في تصريح لمدير أحد مراكز البحث والاستشارات المتعددة الاختصاصات المهمة في إحدى الدول العربية لإحدى الصحف أن "أزمة اقتصادية (وليست مالية) ستضرب العالم بحلول 2020، وستأكل الأخضر واليابس وتؤدي إلى كساد كبير وبطاله وارتفاع فاحش بالأسعار وستبدأ في الولايات المتحدة وتقضي على كل اقتصادات العالم. وستكون أسباب حصولها تحول أميركا إلى دولة مستوردة للنفط بعد استهلاك معظم إمكاناتها، وبالتالي ستفرض شروطها على الأسواق بحكم قوتها العسكرية للهبوط بالأسعار، وهناك أسباباً أخرى للأزمة مثل ارتفاع أسعار الفائدة وتأثيرها على الأسواق المالية والحرب التجارية التي تقودها واشنطن ضد العالم وفي مقدمتها الصين" وأضاف إنَّ بعض مراكز البحث تعتقد أنَّ واشنطن قد تعلن حرباً عسكرية على الصين عندما تقع الأزمة بينهما.

وفعلاً هناك تحذيرات واسعة النطاق وتخوف من حصول أزمة مالية جديدة تؤدي إلى ركود اقتصادي قد يكون أسوأ من ذلك الذي حصل في 2008، سببها تراكم الديون على القطاعين الخاص والحكومي في البلدان المتقدمة والاقتصادات الناشئة في الوقت الذي ترتفع فيه أسعار الفائدة في الولايات المتحدة ودول أخرى، ما قد يؤدي إلى عجز الحكومات والقطاع الخاص عن إعادة تسديد ديونهم، خصوصاً إذا استمرت أسعار الفائدة في الارتفاع.

ركود اقتصادي عالمي في 2020

وكان العالم قد هوى نحو أزمة اقتصادية عالمية في أعقاب انهيار بنك "ليمان براذرز" الأميركي في أواخر العام 2008، وهي الأزمة التي استمرت عدة سنوات وأثرت سلباً على القطاع العقاري وأسواق الأسهم في مختلف أنحاء العالم، وبحسب استطلاع خاص أجرته جريدة "وول ستريت جورنال" فان 59% من الاقتصاديين يرون أن الانتعاش الحالي في الاقتصاد الأميركي سوف ينتهي بحلول العام 2020، بينما قال 22% آخرون إنه سينتهي في العام الذي يليه، أي في 2021، فيما ترى مجموعة قليلة من الاقتصاديين أن الركود القادم سوف يبدأ في 2022.

وقال سكوت أندرسون، كبير الاقتصاديين في مصرف "بنك أوف ذا وست"، وهو من بين من يتوقعون أن يدخل الاقتصاد الأميركي والعالمي في ركود اعتباراً من 2020: "إن الانتعاش الحالي يعتبر الأطول سناً بالنظر الى المعايير التاريخية، وهناك الكثير من علامات الدورة الاقتصادية تأخرت في الظهور"، وبالنسبة للسبب المتوقع للركود القادم في الاقتصاد الأميركي فيرى 62% من الاقتصاديين أنه سيكون ناتجاً عن تشديد المجلس الاحتياطي الفيدرالي، فيما وضع الاقتصاديون احتمالات أخرى للركود من بينها الانزلاق نحو أزمة مالية، أو انفجار فقاعة الأصول، أو اضطرابات في حركة التجارة الدولية.

ويقول الخبراء الاقتصاديون إن الركود عادة ما يكون غير متوقع، ويصعب التنبؤ بحدوثه، لا بل يمكن أن يبدأ بالفعل دون أن يتمكن الخبراء الاقتصاديون من تحديده أو معرفة أنه دخل بالفعل، حيث يرى كثيرون أن الأزمة المالية العالمية التي بدأت في أواخر العام 2008، كان قد سبقها دخول الاقتصاد الأميركي في حالة من الركود اعتباراً من ديسمبر 2007، لكن الاقتصاديين لم ينتبهوا لها بالشكل المطلوب.

مخاطر الركود في 2020

تساهم الولايات المتحدة في العديد من هذه المخاطر فقد تخلف الحروب التجارية مع الصين ودول أخرى، إلى جانب القيود المفروضة على الهجرة والاستثمار المباشر الأجنبي ونقل التكنولوجيا، تأثيرات عميقة على سلاسل الإمداد العالمية، مما يزيد من خطر الركود التضخمي. وقد أصبح خطر تباطؤ النمو في الولايات المتحدة أكثر حِدة الآن بعد أن بلغ برنامج التحفيز من التشريع الضريبي لعام 2017 منتهاه.

