في ظل استمرار تراجع اسعار النفط في الاسواق العالمية والتطورات والأحداث المتسارعة التي تشهدها منطقة الشرق الاوسط، اكد بعض الخبراء ان اقتصاد المملكة العربية السعودية اكبر مصدر لنفط، قد اصبح يعاني بعض المشكلات الامر الذي دفع الحكومة الى اعتماد خطط واجراءات اصلاحية جديدة في سبيل تقليل الاضرار المتوقعة، خصوصا وان المملكة قد بدأت في اللجوء إلى احتياطاتها المالية في الخارج لتغطية عجز الموازنة. وتحوز المملكة احتياطيات ضخمة تمكنها من مواصلة ذلك لأعوام عديدة.

وقد عمدت السلطات السعودية التي دخلت في حرب استنزافية كبيرة في اليمن، الى إغلاق الحسابات العامة قبل شهر من الموعد المعتاد مما يعطي إشارات على إحكامها السيطرة على الإنفاق حيث أدى هبوط أسعار النفط إلى عجز غير مسبوق في الميزانية العامة للبلاد. وتعاني المملكة من عجز في الموازنة يقدره خبراء الاقتصاد بما يصل إلى 120 مليار دولار أو أكثر هذا العام واتخذت وزارة المالية في الآونة الأخيرة خطوات أخرى غير معتادة للحد من الإنفاق الزائد.

وفي أحدث خطواتها أرسلت الوزراة مذكرة للجهات الحكومية توجههم فيها بتقديم "موعد إيقاف الصرف على اعتمادات الميزانية والحسابات الأخرى للسنة المالية الحالية." و الموعد الجديد هو 15 نوفمبر تشرين الثاني بحسب الوثيقة. وكان الموعد في السنوات الماضية في منتصف ديسمبر كانون الأول وفي العام الماضي كان الموعد 18 ديسمبر كانون الأول. ويتوقع كثير من الخبراء أن تتضمن ميزانية العام القادم خفضا في الإنفاق وفرض رسومات ضريبية جديدة على بعض الخدمات المقدمة يضاف الى ذلك تأجيل العديد من المشاريع ، للحد من تآكل الاحتياطي النقدي للبلاد.

وفي وقت سابق كما نقلت بعض المصادر قالت وكالة "بلومبرغ"، إن السعودية تسعى لخفض مليارات الدولارات من ميزانيها جراء تهاوي أسعار النفط في الأسواق العالمية، حيث تعمل الرياض مع مستشاريها على مراجعة خطط الإنفاق وتأخير تنفيذ بعض المشاريع. وأضافت الوكالة، أن الحكومة في المراحل الأولى من استعراض سياسة إنفاقها، حيث من الممكن أن تنظر في خفض إنفاقها الاستثماري، وتشير التقديرات إلى أنه سيتم تقليص الإنفاق في العام الحالي بمقدار 382 مليار ريال سعودي ما يعادل حوالى 102 مليار دولار ما نسبته 10%.

ووفقاً للوكالة، فإن السعودية إلى جانب مراجعة إنفاقها قد تؤخر تنفيذ بعض المشاريع الاستثمارية أو تقلصها لتوفير الأموال، ولن تتأثر بنود إنفاق أخرى كرواتب موظفي القطاع العام. وتضررت الميزانية السعودية التي تشكل عائدات النفط نحو 90% من إيراداتها بشدة بسبب تراجع أسعار النفط إلى أكثر من النصف منذ منتصف 2014.

خفض الدعم

في هذا الشأن قال ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في تصريحات نشرت له إن السعودية قد تخفض دعم الطاقة والمياه للمواطنين الأغنياء في إطار إصلاحات لتنويع موارد اقتصادها بدلا من الاعتماد على النفط وسط تراجع مطرد في الأسعار. وبدا أن المقابلة التي أجرتها معه صحيفة نيويورك تايمز تلمح أيضا إلى احتمال تراجع أسعار النفط أكثر بكثير من مستواها الحالي.

وأعادت الصحيفة صياغة خطط الإصلاح التي ذكرها الأمير قائلة "حتى إذا تراجع النفط إلى 30 دولارا للبرميل فإن إيرادات الرياض ستكفي لمواصلة بناء البلد بدون استنزاف المدخرات" لكنها لم توضح هل الرقم من عندها أم أن الأمير محمد قد ذكره. وكانت المملكة أكبر بلد مصدر للنفط في العالم قالت من قبل إنها تدرس رفع أسعار الطاقة المحلية وفرض ضريبة القيمة المضافة وإقامة محطات تعمل بالطاقة النووية والشمسية.

