كان لطريق الحرير اهمية كبيرة منذ اكتشافه كطريق تجاري مهم في السابق وفي الوقت الحاضر، وتصاعدت اهميته الان بعد اكتشاف طريق الحرير الجديد، ولهذه الاهمية سيتناول مركز النبأ الوثائقي على عاتقه تعريف القارئ الكريم بتفاصيل هذا الطريق بين الحاضر والماضي.

لطريق الحرير تأثير كبير على ازدهار كثير من الحضارات القديمة مثل الصينية والحضارة المصرية والهندية والرومانية حتى أنها أرست القواعد للعصر الحديث يمتد طريق الحرير من المراكز التجارية في شمال الصين حيث ينقسم إلى فرعين شمالي وجنوبي يمرّ الفرع الشمالي من منطقة بلغار-كيبتشاك وعبر شرق أوروبا وشبه جزيرة القرم وحتى البحر الأسود وبحر مرمرة والبلقان ووصولاً بالبندقية أمّا الفرع الجنوبي فيمرّ من تركستان وخراسان وعبر بلاد ما بين النهرين والعراق والأناضول وسوريا عبر تدمر وأنطاكية إلى البحر الأبيض المتوسط أو عبر دمشق وبلاد الشام إلى مصر وشمال أفريقيا.

ما هو طريق الحرير ولماذا أطلق عليه هذا الاسم؟

طريق الحرير لقب أطلق على مجموعة الطرق المترابطة التي كانت تسلكها القوافل والسفن بين الصين وأوروبا بطول 10 آلاف كيلومتر، والتي تعود بداياتها لحكم سلالة Han في الصين نحو 200 سنة قبل الميلاد وقد أطلق عليها هذا الاسم عام 1877 من قبل جغرافي ألماني لأن الحرير الصيني كان يمثل النسبة الأكبر من التجارة عبرها.

وقد كان لطريق الحرير تأثير كبير في ازدهار كثير من الحضارات القديمة، مثل الصينية والمصرية والهندية والرومانية، وهو يمتد من المراكز التجارية في شمال الصين، حيث ينقسم إلى فرعين يمرّ الفرع الشمالي عبر شرق أوروبا وشبه جزيرة القرم حتى البحر الأسود وصولاً إلى البندقية.

أمّا الفرع الجنوبي فيمرّ عبر العراق وتركيا إلى البحر الأبيض المتوسط أو عبر سوريا إلى مصر وشمال إفريقيا وقد توقف طريق الحرير كخط ملاحي للحرير مع حكم العثمانيين في القسطنطينية لكن مطلع التسعينيات بدأت محاولات لإنشاء طريق الحرير الجديد من بينها ما عرف بالجسر البري الأوروبي الآسيوي، الذي يصل بين الصين وكازاخستان ومنغوليا وروسيا ويصل إلى ألمانيا بسكك حديدية.

وفي سبتمبر 2013، وضمن زيارة الى كازاخستان أعلن الرئيس الصيني عن خطة لتأسيس طريق حرير جديد يصل الصين بأوروبا عرف بـ One Belt, One Roadيصل بين 60 دولة باستثمارات متوقعة تتراوح بين 4 و8 تريليونات دولار ويستهدف المشروع تعزيز التجارة بين آسيا وأوروبا وإفريقيا إلى جانب التركيز على السلام العالمي والازدهار الحضاري لهذه الدولة وهذا قد يبرز دور أساسي للسعودية بحكم موقعها الجغرافي، وهو ما ينسجم أيضا مع رؤية المملكة 2030 والتي تركز على استغلال الموقع الجغرافي للسعودية.

لمحة عن طريق الحرير

اعتاد البشر منذ القدم على الترحال من مكان إلى آخر وإقامة علاقات تجارية مع من جاورهم من الأقوام متبادلين السلع والمهارات والأفكار فشُقت في المنطقة الأوروبية الآسيوية على مر التاريخ طرق للمواصلات ودروب للتجارة تشابكت وترابطت مع الوقت لتشكل ما يُعرف اليوم بتسمية "طرق الحرير" وهي طرق برية وبحرية تبادل عبرها الناس من كل أصقاع العالم الحرير وغيره الكثير من السلع وتُعتبر الطرق البحرية جزءاً لا يستهان به من هذه الشبكة فمثّلت حلقة وصل ربطت الشرق بالغرب عن طريق البحر واستُخدمت على الأخص لتجارة التوابل بحيث بات اسمها الشائع "طرق التوابل".

ولم تحمل هذه الشبكات الواسعة في طياتها السلع والبضائع الثمينة فحسب وإنما أتاحت أيضاً تناقل المعارف والأفكار والثقافات والمعتقدات بفضل حركة الشعوب المستمرة واختلاطهم المتواصل مما أثر تأثيراً عميقاً في تاريخ شعوب المنطقة الأوروبية الآسيوية وحضاراتهم ولم تكن التجارة وحدها هي التي جذبت المسافرين المرتحلين على طول طرق الحرير وإنما التلاقح الفكري والثقافي الذي كان أيضاً سائداً في المدن المحاذية لهذه الطرق حتى أن العديد من هذه المدن تحوّل إلى مراكز للثقافة والتعلم.

وشهدت المجتمعات القاطنة على امتداد هذه الطرق تبادلاً وانتشاراً للعلوم والفنون والأدب ناهيك عن الحرف اليدوية والأدوات التقنية، فما لبثت أن ازدهرت فيها اللغات والأديان والثقافات وتمازجت ويُعتبر مصطلح "طريق الحرير" في الواقع مصطلحا حديث العهد نسبيا إذ لم تحمل هذه الطرقُ القديمة طوال معظم تاريخها العريق اسما بعينه وفي أواسط القرن التاسع عشر، أطلق العالم الجيولوجي الألماني، البارون فرديناند فون ريشتهوفن، اسم "دي سيدينستراس" (أي طريق الحرير بالألمانية) على شبكة التجارة والمواصلات هذه ولا تزال هذه التسمية المستخدمة أيضاً بصيغة الجمع تلهب الخيال بما يلفها من غموض موحٍ.

كيف بدأ طريق الحرير؟

بدأ طريق الحرير عندما طلب الملك هان وو دي من سلالة هان من "تشانغ تشيان" أن يذهب من العاصمة "تشانغان" حاليّاً (XIAN) عام 137 ق.م إلى المناطق الشماليَّة الغربيَّة من الصين لإقناع القبائل هناك بالتضامن معه للقضاء على فتنة داخليَّة.

