حثت اليونان الاحد دائنيها في الاتحاد الاوروبي وصندوق النقد الدولي على اعتماد تدابير لتخفيف ديونها، بعدما "اوفت اثينا بالتزاماتها" عبر إقرار تدابير تقشف جديدة، وتأتي هذه الدعوة عشية اجتماع لوزراء المال بمنطقة اليورو في بروكسل، حيث تأمل اليونان في الافراج عن شريحة تالية من القروض، وفي الحصول على التزامات واضحة حول تدابير تُيسّر تسديد دينها العام الكبير (17% من اجمالي الناتج المحلي)، وقد اعتمد البرلمان اليوناني تدابير تقشف جديدة، توفر 4,9 مليارات يورو بالاجمال، وكانت الجهات الدائنة تطالب اليونان بتلك التدابير للافراج عن شريحة تبلغ سبعة مليارات يورو من القروض الدولية التي ستستخدم خصوصا لتسديد اربعة مليارات يورو للبنك المركزي الاوروبي في 20 تموز/يوليو، ومليارين لشركات استثمار خاصة.

واضاف تساكالوتوس ان "القرارات باتت في ايدي المؤسسات لتتيح لنا الوصول الى برنامج التيسير الكمي وعودتنا الى السوق الالزامية"، وتصطدم دعوات رئيس الوزراء اليكسيس تسيبراس الى تخفيف الدين، بمقاومة حازمة من المانيا التي تستعد لانتخابات عامة في ايلول/سبتمبر. أما صندوق النقد فيدعو الى تخفيف الدين، وتفيد مصادر قريبة من الملف، ان صندوق النقد الدولي وبلدان منطقة اليورو سيقتربان من تسوية من شأنها ان تتيح التوصل الى اتفاق شامل يمكّن اليونان من العودة الى السوق الإلزامية في 2018.

صندوق النقد ينفي موافقته على مساهمته المالية في خطة مساعدة اليونان

نفى صندوق النقد الدولي ان يكون اقر مساهمته المالية في خطة مساعدة اليونان وبين انه لا يزال ينتظر تعهدات اوروبية بشأن تخفيف دين هذا البلد، وكان وزير المال السلوفاكي بيتر كازيمير لمح الى ان صندوق النقد قرر اخيرا المساهمة ماليا في خطة انقاذ بقيمة 86 مليار يورو منحت لاثينا في صيف 2015، واكد ويليام موراي المتحدث باسم صندوق النقد "لم يتغير شيء منذ الاتفاق على الاجراءات (التي وعدت بها الحكومة اليونانية) التي ابرمت الاسبوع الماضي".

وكرر المتحدث ان صندوق النقد الذي كان ساهم في خطتي انقاذ سابقتين لليونان، لن يمنح موافقته الا اذا وجد ان الدين اليوناني اصبح قابلا للتعافي، ما يفترض اجراءات "ذات صدقية" لتخفيف الدين يمنحها الاوروبيون، واضاف ان المباحثات بشأن تخفيف الدين، الامر الذي تعارضه المانيا، "بدأت للتو"، وبعد اشهر من التعثر توصلت اثينا ودائنوها الاوروبيون في بداية ايار/مايو الى اتفاق اولي حول اصلاحات تتيح منح دفعة جديدة من المساعدة، ولا يزال يتعين ان يعلن وزراء مال دول منطقة اليورو موافقتهم النهائية على الامر في 22 ايار/مايو.

ارتفاع مستوى الفقر الى مستويات قياسية

دفعت الأزمة المالية العالمية وتداعياتها أربعة من دول منطقة اليورو للجوء إلى مؤسسات الإقراض العالمية. وخضعت كل من ايرلندا والبرتغال وقبرص لخطط إنقاذ وخرجت من أزمتها وعاد اقتصادها ينمو من جديد، أما اليونان التي كانت أول دولة من الدول الأربع تطبق خطة إنقاذ عام 2010 فقد احتاجت ثلاثا من حزم الإنقاذ، أنقذت أموال هذه الحزم التي دفعها الاتحاد الاوروبي وصندوق النقد الدولي اليونان من الإفلاس غير أن سياسات التقشف والإصلاح التي اشترطها المقرضون ساعدت في تحويل الركود إلى كساد.