وجدد تراجع أسعار النفط وعجز الميزانية المتوقع في الأعوام المقبلة التفكير في إصلاحات بالمملكة بهدف تنويع موارد الاقتصاد بدلا من الاعتماد على دخل الخام. وقال الأمير محمد في المقابلة "التحديات الرئيسية تتمثل في اعتمادنا المفرط على النفط وفي طريقة وضع الميزانية وإنفاقها." وتراجعت العقود الآجلة لخام برنت القياسي إلى نحو 45 دولارا للبرميل مع تعزز الدولار وعودة تركيز المستثمرين إلى تخمة المعروض العالمي.

وتنامت التخمة بفعل ثورة النفط الصخري الأمريكي وقرار السعودية العام الماضي حمل أوبك على عدم خفض الإنتاج من أجل حماية الحصة السوقية من المنتجين المنافسين. وإلى جانب خفض الدعم قد تشمل الإصلاحات فرض ضريبة للقيمة المضافة ورسوم على المنتجات المضرة بالصحة مثل السجائر والمشروبات السكرية حسبما نسبت إليه الصحيفة. ونقلت عنه الصحيفة قوله إن هناك اتجاها لخصخصة المناجم وفرض رسوم على الأراضي غير المطورة وخفض استهلاك النفط محليا عن طريق استخدام الطاقة النووية والشمسية في توليد الكهرباء لكنه لم يذكر تفاصيل أخرى. بحسب رويترز.

ويتولى الأمير محمد وزارة الدفاع ويرأس لجنة عليا تتولى الإشراف على اقتصاد المملكة إلى جانب المركز الوطني لقياس أداء الأجهزة العامة الذي يراقب كفاءة الوزارات. وإبان حكم الملك عبد الله الذي توفي في يناير كانون الثاني قامت السعودية بخصخصة شركات حكومية كبرى وفتحت قطاعات اقتصادية مهمة أمام الاستثمار الخاص والأجنبي وانضمت إلى منظمة التجارة العالمية وأدخلت إصلاحات على قوانين العمل. لكن الاقتصاديين يقولون إن بوسع الحكومة عمل المزيد لتقوية دور المواطنين السعوديين في القطاع الخاص عن طريق خطوات مثل إصلاح التعليم إضافة إلى زيادة الكفاءة بالقطاع الحكومي.

تعليمات جديدة

من جانب اخر قالت مصادر مطلعة إن وزارة المالية السعودية أصدرت تعليمات للجهات الحكومية بإعادة ما لم تنفقه من أموال مخصصة لمشروعاتها في ميزانية هذا العام وذلك في إطار سعيها لترشيد الإنفاق في ظل هبوط أسعار النفط. وعلى مدى الأعوام الماضية التي شهدت طفرة نفطية كانت الجهات الحكومية في أكبر مصدر للنفط في العالم لديها المرونة في صرف المبالغ الفائضة من الميزانية المخصصة لها بنهاية كل عام مالي عبر ما يعرف بالمناقلات بين بنود وبرامج ومشروعات الميزانية.

لكن المصادر قالت إن الوزارة أخبرت الجهات الحكومية هذا العام بأنه في حال عدم إنفاق المبالغ المخصصة لكل مشروع يجب إرسال هذه الفوائض لها مرة أخرى. ولم يتسن الحصول على تعقيب من وزارة المالية. ويسود اعتقاد بين الكثير من البيروقراطيين ورجال الأعمال والمواطنين السعوديين العاديين بأن فترة من التقشف النسبي باتت تلوح في الأفق مع سعي وزارة المالية لفرض المزيد من السيطرة على النفقات. ويقول الاقتصادي السعودي فضل البوعينين "السعودية باتت تركز على كفاءة الإنفاق الذي يستدعي الضبط وتشديد الرقابة المالية."

ويضيف "إيقاف المناقلات بين بنود الاعتمادات المالية إن كان واقعا ربما كان على علاقة بتحقيق الكفاءة من الاعتمادات المالية بحيث تستثمر في المشروع الذي رصدت من أجله فإن لم تستغل أو كان هناك فائضا فمن الأفضل أن تستثمر لتمويل مشروع يتم اعتماده وفق الحاجة والضرورة."