استغرقت الرحلة 13 عاماً عاد بعدها إلى العاصمة بعد رحلة أسطوريَّة تكبّد خلالها الأسر مرّتين وقطع الجبال الشاهقة وتاه في الصحاري المهلكة عاد من دون تحقيق الغاية العسكريَّة لكنّه حقّق الانفتاح الاقتصاديّ ثمّ عاد مرّة ثانية عام 119 ق.م بقافلة كبيرة ضمّت البضائع المختلفة وبدأت القبائل على جانبي الطريق تُبادل وتشتري وتبيع حتّى نهاية الصين عند مدينة "كشغر" ومن هذه المدينة انطلق التجّار عبر آسية الوسطى إلى كافّة أنحاء العالَم المعروفة آنذاك.

السفر على طرق الحرير

تطوّر السفر عبر طرق الحرير بتطور الطرق نفسها وكانت القوافل التي تجرها الأحصنة أو الجمال في القرون الوسطى هي الوسيلة المعتادة لنقل السلع عن طريق البرّ وأدت خانات القوافل وهي عبارة عن مضافات وأنزال كبيرة مصممة لاستقبال التجار المسافرين دوراً حاسماً في تيسير مرور الأشخاص والسلع على هذه الطرق. وكانت هذه الخانات المنتشرة على طرق الحرير من تركيا إلى الصين توفر فرصة دائمة للتجار لكي يستمتعوا بالطعام وينالوا قسطاً من الراحة ويستعدوا بأمان لمواصلة رحلتهم، ولكي يتبادلوا البضائع ويتاجروا في الأسواق المحلية ويشتروا المنتجات المحلية ويلتقوا بغيرهم من التجار المسافرين أيضاً، مما يتيح لهم تبادل الثقافات واللغات والأفكار.

ومع مرور الوقت، تطورت الطرق التجارية وتنامت أرباحها لتزداد بذلك الحاجة إلى خانات القوافل، تسارعت عملية تشييدها في شتى مناطق آسيا الوسطى بدءاً من القرن العاشر حتى مرحلة متأخرة من القرن التاسع عشر وأدى ذلك إلى ظهور شبكة من خانات القوافل امتدت من الصين إلى شبه القارة الهندية وإيران والقوقاز وتركيا وحتى إلى شمال أفريقيا وروسيا وأوروبا الشرقية ولا يزال العديد من هذه الخانات قائماً حتى يومنا هذا.

وكان كل خان يبعد عن الخان الذي يليه مسيرة يوم واحد، وهي مسافة مثالية هدفها الحيلولة دون أن يضطر التجار (وحمولاتهم الثمينة على وجه التحديد) لأن يبيتوا في العراء عدة أيام أو ليالي ويكونوا عرضة لمخاطر الطريق وأدى ذلك في المتوسط إلى بناء خان كل ٣٠ إلى ٤٠ كيلومتراً في المناطق المخدومة بشكل جيد.

وكان التجار البحارة يواجهون تحديات متعددة أثناء رحلاتهم الطويلة وعزّز تطور تقنية الملاحة ولا سيما المعارف المتعلقة ببناء البواخر من سلامة الرحلات البحرية خلال القرون الوسطى وأنشئت الموانئ على السواحل التي تقطعها هذه المسالك التجارية البحرية، ما وفّر فرصاً حيوية للتجار لبيع حمولاتهم وتفريغها وللتزوّد بالمياه العذبة علما بأن أحد المخاطر الكبرى التي واجهها البحارة في القرون الوسطى هو النقص في مياه الشرب وكانت جميع البواخر التجارية التي تعبر طرق الحرير البحرية معرضة لخطر آخر هو هجوم القراصنة لأن حمولاتها الباهظة الثمن جعلتها أهدافا مرغوبة.

إرث طرق الحرير

في القرن التاسع عشر، تردد نوع جديد من المسافرين على طرق الحرير هم علماء الآثار والجغرافيا، والمستكشفون المتحمسون الراغبون في خوض المغامرات وتوافد هؤلاء الباحثون من فرنسا وإنكلترا وألمانيا وروسيا واليابان وأخذوا يجتازون صحراء تكلماكان في غرب الصين، تحديداً في منطقة تعرف الآن باسم شينجيانغ، قاصدين استكشاف المواقع الأثرية القديمة المنتشرة على طول طرق الحرير، مما أدى إلى اكتشاف العديد من الآثار وإعداد الكثير من الدراسات الأكاديمية والأهم من ذلك أن هذا الأمر أدى إلى إحياء الاهتمام بتاريخ هذه الطرق.

وما زال العديد من المباني والآثار التاريخية قائمة حتى يومنا هذا، راسمة ملامح طرق الحرير عبر خانات القوافل والموانئ والمدن إلا أن الإرث العريق والمستمر لهذه الشبكة المذهلة يظهر في الثقافات واللغات والعادات والأديان العديدة المترابطة رغم اختلافها التي نمت طوال آلاف السنين بمحاذاة هذه الطرق فلم يولّد مرور التجار والمسافرين على اختلاف جنسياتهم تبادلاً تجارياً فحسب وإنما ولّد أيضاً على نطاق واسع عملية تفاعل ثقافي مستمر وعليه، تطورت طرق الحرير بعد أولى رحلاتها الاستكشافية لتغدو قوة دافعة حثت على تكوين شتى المجتمعات القاطنة في المنطقة الأوروبية الآسيوية وأبعد منها.

ماذا ينقل هذا الطريق؟

من الصين إلى العالَم:

1-الحرير: هذا المنتَج المذهل (نعومة، مقاومة، جَمال، خفّة، أناقة، رقيّ) الذي أصبح لباس الأغنياء والملوك فقط. هذا الحرير الذي بقي مصدره سرّاً عن العالَم، فلم يكن أحد يتوقّع أنّه شرنقة لدودة (القزّ) تعيش على أشجار التوت. ولقد سعى الصينيّون وبشكل صارم إلى إخفاء هذا السرّ حتّى رحلة ماركو بولو إلى الصين عام 1275 وافتضاح أمر الحرير. ففي عام 1400 كانت مدينة ليون تنتج الحرير بشكل تجاريّ.

2-الورق: هذا المنتَج الهامّ للتدوين وانتقال الأفكار حين كانت الصين المصدر الوحيد له.

3-البوصلة: الهامّة جدّاً لمعرفة الاتّجاهات وللملاحة البحريَّة.

4-اللبان.

5-السيراميك.

6-الأقمشة المطبوعة.

7-البخور والعطور والتوابل والبهارات: (عبر الطريق الهنديّ).

8-السجّاد.

9-الأحجار الكريمة: من الصين وإليها.

10-بضائع متنوّعة أُخرى...

ماذا كان يعود بطريق الحرير؟

الذهب -الفضّة -الأقمشة المحاكة -المِداليّات -الكتّان -الأحجار الكريمة والأهمّ هو البلّور الذي اخترعه الفينيقيّون، وأصبح مظهر غنى في الصين كما هو حال الحرير في أوروبا.

