سنوات، وأن النمو لم يكن مرتبطًا بالبنزين وحده، بل ظل قويًا في السلع والخدمات. كما أوضح التقرير أن إنفاق أصحاب الدخول الأعلى ارتفع 5.4%، مقابل 4.1% لدى أصحاب الدخول الأدنى.

هذه الأرقام قد تبدو إيجابية لأنها تعكس “مرونة المستهلك”، لكنها قد تخفي مشكلة أعمق: إذا بقي الإنفاق قويًا رغم ارتفاع الأسعار، فقد يفسر صانعو السياسات والشركات ذلك على أن الاقتصاد قادر على تحمل أسعار أعلى. وهنا تتكون حلقة خطيرة: الأسعار ترتفع، الأغنياء يواصلون الإنفاق، الشركات تتمسك بالأسعار، والفقراء يزدادون ضغطًا.

الإنفاق الاستهلاكي والديون والمدخرات

عندما ترتفع الأسعار، تلجأ الأسر الأقل دخلًا إلى المدخرات أو الديون أو تقليص الاستهلاك. تقرير مكتبة مجلس العموم البريطاني أشار إلى أن بعض الناس استخدموا مدخراتهم لدفع الضروريات، أو دخلوا في ديون، أو تأخروا عن دفع الفواتير بسبب الأسعار المرتفعة. كما بيّن أن نسبة البالغين في سن العمل الذين لا يستطيعون ادخار 10 جنيهات إسترلينية أو أكثر شهريًا ارتفعت من 19% في 2019/2020 إلى 23% في 2022/2023. 

وتشير بيانات أخرى في التقرير نفسه إلى أن 21% من البالغين في بريطانيا قالوا في أبريل 2026 إنهم اضطروا إلى اقتراض مزيد من المال أو استخدام الائتمان أكثر من المعتاد مقارنة بالشهر السابق. هذه ليست صورة طلب صحي، بل صورة إنفاق اضطراري للحفاظ على الحد الأدنى من المعيشة. 

في المقابل، عندما ينفق الأغنياء من فوائض الدخل أو من مكاسب الأصول، فإنهم لا يواجهون الضغط نفسه. لذلك يجب التمييز بين إنفاق اضطراري يحافظ على البقاء، وإنفاق اختياري يرفع الطلب على قطاعات مرنة السعر ويمنح الشركات مساحة أكبر لرفع الأسعار.

هل الأغنياء “يتسببون” في التضخم؟

من غير الدقيق القول إن الأغنياء وحدهم يتسببون في التضخم. التضخم ظاهرة متعددة الأسباب: قد ينتج عن ارتفاع الطاقة، اضطراب سلاسل الإمداد، السياسات النقدية الميسرة، العجز المالي، نقص العمالة، أو توقعات ارتفاع الأسعار. لكن من الدقيق القول إن إنفاق الأغنياء يمكن أن يطيل عمر التضخم أو يجعله أكثر صلابة، خصوصًا في القطاعات التي يعتمد نموها على الطلب الاختياري.

فإذا كانت الفئات محدودة الدخل تخفض إنفاقها، وكان الأغنياء يواصلون الإنفاق، فإن الاقتصاد الكلي قد يبدو متماسكًا، بينما تكون المعاناة الاجتماعية في ازدياد. وهذا ما يجعل التضخم في هذه الحالة ليس مجرد مشكلة أسعار، بل مشكلة توزيع: من يملك القدرة على الشراء يستمر في تحريك السوق، ومن لا يملكها يدفع ثمن السوق نفسه.

أثر ذلك على السياسات الاقتصادية

إذا كان الطلب الاستهلاكي للأغنياء يسهم في بقاء التضخم، فإن السياسات العامة لا ينبغي أن تكتفي برفع أسعار الفائدة على الجميع. فرفع الفائدة قد يضر الأسر المدينة والشركات الصغيرة ومشتري المنازل، لكنه لا يوقف بالضرورة الإنفاق الفاخر إذا كان ممولًا من الثروة لا من الأجور. لذلك تحتاج مكافحة التضخم إلى أدوات أكثر دقة: ضبط توقعات الأسعار، حماية الفئات الهشة، مراقبة هوامش الربح في القطاعات شديدة التركّز، وتشجيع المنافسة، بدل تحميل العبء للفئات التي لا تملك أصلًا فائضًا استهلاكيًا.

كما يجب تطوير مؤشرات تقيس “التضخم حسب الطبقات”، لا الاكتفاء بالمعدل العام. فمركز أبحاث التقاعد في كلية بوسطن يؤكد أن قياس أثر التضخم يختلف بحسب طريقة القياس، وأن السلال الاستهلاكية المتقاربة ظاهريًا لا تلغي الفارق الحاسم في قدرة الأسر على الادخار أو تعديل الاستهلاك.

خاتمة

تكشف التقارير ان التضخم ليس مجرد ارتفاع في الأسعار، بل اختبار عميق لبنية الاستهلاك واللامساواة. فالأغنياء، بفضل دخولهم وأصولهم ومرونتهم المالية، يستطيعون مواصلة الإنفاق حتى في بيئة الأسعار المرتفعة. وهذا الإنفاق، خصوصًا في السلع والخدمات الاختيارية، يمكن أن يحافظ على قوة الطلب ويجعل التضخم أكثر استمرارًا. أما الفقراء وذوو الدخل المتوسط، فهم يتعاملون مع التضخم بوصفه ضغطًا يوميًا على الطعام والطاقة والسكن والديون.

لذلك فإن السؤال لم يعد: لماذا ترتفع الأسعار فقط؟ بل: من يملك القدرة على إبقاء الطلب مرتفعًا؟ ومن يدفع كلفة هذا الطلب؟ هنا يظهر الدور الاقتصادي للأغنياء بوصفه عاملًا مهمًا في ديناميكية التضخم، لا لأنه السبب الوحيد، بل لأنه أحد المفاتيح لفهم لماذا تبقى الأسعار مرتفعة حتى حين تبدأ أغلبية المجتمع في التقشف.

اضف تعليق