وكان وزير المالية إبراهيم العساف قال إن المملكة بدأت أيضا في خفض النفقات غير الضرورية مع الاستمرار في التركيز على مشروعات التنمية الأساسية في قطاعات الصحة والتعليم والبنية التحتية لما لها من أهمية للنمو الاقتصادي على المدى الطويل. ولم يذكر العساف آنذاك تفاصيل خفض الإنفاق على المشروعات غير الضرورية لكن الأوساط المالية فسرت تصريحاته بأنها إشارة على أن المملكة ستخفض الإنفاق في بعض نواحي ميزانية العام القادم.

وفي وقت سابق انتشرت في وسائل التواصل الاجتماعي وثيقة ارسلتها الوزارة للجهات الحكومية تطالبهم فيها بوقف شراء السيارات والاثاث وايقاف التعيينات والترقيات على كافة السلالم الوظيفية الحكومية. وقال مازن السديري رئيس الأبحاث لدى الاستثمار كابيتال إن تلك التعليمات إجراء روتيني يصدر عن الوزارة بنهاية كل سنة مالية ويخص الربع الأخير من العام وذلك قبل إعداد الموازنة الجديدة. وأطلقت تلك الوثيقة عاصفة من التعليقات والتكهنات على موقع تويتر بشأن خفض الإنفاق الحكومي في المستقبل.

لكن السديري استبعد ان تكون تلك إشارة على خفض كبير في الإنفاق الحكومي وقال "الاقتصاد الحكومي يمر بمرحلة تحول ما يثير مخاوف الناس هو انهم لا يفهمون أن التحول لا يعني أن الوضع الاقتصادي سيصبح أسوأ...الدولة لن تتوقف عن الإنفاق لمساعدة القطاع الخاص وخلق فرص العمل." ومن المستبعد أن تعاني السعودية من أي أزمة مالية قريبا إذ أن صافي الأصول الأجنبية لدى البنك المركزي - الذي يضطلع بدور صندوق الثروة السيادي في المملكة ويدير استثماراتها من إيرادات النفط في الأسواق الخارجية - لا يزال عند مستوى هائل بلغ 655 مليار دولار وفقا لأحدث إحصاءات رسمية.

ويعتقد أن اجمالي الإنفاق الحكومي مند بداية العام وحتى الآن تجاوز المستوى القياسي المخصص في ميزانية 2015 عند 860 مليار ريال (229 مليار دولار). ويرجع ذلك لأسباب من بينها أمر العاهل السعودي الملك سلمان بصرف مكافآت سخية لموظفي الدولة والمتقاعدين وتخصيص مبالغ أخرى للإنفاق على الرعاية الاجتماعية عندما تولى الحكم في يناير كانون الثاني في حزمة تقدر بنحو 25 مليار دولار. كما أن الحملة العسكرية التي قادتها الرياض ضد الحوثيين في اليمن في مارس اذار وشملت ضربات جوية وتدخل بري محدود قد تكلف المملكة بعض المليارات من الدولارات بنهاية العام الجاري حسب تقديرات محللين عسكريين.

لكن نواح أخرى باتت تظهر تباطؤا في الإنفاق الحكومي. وبحسب بيان لوزارة المالية أجازت الوزارة عقودا لمشروعات جديدة بقيمة 106.02 مليار ريال في الأشهر التسعة الأولى من العام بانخفاض 38 بالمئة عن العام السابق. وتمثل العقود التي تجيزها وزارة المالية جزءا محدودا من الإنفاق الحكومي إذ يجري تنفيذ عدد من المشروعات الكبرى خارج إطار الميزانية العامة للدولة لكن هذا التراجع ربما يعكس بداية توجه حذر بين المسؤولين.

وقال مصدران بوزارة المياه والكهرباء إنه لم يجر ترسية أي مشروع جديد خلال الأشهر الأربعة المنصرمة رغم طرح عدد من المشروعات في وقت سابق من العام. وقال مصدر إنه لم يجر إلغاء أي من تلك المشروعات مما يشير إلى احتمال المضي قدما في تنفيذها خلال 2016. وبحسب ما أفادت به مصادر على مدى الأشهر القليلة الماضية تم تقليص خطة لبناء عدد من ملاعب الكرة بمختلف أنحاء البلاد وجرى إلغاء عقد بقيمة 201 مليون دولار لشراء قطارات سريعة كما تباطأت عملية توسعة أحد الحقول النفطية. وربما يستمر هذا الأمر العام المقبل.