بشكل عامّ كان طريق الحرير ينقل ما خفّ حمله وغلا ثمنه. فلم نسمع عن نقل أطعمة أو نباتات أو حيوانات (إلاّ الصغيرة والنادرة جداً: القطط السياميَّة، مثلاً).

وأهمّ من البضائع كان طريق الحرير ينقل الأفكار والفنّ والعلوم والطبّ، وأخيراً:

الديانات:

1. البوذيَّة: (وُلد بوذا 560 ق.م). انتقلت من الهند (نيبال، العاصمة كتماندو) من جبال التيبت إلى جنوب شرق آسية وشمالاً باكستان وأفغانستان وشرقاً حتّى اليابان وكوريا.

2. الزردشتيَّة: (وُلد زردشت 600-ق.م) انتشرت في إيران وحاولت المرور شرقاً وغرباً.

3. الكونفوشيَّة: (وُلد كونفوشيوس 525-ق.م) انتشرت في الصين ومنغوليا.

4. المسيحيَّة: خاصّة السريان والنساطرة الذين وصلوا الهند والصين. وما زالت الكنيسة السريانيَّة نشطة هناك.

5. المانويَّة: (وُلد ماني 217-م.) في ماردين ووصل عبر طريق الحرير إلى الهند وأسّس ديانة انتشرت بشكل كبير في الهند وإيران والعراق وسورية ثمّ اندثرت.

6. الإسلام: فجميع المناطق الإسلاميَّة في آسية موجودة على طريق الحرير البرّيّ (كشغر شمال غرب الصين (قصّة قتيبة بن مسلم الباهليّ 711 وإمبراطور الصين) ثمّ كشمير، أفغانستان، باكستان، جمهوريّات آسية الوسطى، وأخيراً، إيران الطريق البحريّ: ماليزيا - أندونيسيا - جزيرة سيريلانكا، ثمّ عمان.

الفنّ والثقافة:

أمثلة كثيرة عن امتزاج الفنون والثقافة عبر طريق الحرير وتبادل التأثير.

- ثمتال بوذا: في بابيان الذي دمّره طالبان رُسم على طريقة الفنّ الهلنستي.

- وُجدت في صحراء تاكلاماكان تماثيل لهرمز وزيوس آلهة اليونان.

- التار: آلة موسيقيَّة صينيَّة مؤلّفة من وتر واحد انتشرت في العالَم وأصبحت "الغيتار".

- كتاب ألف ليلة وليلة: استوحى المكان من مدينة سمرقند.

- ابن بطوطة: ذهب في رحلته على طريق الحرير من الصين (1330م)

- البيرونيّ: ذهب إلى الصين والهند على طريق الحرير 860 م. وجمع معلومات طبّيَّة وثقافيَّة مذهلة.

- كلّ تأثيرات الفنّ والثقافة الهنديَّة والصينيَّة الفارسيَّة وصل إلى العرب عن طريق "طريق الحرير".

3-الطبّ: فكرة العلاج بالأعشاب جاءت من الصين. جمع البيرونيّ أنواعاً مختلفة من الأعشاب في أثناء زيارته إلى الصين والهند.

4-السلام: كان هناك ما يشبه العرف في المحافظة على طريق الحرير، مهما كانت الظروف إلاّ في حالة الحرب الكُبرى (التجّار أقوى دائماً من السياسيّين).

دروب الحوار

لعل الإرث الأكثر دواما الذي تركته طرق الحرير هو دورها في تلاقي الثقافات والشعوب وتيسير المبادلات بينها فقد اضطر التجار على أرض الواقع إلى تعلم لغات وتقاليد البلدان التي سافروا عبرها كي ينجحوا في عقد مفاوضاتهم فكان التفاعل الثقافي جانباً حاسماً من المبادلات المادية كما تجرأ العديد من المسافرين على سلك هذه الطرق للدخول في عملية التبادل الفكري والثقافي التي كانت عامرة في المدن الممتدة على طول هذه الطرق.

وشهدت هذه الطرق تبادلاً للمعارف العلمية والفنية والأدبية فضلاً عن الحرف اليدوية والأدوات التقنية، فما لبثت أن ازدهرت اللغات والأديان والثقافات وتمازجت ومن أبرز الإنجازات التقنية التي خرجت من طرق الحرير إلى العالم تقنية صناعة الورق وتطوّر تقنية الصحافة المطبوعة كما تتصف أنظمة الري المنتشرة في آسيا الوسطى بخصائص عُممت بفضل المسافرين الذين لم يحملوا معارفهم الثقافية فحسب وإنما تشرّبوا معارف المجتمعات التي نزلوا فيها أيضاً.

فالرجل الذي ينسب إليه عادة فضل إقامة طرق الحرير، الجنرال زانغ كيان الذي فتح الطريق الأولى بين الصين والغرب في القرن الثاني قبل الميلاد، كان في الحقيقة في بعثة ديبلوماسية أكثر منها تجارية فقد أرسل الإمبراطور ودي من سلالة الهان عام ١٣٩ قبل الميلاد زانغ كيان إلى الغرب لعقد تحالفات ضد شعوب غيونغنو وهم الأعداء التاريخيون للصينيين، ولكنهم قبضوا عليه وسجنوه وأفلح في الهروب بعد ثلاث عشرة سنة وتمكّن من العودة إلى الصين.

وأُعجب الإمبراطور بكثرة التفاصيل التي قدمها وبدقة تقاريره، فأرسله في بعثة أخرى عام ١١٩ قبل الميلاد لزيارة عدة شعوب مجاورة للصين، وهكذا شقّ زانغ كيان أولى الطرق الممتدة من الصين حتى آسيا الوسطى وكان الدين وطلب العلم والمعرفة من الدوافع الأخرى للسفر على هذه الطرق واعتاد كهنة الصين البوذيون على السفر للحج إلى الهند لجلب نصوص مقدسة، ويمثل ما دوّنوه من مذكّرات عن رحلاتهم مصدراً مذهلاً للمعلومات.

ولا تتمتع مذكرات شوان زانغ (وتمتد مذكراته على ٢٥ سنة من عام ٦٢٩ ميلادي إلى عام ٦٥٤ ميلادي) بقيمة تاريخية هائلة فحسب وإنما استوحت منها روايةٌ هزلية من القرن السادس عشر بعنوان "الحج إلى الغرب" أحداثَها، وأصبحت هذه الرواية إحدى أعظم الروايات الصينية الكلاسيكية وقصد الكهنة الأوروبيون في القرون الوسطى الشرقَ في بعثات دبلوماسية ودينية، وبخاصة جيوفاني دا بيان دل كاربيني المرسل من البابا إينوشنسيوس الرابع في بعثة إلى بلاد المغول من عام ١٢٤٥ حتى عام ١٢٤٧، ووليام أف روبروك وهو كاهن فلمنكي من الفرنسيسكان أرسله الملك الفرنسي لويس التاسع للاتصال بقبائل المغول بين عامي ١٢٥٣ و١٢٥٥.