من ناحية أخرى، ظلت أسواق الأسهم في الولايات المتحدة سطحية ضحلة، وهناك مخاطر إضافية مرتبطة بظهور أشكال أحدث من الديون، بما في ذلك في العديد من الأسواق الناشئة، حيث كان قسم كبير من الاقتراض مقوما بعملات أجنبية ومع تقييد قدرة البنوك المركزية على الاضطلاع بدور الملاذ الأخير للإقراض على نحو متزايد، أصبحت الأسواق المالية غير السائلة عُرضة للانهيارات السريعة وغير ذلك من أشكال الانقطاع وقد يأتي أحد أشكال الانقطاع هذه نتيجة لتصرفات ترمب، الذي ربما يستسلم لإغراء إحداث أزمة في السياسة الخارجية -تشتيت الانتباه- مع دولة مثل إيران وهذا من شأنه أن يعزز أرقام استطلاعات الرأي المحلية لصالحه، لكنه قد يشعل أيضا شرارة صدمة نفطية.

بعيدا عن الولايات المتحدة، لا تزال هشاشة النمو في الصين المثقلة بالديون وبعض الأسواق الناشئة تشكل مصدرا للقلق، وكذا المخاطر الاقتصادية والسياسية والمالية ومخاطر السياسات في أوروبا الأسوأ من ذلك أن صندوق أدوات السياسات في مختلف الاقتصادات المتقدمة لا يزال محدودا في ما يتصل بالاستجابة للأزمة ولا يمكن تطبيق نفس التدخلات النقدية والمالية وأشكال دعم القطاع الخاص التي استخدمت بعد الأزمة المالية في عام 2008 ببساطة على نفس المنوال اليوم.

بين المخاطر التي قد تؤدي إلى إحداث الركود في عام 2020، تستحق الحرب الصينية الأميركية التجارية والتكنولوجية اهتماما خاصا فقد يتصاعد الصراع على أكثر من نحو فربما تقرر إدارة ترمب تمديد التعريفة الجمركية إلى الصادرات الصينية التي تبلغ قيمتها 300 مليار دولار والتي لم تتأثر بعد أو ربما يؤدي منع شركة هواوي وغيرها من الشركات الصينية من استخدام المكونات الأميركية إلى إشعال شرارة عملية تامة النطاق من التراجع عن العولمة، مع اندفاع الشركات إلى تأمين سلاسل الإمداد التي تعنيها.

وإذا حدث هذا فسوف يكون لدى الصين عدة خيارات للانتقام من الولايات المتحدة، مثل إغلاق سوقها أمام الشركات الأميركية المتعددة الجنسيات مثل أبل في ظل هذا السيناريو، ستكون الصدمة التي تتعرض لها الأسواق في مختلف أنحاء العالم كافية لإحداث أزمة عالمية، بصرف النظر عن كل ما قد تفعله البنوك المركزية الكبرى ومع تسبب التوترات الحالية بالفعل في التأثير على ثقة الشركات والمستهلكين والمستثمرين وإبطاء النمو العالمي، فإن المزيد من التصعيد كفيل بدفع العالم إلى الركود ونظرا لحجم الديون الخاصة والعامة، فمن المرجح أن يترتب على الركود اندلاع أزمة مالية أخرى.

زمن انفجار الازمة؟

وفقا لشركة لبعض الشركات لا تكمن المشكلة في حدوث ركود خلال السنوات الثلاث القادمة، ولكن في توقيت وقوع الركود الأكبر.فغالبا، وبالاعتماد على زمن انفجار الأزمة القادمة، سيكون من الممكن تحديد مدى عمقها وفي هذا الصدد، سلطت شركة "ام دي اف" الضوء على ثلاثة أمثلة في التاريخ الاقتصادي الأمريكي التي ستكون مماثلة لكل فترة من فترات الركود الثلاثة المحتملة.

في حال انفجرت الأزمة خلال سنة 2018، فسيكون ذلك بسبب فشل حسابات البنوك المركزية، لكن ذلك يظل أمرا مستبعدا جدا ومن المرجح أن يتم تكرار الخطأ الكبير الذي وقع فيه نظام الاحتياطي الفدرالي الأمريكي في سنة 1937، الذي كان يرأسه في ذلك الوقت الخبير الاقتصادي مارينان إكليس آنذاك، قرر البنك المركزي الأمريكي التشديد على الشروط النقدية للرد على زيادة التضخم وتراجع البطالة وتمثلت المشكلة في أن هذا الجهاز الحكومي غالبا ما يتبنى ردود فعل سابقة لأوانها ومكثفة، مما يؤدي إلى حدوث ركود.

في المقابل، ترى الشركة الاستشارية "أم دي أف" أن احتمال وقوع هذا السيناريو ضئيل جدا وقد أعربت البنوك المركزية في السنوات الأخيرة عن مدى قلقها بشأن تجنب أزمة ناجمة عن التشديد المفاجئ على ظروف التمويل من جهة أخرى، وقع البنك المركزي الأوروبي بالفعل في خطأ مشابه في سنة 2011، وذلك عندما قام برفع أسعار الفائدة مرتين وتسبب في انتكاسة على مستوى الاقتصاد الأوروبي وبالتالي، يعد هذا السيناريو واردا بنسبة 20 بالمائة.