وقد حاول رئيس الوزراء اليكسيس تسيبراس الذي تتراجع شعبية حكومته ذات القيادة اليسارية في استطلاعات الرأي أن يجعل من محنة اليونانيين صرخة استغاثة في أحدث جولة من المفاوضات الطويلة مع المقرضين الذين يعطلون الإفراج عن المزيد من المساعدات، وتمثل جانب كبير من أموال المساعدات الطائلة في صورة ديون جديدة لسداد ديون قديمة. لكن بغض النظر عن المسؤول عن انهيار مستويات المعيشة فإن أرقام الفقر من وكالة الاحصاء التابعة للاتحاد الاوروبي (يوروستات) مروعة، وليست اليونان بأفقر الدول الأعضاء في الاتحاد الاوروبي فمعدلات الفقر أعلى في بلغاريا ورومانيا. غير أن اليونان تأتي بعدهما مباشرة في المركز الثالث وتبين بيانات يوروستات أن 22.2 في المئة من السكان "تعرضوا لعوز شديد" في 2015.

وفي حين أن الأرقام شهدت انخفاضا حادا في دول البلقان فيما بعد العهد الشيوعي -إذ بلغ الانخفاض نحو الثلث في حالة رومانيا- فقد تضاعف المعدل في اليونان تقريبا منذ عام 2008 وهو العام الذي تفجرت فيه الأزمة العالمية. وعموما فقد انخفض المعدل على مستوى الاتحاد الاوروبي من 8.5 في المئة إلى 8.1 في المئة في تلك الفترة، وتوضح أرقام بنك الطعام الذي يخدم منطقة وسط أثينا أن الاتجاه على المستوى المحلي مماثل للاتجاه الذي أوضحته بيانات يوروستات. فقد قالت كاتسولي إن عدد الأسر المسجلة في البنك يبلغ نحو 11 ألف أسرة - 26 ألف شخص - ارتفاعا من 2500 فقط في عام 2012 ومن 6000 في 2014. ويشمل هذا العدد 5000 طفل.

وحثت مؤسسات دولية من بينها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الحكومة على إعطاء الأولوية لمعالجة الفقر والتفاوت في مستويات الدخل، وعلى الرغم من انخفاض معدل البطالة من الذروة التي بلغها عند 28 في المئة من قوة العمل إلى 23 في المئة لكن المعدل لايزال الأعلى في الاتحاد الاوروبي. ومنذ بدأت الأزمة انكمش الاقتصاد اليوناني بمقدار الربع وأغلقت آلاف الشركات ومنشآت الأعمال أبوابها، ويبدو أن تحسن مستويات المعيشة أبعد ما يكون. فقد أظهر استطلاع أجراه اتحاد الأعمال اليوناني وشركة مارك لاستطلاعات الرأي أن أكثر من 75 في المئة من الأسر عانت من انخفاض كبير في الدخل العام الماضي.

تبدد الامال في تحقيق نمو اقتصادي في اليونان

بددت الارقام المنقحة الصادرة الاثنين العودة المفترضة للنمو الى اليونان عام 2016 في وقت تحاول فيه أثينا وضع اللمسات الأخيرة على اتفاق مع الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي للخروج من أزمتها، وبعد ان أنهى مكتب الإحصاء اليوناني مراجعة الارقام وكانت التقديرات الأولية صدرت في شباط/فبراير، فان العام 2016 اغلق على تراجع بنسبة 0,5% في الناتج المحلي الإجمالي، مقابل نمو بنسبة 0,3%، وستبقى اليونان، حيث انخفض مستوى الناتج المحلي الإجمالي 1,2% بعد ان كانت مقدرة في البداية بنسبة 0,4% ، في ركود للعام الثامن على التوالي باستثناء عودة قصيرة الى النمو في عام 2014.