ولعل المستكشف البندقي ماركو بولوا هو أوسعهم شهرة وقد أمضى بين عامي ١٢٧١ و١٢٩٢ أكثر من ٢٠ سنة في الترحال وأضحى سرده للتجارب التي خاضها شائعاً جداً في أوروبا بعد وفاته وأدت الطرق كذلك دورا أساسياً في نشر الأديان في المنطقة الأوروبية الآسيوية وتعدّ البوذية خير مثال على هذه الأديان التي ارتحلت على طرق الحرير إذ عُثر على قطع فنية ومزارات بوذية في مواقع بعيدة عن بعضها مثل باميان في أفغانستان وجبل وتاي في الصين وبوروبودور في إندونيسيا.

وانتشر الدين المسيحي والإسلام والهندوسية والزرادشتية والمانوية بالطريقة ذاتها فقد تشرّب المسافرون الثقافات التي صادفوها وعادوا بها إلى مواطنهم ودخلت مثلاً الهندوسية ومن ثم الإسلام إلى إندونيسيا وماليزيا عن طريق تجار طرق الحرير الذي ساروا في المسالك التجارية البحرية للهند وشبه الجزيرة العربية.

طريق الحرير الجديد

على مدى السنوات القليلة القادمة، سوف تكرّس الصين موارد كثيرة لبناء طرق التجارة الآسيوية وبما أن نقاط العبور تأتي عبر الإنترنت، فإن نسبة التجارة البحرية الصينية التي تمر عبر نقاط التفتيش في جنوب بحر الصين تقل، حسب توقعات مركز "ستراتفور".

وجاء في تقرير الشركة الاستخباراتية "ستراتفور"، أن اقتصاد الصين يعتمد على التجارة الخارجية، و90% من البضائع الصينية تدخل عن طريق البحر كما أكد التقرير أن هذا يجعل من السهل نسبيا للعدو تعطيل تجارة الصين، ليفرض عليها حصاراً اقتصادياً لذلك، فإن مشروع "حزام بكين ومبادرة الطريق" يهدف إلى "التخفيف من خطر الاعتراض البحري" من خلال بناء نقاط العبور على البر، بحيث تكون أكثر آمناً (من البحر).

من جانبه، شدد الأكاديمي والمحلل الجغرافي الاستراتيجي الماليزي ماثيو مافاك، أن بكين بحاجة إلى إعادة توجيه الطرق البرية من خلال "مناطق آمنة"، وتجنب المناطق المحاصرة في آسيا الوسطى والشرق الأوسط ومنطقة القوقاز وعند حديثه مع وكالة "سبوتنيك"، أكد المحلل الماليزي أن "الطرق التجارية الأكثر أماناً في المستقبل القريب ستشبه طريقاً مثل "الصين-منغوليا-روسيا، الممر الاقتصادي".

يعتقد بافل رودكين، أستاذ مشارك في الجامعة الوطنية للبحوث والدراسات العليا للاقتصاد وعضو في نادي "زيونوف بوكالة "روسيا سيغودنيا"، يعتقد أيضاً أن الصراع الاقتصادي المحتمل بين الصين والولايات المتحدة سيقضي على توازن القوى القائم في العالم "الانتقال إلى نموذج جديد للعلاقات بين الولايات المتحدة والصين أصبحت الفكرة المهيمنة في موضوع رئاسة دونالد ترامب".

وفقا للأكاديمي الروسي، اليوم، تقدم الصين نفسها كبديل عملي لـ "الرأسمالية الغربية الليبرالية الجديدة" ومع ذلك، "يفترض أن تجد روسيا نفسها في مفترق طرق "أميركا تريد حقا استخدام روسيا في حربها ضد الصين، وأعتقد أن الولايات المتحدة سوف تبذل محاولات لتحريض روسيا والصين ضد بعضها البعض والتي يمكن أن تجعل روسيا لقمة سائغة في كشف جديدة لعبة قوة عظمى".

مبادرة الحزام والطريق

ثمة أسماء كثيرة لمشروع الصين هذا الرامي لوصل آسيا بأوروبا عبر قلب طريق الحرير، منها "مبادرة الحزام والطريق"، والفكرة تقوم على تسهيل التجارة مع 65 بلداً تمثل 60% من سكان العالم فالصين تعاني من زيادة في الاستطاعة لديها في العديد من مجالاتها وقطاعاتها الهامة من الحديد الصلب وحتى الإسمنت، ولهذا تبحث عن أسواق جديدة للحفاظ على نمو اقتصادها نمواً سريعاً متوازناً.

يقول سيميون دجانكوف، وزير المالية البلغاري السابق المسؤول في البنك الدولي "إن ما تفعله الصين الآن هو تصدير عمالتها ومعدات بنائها" وحتى اللحظة خصصت البنوك الحكومية الصينية مبلغ 250 مليار دولار نفقات للنقل والبناء والبنى التحتية للمشروع وعندما يتكامل المشروع وينضج فإن حجم استثمارات مشروع "حزام واحد، طريق واحد" سيبلغ 4 تريليونات دولار، حسب تقرير أعده معهد بيترسون للاقتصاد العالمي.

ولو وضعنا موضوع المال وأرباحه جانباً، نجد أن المشروع نعمة كبيرة لسياسة الصين الخارجية يقول فرانس بول فان دير بوتين، الخبير في العلاقات الأوروبية الصينية بالمعهد الهولندي للعلاقات الدولية "إن "طريق الحرير الجديد" يدمج العديد من أهداف السياسة الخارجية لدى الصين"، فالاستثمارات الصينية في مشاريع الطاقة والسكك الحديدية ومرافق الموانئ في أوروبا وعلى حواف سواحل المحيط الهندي قد تدر على الصين أرباحاً جيوسياسية أكبر من العائدات الاقتصادية.

يتابع فان دير بوتين القول: "إنه يمكّن الصين من تقوية نفوذها الدبلوماسي في آسيا وإفريقيا وأوروبا، ما يعوّضها عن الضغط الجيوسياسي الذي تواجهه في شرق آسيا من الولايات المتحدة واليابان" وقد يتخذ المشروع أهمية أكبر للصين التي مازالت تعتمد على الصادرات رغم سنين من محاولات إعادة التوازن لاقتصادها بتوجيهه أكثر نحو الاستهلاك الداخلي، والسبب هو التوتر الذي يلوح في الأفق مع الولايات المتحدة الأميركية؛ فترامب يعبر بعلو الصوت عن انتقاده لاتفاقيات التجارة الحرة، كما أنه أحاط نفسه ببطانة من خبراء الاقتصاد لاذعي الانتقاد للصين ومستشاري التجارة الذين يصبون اللوم على بكين في كل علة من علل الاقتصاد الأميركي.