الاقتصاد العالمي مثقل بالديون

أما الاحتمال الثاني، فيحيل إلى إمكانية حدوث ركود في سنة 2019، الأمر الذي يمكن أن يكون نتيجة لحادث ائتمان ويفترض ذلك العودة بالذاكرة إلى سيناريو مماثل في سنة 2007 في ذلك الوقت، كان الاقتصاد العالمي مثقلا بالديون مما جعله عرضة لنوبات من الذعر في السوق وفي الأشهر الأخيرة، تزامنت موجات التوتر الأولى مع بداية التقلبات التي كانت بمثابة وسيلة لاختبار أعصاب المستثمرين. وفي الوقت الحالي، تجسد نوبات الذعر من خلال حلقات لم تدم سوى بضع ساعات لكن إذا استمرت لعدة أيام، يمكن أن تولد مناخا من التوتر، ما من شأنه أن يزيد من تعقيد الوضع بمرور الوقت.

تتمتع البنوك المركزية بهامش هائل للاستمرار في العمل، نظرا للمحفزات التي قاموا بنشرها خلال الأزمة، والتي سرعان ما بدأوا في سحبها في الأثناء، لا يزال البنك المركزي الأوروبي بصدد توسيعها نتيجة لذلك، لن يتبقى سوى القليل من الوسائل لمحاربة أزمة الائتمان، ما من شأنه أن يؤدي إلى تفاقم الوضع، على أية حال، أظهرت البنوك المركزية مدى قدرتها على التخفيف من موجات التوتر في السوق كما أظهرت سياستها الخارجية، التي تعتمد على مبدأ "التحفيز إلى الأمام" أنها فعالة جدا في تهدئة الوضع في صفوف المستثمرين ومن المتوقع أن يسمح ذلك بتمديد أجال المرحلة التوسعية بهدف جعلها تستمر لمدة سنة أخرى، إلى غاية سنة 2020 تزامنا مع تحقق مرحلة الركود وترى الشركة الاستشارية، "أم دي أف" أن هذا السيناريو يعتبر الأكثر احتمالا ومرجحا بنسبة 50 بالمائة.

علاوة على ذلك، تعتقد الشركة الاستشارية أن التضخم سيشهد ارتفاعا كبيرا انطلاقا من النصف الثاني من سنة 2019، نتيجة للنمو الذي تجاوز المستوى المطلوب لتحقيق التوازن وأكدت الشركة أن التضخم لم يختف تماما، وإنما في حالة سبات، حيث يعد بمثابة مؤشر متأخر مقارنة بالدورة الاقتصادية وفي هذا السياق، لا يتطلب الأمر سوى اندلاع الشرارة الأولى، التي يمكن أن تشمل الأجور أو المساكن أو الأصول الأخرى، لإثارة خوف الوكلاء الاقتصاديين من زيادة الأسعار.

ويحيل ذلك إلى العودة إلى سيناريو سنة 1965، عندما اعتقد نظام الاحتياطي الفدرالي الأمريكي أنه قد فاز بالمعركة ضد التضخم، الذي لم يختف تماما وإنما كان في حالة سبات، بكل بساطة، لم يختف التضخم تماما، إنه ببساطة في حالة سبات، حيث يعد بمثابة مؤشر متأخر عن الدورة الاقتصادية، يفترض ذلك أن منحنى فيليبس (الذي يبين العلاقة بين البطالة ومعدل التضخم) لن يزول تماما حيث تكمن المشكلة في هذه النظرية في أنها لا تعمل سوى على المدى القصير، وكذلك عندما لا تكون هناك فجوة في الإنتاج (السيناريو الذي بدأ في التحقق اليوم) وتظهر هذه المشكلة خاصة عند حدوث نقص في العوامل الإنتاجية الخاملة وعلى وجه التحديد عندما ترتفع أسعار الإنتاج وعلى سبيل المثال، إذا لم تكن هناك بطالة، ستميل الأجور إلى الارتفاع، لأن الشركات التي ترغب في التوظيف في حاجة إلى "اقتناص" العمال ذوي الكفاءة والاختصاص.

مركز النبأ الوثائقي يقدم الخدمات الوثائقية والمعلوماتية
للاشتراك والاتصال annabaa010@gmail.com
او عبر صفحتنا في الفيسبوك (مركز النبأ لوثائقي)

..............................
المصادر
- الجريدة لاقتصادية
- نون بوست
- الجزيرة
- صحيفة الحياة
- الشبيبة
- العربية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0