ويأتي الإعلان عن هذا الأداء المعاكس في وقت تحاول فيه أثينا وضع اللمسات الأخيرة على اتفاق مع دائنيها تأخر لعدة أشهر لكي تستمر في تلقي الاموال حتى عام 2018، والاستعداد المتوقع لعودتها الى الأسواق المالية في السنة المذكورة، ومنذ عام 2010، تعيش اليونان على قروض من منطقة اليورو وصندوق النقد الدولي من خلال ثلاث حزم انقاذ متتالية مقابل فرض إصلاحات صعبة جدا، وسط تأثير ركود حاد مع انخفاض تراكمي نسبته 25% في الناتج المحلي الإجمالي.

وقد تعثرت المفاوضات بين أثينا ودائنيها بسبب تقديرات متباينة من صندوق النقد الدولي ومنطقة اليورو حول التقدم المحرز في الاقتصاد اليوناني، وفي حين يعتبر الصندوق ان التوقعات الاوروبية متفائلة جدا، مطالبا بالتالي اثينا بالمزيد من الجهود وبخفض كبير في الديون اليونانية، ترفض برلين ذلك، ومع ذلك، تم التوصل في اواخر شباط/فبراير في بروكسل الى حل وسط معقد، وصفته اثينا بانه "مشرف" اسفر عن السماح باستئناف المحادثات في العاصمة اليونانية.

استمرار الأزمة في اليونان

خفقت الجهات الدائنة لليونان أي منطقة اليورو وصندوق النقد الدولي في بروكسل حول التفاهم على تخفيف دين أثينا الذي يسمح بتحريك قروض جديدة لها، وذكر رئيس مجموعة اليورو الهولندي يورين ديسلبلوم "أنه لم نتوصل إلى اتفاق شامل"، وجاءت تصريحات ديسلبلوم في ختام اجتماع لوزراء مالية الدول الـ19 التي تتبنى العملة الواحدة، واستمر لـ 8 ساعات، وكان الأمل في التوصل إلى اتفاق على تخفيف الدين اليوناني كبيرا منذ أشهر لاستبعاد خطر خروج أثينا من الاتحاد الذي ظهر مجددا، وتخفيف القلق في منطقة اليورو.

وتراوح خطة المساعدة الثالثة لليونان التي تشارك فيها منطقة اليورو وصندوق النقد الدولي، مكانها منذ أشهر، إذ إن الجهات الدائنة لم تتمكن من التوصل إلى اتفاق حول قدرة البلاد على مواجهة دينها العام الهائل الذي يشكل 179 % من إجمالي الناتج الداخلي، ويرفض صندوق النقد الدولي الذي يشعر بقلق عميق، المساهمة في خطة الإنقاذ إذا لم يقدم الأوروبيون إجراءات تسهل تسديد الأموال، واستبعدت ألمانيا هذه الإمكانية قبل أشهر من انتخابات تشريعية حاسمة. لكنها اعتبرت في الوقت نفسه أن لا غنى لصندوق النقد الدولي عن مواصلة البرنامج، ولإرضاء دائنيها، قدمت حكومة ألكسيس تسيبراس اليسارية الى البرلمان إجراءات تقشفية جديدة أقرت في 18 مايو على الرغم من الاضرابات والتظاهرات، ويبلغ مجموع قيمة هذه الإجراءات 4,9 مليارات يورو من التوفير عبر اقتطاعات في رواتب التقاعد وزيادة في الضرائب، ولن تطبق هذه الإجراءات الصارمة في الخطة الحالية التي تنتهي في 2018، بل في السنوات الثلاث التالية بين 2019 و2021، وتحتاج اليونان الى أموال جديدة من منطقة اليورو لتفادي التخلف عن سداد ديونها في يوليو عندما يحين موعد سداد قروض قيمتها 7.3 مليار دولار.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0