هذا بدوره يقلق قادة الصين، إذا أن حجم التجارة المتبادلة بين الصين وأميركا بلغ عام 2015 حوالي 659.4 مليار دولار حسب الممثل التجاري الأميركي هناك فإن ضربت هذه العلاقة التجارية الضخمة أيّ نازلة مثل تعرفة جمركية أكبر أو حروب قيمة العملة أو ما شابه، فإن طريق الحرير الجديد إلى أوروبا سيكون طوق نجاة الصين يقول دجانكوف "إن تبنت الإدارة المقبلة موقفاً متشدداً في التجارة" فإن الصين تستطيع استغلال البنية التحتية التي بدأت في بنائها "لكي تقول أن أوروبا باتت الآن شريكنا التجاري الرئيس".

طريق الحرير الجديد هل يحقق قطار الصين طموحها السياسي في مواجهة ترامب؟

أضحى لقطار الصين المسمى "طريق الحرير الجديد" طريقٌ جديد براق يحمل البضائع المشحونة من محافظة جيجانغ شرق الصين حتى لندن فقد أعلنت شركة السكك الحديدية الصينية، يوم الاثنين 2 يناير/كانون الثاني 2017، عن انطلاق أولى رحلات هذا القطار من مدينة ييوو الواقعة قرب شنغهاي التي يقطنها مليون نسمة هي خطوة لوجستية باهرة بالفعل، فهي تصل 7500 ميل من السكك الحديدية حتى أعتاب أكبر عواصم أوروبا في رحلة تستغرق 16 يوماً.

الأهم من ذلك، وحسب تقرير لمجلة Foreign Policy الأميركية، هو أن خط ييوو-لندن هذا يرسي بكل وضوح طموحات الصين الجيوسياسية تتضمنها سياسة "حزام واحد، طريق واحد" التي تهدف لإعادة بناء طريق تجارة الحرير الذي كان يصل الصين بآسيا الوسطى والشرق الأوسط وأوروبا.

مشروعٌ طموحٌ كان حتى وقت سابق مخططاً أميركياً لإعادة الأمن لوسط آسيا، لكن مشروع "طريق الحرير الجديد" هذا قد يكتسب المزيد من الأهمية إن تدهورت العلاقات التجارية الأميركية-الصينية مثلما أشارت إليه التحركات والإيماءات والمواقف العدوانية المبكرة التي اتخذها الرئيس المنتخب دونالد ترامب وفريق إدارته.

لا يزال الحل الاقتصادي الأكفأ

هذا وتسيّر السكك الحديدية الصينية قطارات الشحن إلى مدن أوروبية أخرى من هامبورغ في ألمانيا إلى ميلان ومدريد، إلا أن الشحن بالقطار ليس أفضل ولا أكفأ طرق الشحن للحمولات الكبرى، فقطار ييوو لندن لا يسعه جر سوى 200 مقطورة، وهو لا شيء مقارنة بالـ20 ألف مقطورة التي بوسع سفينة شحن ضخمة تحميلها، لكن مع ذلك يظل هذا القطار حلاً اقتصادياً كفؤاً لبعض البضائع.

يقول مايك وايت من مشروع شحن برونيل Brunel Project Cargo الذي هو شركة خدمات الشحن البريطانية المتعاقدة مع خط قطار ييوو-لندن إن شحنة قطار إلى لندن تستغرق نصف الزمن الذي تستغرقه الطرق البحرية، فيما تكلف نصف تكلفة الشحن الجوي "ونرى أن هذا سيغير الطريقة التي ينظر بها كثير من الشاحنين إلى صادراتهم ووارداتهم من وإلى الصين".

وفوق كل ذلك فإن هذا المشروع محطة هامة لا تخلو من دلالة رمزية، يقول دجانكوف "من أول ما تشكلت مبادرة "حزام واحد طريق واحد" عام 2011 كانت تلك هي الخطة الوصول إلى قلب أوروبا حتى لندن" إن بريطانيا وحدها التي من أكبر اقتصادات العالم وذات حجم الواردات البالغ 663 مليار دولار في عام 2014 فقط تعد عجلاً سميناً وفوزاً ثميناً يظفر به اقتصاد الصين القائم على الصادرات.

ففي السنوات الأخيرة زادت الصين من استثماراتها في قطاعي الصناعة والطاقة البريطانيين، ولقيت حتى الآن كل الترحيب والمعاملة المرحبة من طرف القادة البريطانيين الذين فردوا السجادة الحمراء للصين طمعاً بالولوج إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم والآن بعد خروجها من أوروبا وترائي شبح خسارة امتيازاتها التجارية مع أوروبا يلوح في الأفق، ستزداد لهفة بريطانيا أكثر كي تعمق من علاقاتها التجارية مع بكين.

إن مشروع "حزام واحد، طريق واحد" ليس محوره السكك الحديدية وحسب، بل إن كلمة "حزام" في اسمه تشير إلى سبل الاتصال البرية التي تضم الطرق وأنابيب الغاز العابرة لوسط آسيا، أما كلمة "طريق" فتدل على طريق حرير بحري يعيد إحياء طرق التجارة القديمة عبر المحيط الهندي التي كانت تستجلب الحرير الصيني إلى الأسواق الرومانية.

لكن الرئيس الصيني زي جينبينغ جعل من استثمار السكك الحديدية أولوية كبرى، حيث تقول "بلومبيرغ الاقتصادية" إن المشروع ضخ 503 مليارات دولار في سبيل توسيع كل نظام سكك الحديد الوطنية مع حلول عام 2020 بغية الوصول إلى أسواق صادراته الجديدة يقول دجانكوف "إن السكك الحديدية أهم عناصر طريق الحرير الجديد".

أما على الطرف الآخر حيث تسلّم البضاعة وإفراغ الحمولة فهناك ترقب وتلهف وشعور شديد بالإثارة إزاء ما قد يحمله ويقدمه القطار الجديد من خدمات، خاصة في زوايا أوروبا التي مازالت تعاني وطأة اقتصادية ثقيلة وتحتاج لاستثمارات سخية في النقل والطاقة وغيرها وختم فان دير بوتين بالقول "أشد المستجيبين المتحمسين حتى الآن هم الحكومات الإقليمية في أوروبا والشركات الأوروبية"، نظراً للأموال النقدية التي سيجنونها من خدمات السكك الحديدية الصينية الجديدة.