وفي تسعينات القرن الماضي عندما هبطت أسعار النفط إلى نحو 20 دولارا للبرميل خفضت الحكومة السعودية الإنفاق الإجمالي بنحو عشرة بالمئة خلال بعض السنوات وقد يكون رد فعل مماثل أمرا محتملا العام المقبل. كانت الحكومة السعودية قالت إنها ستسعى لترشيد الإنفاق على الرواتب والمكافآت لموظفي الدولية والتي تمثل 50 بالمئة من الموازنة لكن يعتقد أنها ليس أمامها مجالا يذكر لعمل ذلك لما للأمر من حساسية سياسية وهو ما يجعل مشروعات البنية التحتية واستثمارات الدولة عرضة بشكل أكبر لخفض الإنفاق. بحسب رويترز.

ويقول الاقتصادي السعودي البارز عبد الوهاب أبو داهش إن الوضع الاقتصادي للمملكة لا يزال جيدا ومؤشرات النمو منذ بداية العام إيجابية ما يجعل الحديث عن خفض كبير في الإنفاق أمر سابق لأوانه. ويضيف "لكن تلك الخطوات وتأجيل عدد من المشروعات يعطي إشارات على إعادة ترتيب الحكومة لأولويات الإنفاق."

أسعار وفرص

على صعيد متصل قالت وسائل إعلام محلية إن السعودية سترفع أسعار المياه للقطاعات غير السكنية في دلالة على قيام الحكومة بتقليص نظام الدعم المكلف مع تضرر ماليتها العامة جراء هبوط أسعار النفط. وقالت صحيفة الوطن السعودية في تقرير نشره موقع وزارة المياه والكهرباء إن سعر المتر المكعب من المياه للمستخدمين من القطاعات الحكومية والصناعية والتجارية الكبيرة سيرتفع إلى تسعة ريالات (2.40 دولار) من أربعة ريالات حاليا اعتبارا من 16 ديسمبر كانون الأول.

ونشرت بعض الصحف السعودية الأخرى تقارير مماثلة نقلا عن مصادر لم تسمها في الوزارة قالت إن الحكومة تسعى لترشيد استهلاك المياه وخفض الهدر. وقالت التقارير إن الجهات السكنية التي استفادت طويلا من أسعار المياه المخفضة في إطار المزايا الاجتماعية التي تقدمها الحكومة لن تشملها الزيادة.

وقال وزير البترول السعودي إن المملكة تدرس إمكانية خفض دعم أسعار الوقود المحلية. ولم يذكر مزيدا من التفاصيل. ولم تذكر التقارير الإعلامية حجم الأموال التي قد توفرها الحكومة من رفع أسعار المياه. وربما تساهم تلك الخطوة في تقليص استخدام الطاقة نظرا لأن كميات كبيرة من المياه المستخدمة في البلاد تنتجها محطات التحلية.

الى جانب ذلك اعتبر رئيس غرفة التجارة السعودية عبد الرحمن الزامل ان تراجع عائدات النفط السعودية يوفر فرصا اكبر للقطاع الخاص من خلال تشجيع حصول تغيير في الانفاق لصالح الشركات الوطنية. وقال الزامل "لا اسميها ازمة وانما فرصة" واضاف الزامل ان تراجع العائدات سيؤثر على المشاريع الكبرى التي تعتمد على الشركات الخارجية وعلى مستشاريها والمتعاقدين من الباطن الذين لا يؤثرون كثيرا في الاقتصاد. واعتبر ان وقف مثل هذه المشاريع "سيعود بالفائدة على السعوديين".

ويرأس الزامل مجموعة الزامل التي توظف 21 الف شخص في عدد من القطاعات بما فيها تصنيع الفولاذ وبناء السفن. واضاف "نريد ان تهتم حكومتنا من الان فصاعدا بالمشاريع الصغيرة والمتوسطة" التي لا تجذب الشركات الاجنبية ويمكن ان تنفذها شركات سعودية او مختلطة. بحسب فرانس برس.

واورد ان تبني قانون يشجع استخدام المنتجات الصناعية الوطنية سيؤدي الى "ضخ مزيد من المال في الاقتصاد" مع تكثيف الحكومة جهودها لتوظيف السعوديين وهذا سيؤدي في رايه الى نمو الاعمال. وقال الزامل "الجميع يتحدث عن شركات مختلطة. لم يكن الوضع كذلك السنة الماضية".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
0