من شانغهاي إلى لندن كيف أحيت الصين طريق الحرير؟

طريق الحرير الجديد، الذي أطلقته الصين، اكتسب للتو وجهًا جديدًا جذابًا، وهو خدمة قطارات شحن تنطلق من إقليم تشانغ شرق الصين إلى لندن أعلنت شركة القطارات الصينية، عن انطلاق أول قطار من يوو، وهي مدينة قريبة من شانغهاي إلى لندن، وهي خطوة لوجيستية مبهرة، يقطع فيها القطار مسافة 7500 ميل من السكك الحديدية لتصل لأكبر عاصمة أوروبية في ستة عشر يومًا.

تُشير مجلة فورين بوليسي في تقريرها، الذي نشرته بهذا الخصوص، أن الأمر الأهم أن خط يوو-لندن يُعبِّر عن الطموحات الجيوسياسية الصينية تحت اسم "حزام واحد، طريق واحد"، التي تهدف لإعادة إنشاء طريق الحرير التجاري القديم، الذي ربط الصين بوسط آسيا والشرق الأوسط وأوروبا كان بإمكان هذا الطريق أن يحتوي على قيمة استراتيجية أعلى وفقًا لسعي الولايات المتحدة لإحلال الأمن في منطقة وسط آسيا، إذا استمرت العلاقات التجارية الأمريكية الصينية في التوجه نحو الجنوب.

بحسب المجلة، اتخذت استراتيجية الصين، التي تهدف لربط أوروبا بآسيا على مسار طريق الحرير القديم، عدة أسماء منها "مبادرة الحزام والطريق"، التي تهدف لتسهيل التجارة بين 65 دولة، تُمثِّل أكثر من 60% من سكان العالم الصين، التي تعاني من فائض في قطاعات مهمة مثل الحديد والأسمنت، تحاول إيجاد أسواق جديدة لتضمن استمرار تصاعد معدلات النمو.

بحسب سيميون يانكوف، وزير مالية بلغاريا الأسبق والمسؤول في البنك الدولي، فإن ما تفعله الصين بعبارة مختصرة هو "تصدير العمالة ومعدات البناء الخاصة بها" بحسب التقرير.

خصصت البنوك التابعة للدولة الصينية حتى الآن ما يقارب الـ250 مليار دولار لنقل وبناء البنية التحتية الخاصة بهذا المشروع وفقًا لتقرير أورده معهد بيترسون للاقتصاد الدولي فإن الاستثمارات في مشروع "حزام واحد، طريق واحد" قد تبلغ ما يقارب الـ4 تريليون دولار بعيدًا عن الناحية المالية، ترى المجلة أن مشروع "طريق الحرير الجديد" يحمل الكثير من المنافع السياسية للصين، إذ يُحقق المشروع حزمة من الأهداف للسياسة الخارجية الصينية، كما يشير فرانس باول فاندربوتين، الخبير في العلاقات الصينية الأوروبية في المعهد الهولندي للعلاقات الدولية.

استثمارات الصين في البنية التحتية والموانئ البرية والسكك الحديدية في أوروبا والدول المُطِلة على المحيط الهندي ستجلب لها نفوذًا جيوسياسيًا أكبر من العوائد الاقتصادية يُضيف فاندربوتن أن هذه الاستثمارات ستُقوِّي النفوذ الدبلوماسي للصين في آسيا وإفريقيا وأوروبا، وستساعد على احتواء الضغوط الجيوسياسية التي تواجهها في شرق آسيا من قِبل الولايات المتحدة واليابان.

الصين وعولمة طريق الحرير

أثارت أنباء تخفيض قيمة "اليوان" الصيني، انتباه كثيرين في أنحاء العالم لأنه مؤشر أولي إلى انخفاض معدل نمو الناتج القومي ولكن على رغم عدم صلتي بالمسائل الاقتصادية الفنية، فقد اندهشت أيضاً من زاوية أخرى في الأخبار، هي الإعلان المتكرر لأجهزة الإعلام الصينية عن الأبعاد "العالمية" لـ"الحزام الاقتصادي لطريق الحرير وجناحه البحري"، الذي يجري الحديث حول بلوغ مخصصاته للتنمية 2,5 تريليون دولار.

وفق تصريح للرئيس الصيني مؤخراً والحديث عن هذا المشروع الذي تطوق به الصين العالم كله شمالاً وجنوباً استمر طوال العامين الأخيرين، مرة بسبب الهجوم الاقتصادي بالمشروع في وسط آسيا، وأخرى عن طريق السكك الحديدية في شمال أوروبا، مروراً بالمجر وحتى شبه جزيرة أيبيريا، وثالثة عن المرور بإيران حتى غرب آسيا، ورابعة عن الوصول للخليج، والقرن الأفريقي عبر البحار والمحيطات، للوصول ثانية إلى المتوسط وجنوب أوروبا وليس ذلك كله من باب أضغاث الأحلام، ولكن ثمة اتفاقيات وقعت مع حوالي خمسين دولة، واتفاقاً على مشاريع الترتيبات وصل إلى أكثر من 160 مليار دولار.

الاقتصاد سياسة روسيا بوصلة طريق الحرير

إن نهج الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب المتبع في العلاقات بين الولايات المتحدة والصين سيدفع ببكين إلى التركيز على استراتيجية طريق الحرير الجديد، حسب قول نيكولاي فافيلوف، خبير في لجنة العلاقات الخارجية في سانت بطرسبرغ إن المواجهة الاقتصادية الصينية الأمريكية المحتملة تحت حكم الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب، قد يدفع الصين لجعل طريق الحرير الجديد الأساس في استراتيجية الصين الاقتصادية، ومن المرجح أن يصبح لروسيا الدور الريادي في قيادة "مشروع بكين"، حسب رأي الخبير الروسي في الشؤون الصينية نيكولاي فافيلوف.

وقال الخبير خلال مؤتمر صحفي عقد مؤخراً حول نماذج التعاون والمواجهة في روستوف نا دونو "في ظل حكم القوى الانعزالية في الإدارة الأمريكية، التي جلبت إلى السلطة الجديدة (الرئيس المنتخب) دونالد ترامب، فإن العلاقات الصينية الأمريكية سوف تضعف، وستتجه الصين إلى أوراسيا، بل وستجعل طريق الحرير الجديد (مبادرة) جوهراً لها وبديلاً صالحاً للتعاون (مع روسيا)".

قطار طريق الحرير

ولفت فافيلوف الانتباه إلى أن احتمال إنشاء طرق نقل بديلة في القوقاز التي لا يزال أمرها مبهماً على سبيل المثال، فقد أثار نزاع قره باغ الجبلي بين أرمينيا وأذربيجان إلى الشك في كفاءة السكة الحديدية باكو-تبليسي-كارس، والتي هدفت لإكمال طريق النقل الذي يربط أذربيجان بتركيا واعتبرت بكين السكك الحديدية كجزء من طريق الحرير الذي يؤدي إلى أوروبا.

"هذه الشروط يمكن أن تمهد الطريق لإنشاء منصات صينية روسية صناعية ولوجستية مشتركة في القطاع الروسي في منطقة بحر قزوين والبحر الأسود، والتي كما يُعتقد أنها نقطة عبور الأكثر أماناً في أوروبا وآسيا" ووفقا للخبير، فإن مثل هذه التطورات من شأنها أن تعزز التعاون الاستراتيجي بين الصين وروسيا في (منطقة) أوراسيا وتسريع عمليات التكامل الاقتصادي والسياسي في القارة.

وفي الوقت ذاته، يعتقد فافيلوف "أن واشنطن ستواصل ممارسة مزيداً من الضغوطات على الصين على طول الممرات البحرية التقليدية في مضيق تايوان، وبحر الصين الجنوبي والمحيط الهندي ومن شأن ذلك أن يدفع الصين لزيادة التركيز على تطوير الطرق البرية وجعلها آمنة من خلال القارة الأوراسية" وبالعودة إلى عام 2015، قامت شركة التنبؤات الاستراتيجية الاستخباراتية "ستراتفور" (Stratfor)، كانت قد ألمحت إلى إمكانية حدوث مثل هذا السيناريو.

إنتاج وتجارة الحرير

الحرير عبارة عن نسيج جاء قديماً من الصين موطنه الأصلي، ويتكوّن من ألياف بروتينية تنتجها دودة القز عندما تقوم بغزل شرنقتها، وقد بدأت صناعة الحرير بحسب المعتقدات الصينية عام ٢٧٠٠ قبل الميلاد تقريبا وكان الحرير يعدّ من المنتوجات النفيسة جدا فانفرد بلاط الإمبراطورية الصينية باستخدامه لصنع الأقمشة والستائر والرايات وغيرها من المنسوجات القيّمة وبقيت تفاصيل إنتاجه سرا حفظته الصين بشدة طيلة ٣٠٠٠ سنة تقريبا بفضل مراسيم إمبريالية قضت بإعدام كل من يتجرأ على إفشاء سرّ إنتاج الحرير لشخص غريب.

وتحوي قبور مقاطعة هوبي، العائدة إلى القرنين الرابع والثالث قبل الميلاد، نماذج فاتنة لهذه المنسوجات الحريرية ومن بينها الأقمشة المزخرفة والشاشات والحرير المطرّز وأولى الألبسة الحريرية بجميع أشكالها إلا أن احتكار الصين لإنتاج الحرير لا يعني أن هذا المنتوج انحصر في الإمبراطورية الصينية دون منازع فعلى العكس من ذلك، استُخدم الحرير هديةً في العلاقات الدبلوماسية وبلغت تجارته شأناً كبيراً بدءاً بالمناطق المتاخمة للصين مباشرة ووصولاً إلى المناطق المتنائية، بحيث بات الحرير إحدى الصادرات الرئيسية للصين في عهد سلالة الهان (سنة ٢٠٦ ق.م.- سنة ٢٢٠ ميلادي).

وقد عُثر بالفعل على أقمشة صينية من هذه الحقبة في مصر وشمال منغوليا ومواقع أخرى من العالم وفي وقت ما من القرن الأول قبل الميلاد، دخل الحرير إلى الإمبراطورية الرومانية حيث اعتُبر سلعة فاخرة تغري بغرابتها وعرف رواجاً هائلاً وصدرت مراسيم إمبريالية لضبط سعره وبقي يلاقي إقبالاً شديداً طوال القرون الوسطى حتى إن قوانين بيزنطية سُنت لتحديد تفاصيل حياكة الألبسة الحريرية وهذا خير دليل على أهميته إذ كان يعدّ نسيجاً ملكياً خالصاً ومصدراً هاماً للمداخيل بالنسبة إلى السلطة الملكية.

وفضلاً عن ذلك، كانت الكنيسة البيزنطية تحتاج إلى أعداد ضخمة من الملبوسات والستائر الحريرية ومن هنا، مثّلت هذه السلعة الفاخرة أحد المحفزات الأولى لفتح المسالك التجارية بين أوروبا والشرق الأقصى وكان الإلمام بطريقة إنتاج الحرير أمراً بالغ الأهمية وعلى الرغم من سعي الإمبراطور الصيني إلى الاحتفاظ جيداً بهذا السر تجاوزت صناعة الحرير في النهاية حدود الصين لتنتقل إلى الهند واليابان أولاً ثم الإمبراطورية الفارسية وأخيراً الغرب في القرن السادس ميلادي.

وقال المؤرخ بروكوبيوس في وصف هذه الظاهرة في القرن السادس ما يلي: قدِم بعض الكهنة من الهند في الفترة ذاتها تقريباً [نحو سنة ٥٥٠]؛ وبعد أن أقنعوا جستنيان أغسطس بأن على الرومان الامتناع عن شراء الحرير من الفرس، وعدوا الإمبراطور أثناء مقابلتهم له بمده بالمواد اللازمة لصنع الحرير وكان لهذا أن يغني الرومان عن إقامة علاقات تجارية في هذا المجال مع أعدائهم الفرس أو مع أي كان من الأقوام الأخرى.

وقالوا إنهم عاشوا فيما مضى في سريندا وهي بحسب أقوالهم المنطقة التي يقطنها سكان جزر الهند وقد تعلموا فيها فن إنتاج الحرير على أكمل وجه ورداً على الأسئلة التي انهمرت على الكهنة من الإمبراطور بشأن حصوله على السر، أوضحوا أن بعض الدود يصنع الحرير فقد أرغمتها الطبيعة نفسها على العمل دون انقطاع؛ وأضافوا أنه يتعذر بالتأكيد جلب الديدان حية إلى هناك، إلا أن تربيتها عملية سهلة تخلو من الصعاب؛ وأن عدد البيوض التي تفقس لا يعد ولا يحصى؛ وأن على الإنسان أن يقوم فور وضع البيوض بتغطيتها بالروث ويحرص على بقائها في مكان دافئ لأطول فترة ممكنة لأن هذا الأمر ضروري لإنتاج الحشرات.

وما لبثوا أن زفّوا هذه الأخبار السارة إلى الإمبراطور مستجيبين لوعوده السخية وقفلوا عائدين إلى الهند وعندما حملوا البيض إلى بيزنطة تمكّنوا بالطريقة التي تعلّموها والتي سبق أن رويتُها من تحويلها إلى ديدان تتغذى على أوراق التوت وهكذا بدأ فن صناعة الحرير في الإمبراطورية الرومانية ما بعد الحرير تعدد الدروب وتنوع البضائع مع أن تجارة الحرير مثلت أحد الدوافع الأولى لإقامة الطرق التجارية عبر آسيا الوسطى، لم يشكل الحرير سوى واحد من المنتوجات العديدة التي كانت تُنقل بين الشرق والغرب ومنها الأنسجة والتوابل والبذور والخضار والفواكه وجلود الحيوانات والأدوات والمشغولات الخشبية والمعدنية والقطع الدينية والفنية والأحجار الكريمة وغيرها الكثير.

وازداد الإقبال على طرق الحرير وتوافد المسافرين عليها طوال القرون الوسطى، وقد بقيت تُستخدم حتى القرن التاسع عشر مما يشهد ليس على جدواها فحسب وإنما على لدانتها وتكيفها مع متطلبات المجتمع المتغيرة أيضاً كما لم تقتصر هذه الدروب التجارية على خط واحد فكان أمام التجار خيارات عديدة من الطرق المختلفة المتوغلة في مناطق متعددة من أوروبا الشرقية والشرق الأوسط وآسيا الوسطى والشرق الأقصى، ناهيك عن الطرق البحرية حيث كانت تُنقل البضائع من الصين وجنوب شرقي آسيا عن طريق البحر الهندي باتجاه أفريقيا والهند والشرق الأدنى.

وتطوّرت هذه الطرق مع الزمن ومع تبدّل السياقات الجغرافية السياسية عبر التاريخ فحاول تجار الإمبراطورية الرومانية مثلا تجنب عبور أراضي البارثيين أعداء روما وسلكوا بالتالي الطرق المتجهة نحو الشمال عبر منطقة القوقاز وبحر قزوين وكذلك، شهدت شبكة الأنهار التي تجتاز سهوب آسيا الوسطى حركة تجارية مكثفة في بداية القرون الوسطى، إلا أن مستوى مياهها كان يرتفع ثم يهبط وأحيانا ًكانت المياه تجف كلياً فتتبدل الطرق التجارية بناء على ذلك.

وشكلت التجارة البحرية فرعا آخر اكتسى أهمية بالغة في هذه الشبكة التجارية العالمية وبما أن الطرق البحرية اشتهرت خاصة بنقل التوابل، عُرفت أيضاً باسم طرق التوابل، فقد زَوّدت أسواق العالم أجمع بالقرفة والبهار والزنجبيل والقرنفل وجوز الطيب القادمة كلها من جزر الملوك في إندونيسيا (المعروفة أيضا باسم جزر التوابل)، وبطائفة كبيرة من السلع الأخرى فالمنسوجات والمشغولات الخشبية والأحجار الكريمة والمشغولات المعدنية والبخور وخشب البناء والزعفران منتوجات كان يبيعها التجار المسافرون على هذه الطرق الممتدة على أكثر من ١٥٠٠٠ كيلومتر، ابتداء من الساحل الغربي لليابان مروراً بالساحل الصيني نحو جنوب شرقي آسيا فالهند وصولاً إلى الشرق الأوسط ثم إلى البحر المتوسط.

ويتوغل تاريخ هذه الطرق البحرية في العلاقات التي قامت قبل آلاف السنين بين شبه الجزيرة العربية وبلاد ما بين النهرين وحضارة وادي الهندوس وتوسّعت هذه الشبكة في مطلع القرون الوسطى إذ شقّ بحارة شبه الجزيرة العربية مسالك تجارية جديدة عبر بحر العرب وداخل المحيط الهندي فقد ارتبطت في واقع الأمر شبه الجزيرة العربية والصين بعلاقات تجارية بحرية منذ القرن الثامن ميلادي وتيسّر مع الوقت ركوب البحر لمسافات طويلة بفضل الإنجازات التقنية التي تحققت في علم الملاحة والعلوم الفلكية وتقنيات بناء البواخر مجتمعةً.

ونمت مدن ساحلية مفعمة بالحياة حول الموانئ المحاذية لهذه الطرق التي كانت تستقطب أعداداً غفيرة من الزوار على غرار زنزبار والإسكندرية ومسقط وغوا، وأضحت هذه المدن مراكز غنية لتبادل السلع والأفكار واللغات والمعتقدات مع الأسواق الكبرى وجموع التجار والبحارة الذين كانوا يتبدلون باستمرار.

وفي أواخر القرن الخامس عشر، أبحر المستكشف البرتغالي، فاسكو دا جاما، ملتفاً حول رأس الرجاء الصالح فكان أول من وصل البحارة الأوروبيين بالطرق البحرية المارة من جنوب شرق آسيا فاسحاً المجال لدخول الأوروبيين مباشرة في هذه التجارة وبحلول القرنين السادس عشر والسابع عشر باتت هذه الطرق والتجارة المربحة التي تمر بها موضع تنافس شرس بين البرتغاليين والهولنديين والبريطانيين.

فكان الاستيلاء على موانئ الطرق البحرية يوفّر الغنى والأمان على حد سواء لأن هذه الموانئ كانت في الواقع تهيمن على ممرات التجارة البحرية وتتيح أيضاً للسلطات التي تبسط نفوذها عليها إعلان احتكارها لهذه السلعة الغريبة التي يكثر الطلب عليها وجباية الضرائب المرتفعة المفروضة على المراكب التجارية.

وتصوّر الخارطة أعلاه التنوع الهائل للطرق المتاحة للتجار الذين كانوا يسافرون محملين بمختلف أصناف البضائع ويأتون براً أو بحراً من شتى بقاع الأرض واعتادت فرادى القوافل التجارية في غالب الأحيان على قطع مسافة معينة من الطريق ثم التوقف لنيل قسط من الراحة والتزوّد بالمؤن أو حط الرحال وبيع حمولاتها في مواقع منتشرة على طول الطرق، وقد أفضى ذلك إلى نشأة مدن وموانئ تجارية ترشح بالحياة.

واتسمت طرق الحرير بالحيوية وتخللتها المنافذ والمداخل فكانت تباع البضائع للسكان المحليين القاطنين على طولها واعتاد التجار على إضافة المنتوجات المحلية إلى حمولاتهم ولم تكتف هذه العملية بإثراء الأرباح المادية للتجار وتنوّع أصناف بضائعهم وإنما أتاحت أيضاً تبادل الثقافات واللغات والأفكار على امتداد طرق الحرير.

مركز النبأ الوثائقي يقدم الخدمات الوثائقية والمعلوماتية
للاشتراك والاتصال annabaa010@gmail.com
او عبر صفحتنا في الفيسبوك (مركز النبأ لوثائقي)

...........................................
المصادر
- Sputnik Arabic
- ويكبيديا الموسوعة الحرة
- موقع الاسواق العربية
- اليونسكو
- موقع القديسة تيريزا
- هافيغتون بوست
- الكشك
- الاتحاد

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
0