وسائل التواصل الاجتماعي، وثقافة التطلع والطموح، وتمركز الطبقة المهنية في حفنة من المدن الباهظة التكلفة، جعلت الطبقة المتوسطة تقارن نفسها باستمرار بمن هم أفضل حالاً بكثير. إن الإنفاق في القمة يعيد تحديد النقطة المرجعية لمن هم أدنى منها مباشرة، ثم لمن هم أدنى منهم، ويتوالى هذا الشلال عبر توزيع...
في مقال نشرته صحيفة وول ستريت جورنال للكاتب رولاند فراير، سلط الضوء على مفارقة اقتصادية ومعيشية تلمس الكثيرين: لماذا تشعر الطبقة المتوسطة بالضيق المالي الحاد رغم أن دخلها الحقيقي أعلى مما كان عليه قبل 50 عاماً؟
يوضح فراير أن هذا العبء ليس وهماً سياسياً بل واقعاً هيكلياً يُعرف بـ "مرض بومول للتكاليف"؛ حيث التهمت الارتفاعات الجنونية في أسعار الخدمات الأساسية التي لا يمكن أتمتتها -كالسكن، والتأمين الطبي، ورعاية الأطفال- كل مكاسب الدخل الإضافية تقريباً. ويخلص إلى أننا نعيش في عالم أفضل وأكثر أماناً وتطوراً من عالم السبعينيات، إلا أن ظاهرة النفسية تُدعى "التكيف اللّذي" جعلتنا نأخذ هذه النعم كمسلمات، فلا نكاد نلاحظها وسط ركام الفواتير الثابتة التي تبتلع الهامش المرن لرواتبنا.
فقد نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" مؤخراً ملفاً تعريفياً عن عائلة مكونة من ثلاثة أفراد يبلغ دخلها السنوي 500,000 دولار، وتعيش في شقة مكونة من غرفة نوم واحدة في حي "أبر ويست سايد" في مانهاتن. الزوج يعمل مهندس برمجيات، والزوجة عالمة بيانات. وكان أكبر مصاريفهم الشهرية - 4,200 دولار - هو تكلفة دار رعاية طفلهم البالغ من العمر عاماً واحداً، في حين يبلغ الإيجار 3,900 دولار، ويتمكنون من ادخار 10,000 دولار شهرياً. قال الزوج: "أعتقد أننا نعتبر من الطبقة المتوسطة في هذه المنطقة، وأمورنا تسير على ما يرام".
وجاءت ردود الفعل على الإنترنت متوقعة: نصف مليون دولار يعتبر طبقة متوسطة؟ هؤلاء الناس منفصلون عن الواقع، والصحيفة منفصلة عن الواقع لنشرها هذا التقرير.
لكن هذا التفاعل يغفل الجانب الاقتصادي؛ فقد وجد استطلاع رأي حديث أجرته شبكة "سي بي إس نيوز/يوغوف" أن 83% من الأمريكيين يقولون إن شراء منزل أصبح أصعب مما كان عليه بالنسبة للأجيال السابقة، و77% يقولون إن تربية الأسرة أصبحت أصعب. وهم ليسوا مخطئين، لكن التفسير أكثر تعقيداً مما يعترف به الشعبويون من كلا الطرفين.
الأرقام والواقع المتغير
منذ عام 1975، ارتفع متوسط دخل الأسرة بأكثر من النصف، من حوالي 68,000 دولار إلى 106,000 دولار بعد تعديله وفقاً لمعدلات التضخم، أي بزيادة تقارب 38,000 دولار. لكن جزءاً كبيراً من هذا الفارق يعود إلى أحد أهم التحولات الاجتماعية في نصف القرن الماضي: فقد ارتفعت نسبة مشاركة الأمهات المتزوجات في القوى العاملة من حوالي 45% في عام 1975 إلى 72% في عام 2025.
ولكن بالنسبة للعائلات التي لديها أطفال صغار، فإن جزءاً كبيراً من تلك الزيادة البالغة 38,000 دولار يكون محجوزاً ومستحقاً مسبقاً قبل أن يصل إلى الحساب البنكي؛ فقد ارتفعت قيمة مدفوعات التمويل العقاري السنوية، بعد تعديلها وفقاً للتضخم، من حوالي 16,000 دولار في عام 1975 إلى 25,000 دولار في عام 2024، أي بزيادة قدرها 9,000 دولار. ويساهم العمال الآن بحوالي 7,000 دولار سنوياً في أقساط التأمين الصحي العائلي، وهو ما يعادل ضعف التكلفة الحقيقية في عام 1999 تقريباً. وتتراوح تكلفة الرعاية النهارية الكاملة لطفل واحد عادة بين 6,500 و15,500 دولار، اعتماداً على العمر والموقع، وهي تكلفة لم تكن معظم العائلات تتحملها في السبعينيات.
وبجمع هذه المبالغ، نجد أن هذه المصاريف الثلاثة تستنزف معظم الزيادة البالغة 38,000 دولار، مما يترك العديد من العائلات -وخاصة تلك التي لديها أطفال صغار أو تعيش في مدن مرتفعة التكلفة- بالدخل المتاح للتصرف نفسه تقريباً الذي كان لدى آبائهم، على الرغم من كسبهم المزيد.
مرض بومول للتكاليف
الجاني هنا هيكلي وليس سياسياً: يطلق عليه الاقتصاديون اسم "مرض بومول للتكاليف" (Baumol’s cost disease). فمكاسب الإنتاجية تميل إلى التركيز في السلع -كالسيارات والملابس والتلفزيونات والأغذية- حيث تدفع التكنولوجيا الأسعار للانخفاض باستمرار. لكن العديد من الخدمات، مثل التدريس في الفصول الدراسية لرياض الأطفال، لا تتغير إلا قليلاً بمرور الوقت. ومع ارتفاع الدخول، يجب أن ترتفع الأجور في جميع القطاعات؛ وإلا فإن الموظفين سينتقلون إلى القطاعات ذات الأجور الأعلى. وبالتالي، تصبح الخدمات كثيفة العمالة أكثر تكلفة، ليس لأن خطأً ما قد حدث، بل لأن كل شيء آخر أصبح أكثر إنتاجية.
وقبل توجيه الاتهام إلى الاقتصاد، انظر إلى ما حققه 50 عاماً من النمو الفعلي؛ فالسيارة المتوقفة في ممر منزلك أقل عرضة للتسبب في وفاتك مقارنة بنظيرتها في عام 1975 - فقد انخفضت وفيات المرور لكل ميل مقطوع بنسبة 62% تقريباً. ويمكن للمواطن الأمريكي العادي الذي يبلغ من العمر 65 عاماً اليوم أن يتوقع العيش 3.6 سنوات إضافية مقارنة بعام 1975. كما أن الهواء أصبح أنظف بنسبة 79% وفقاً لمقاييس وكالة حماية البيئة. ويقدر الباحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أن الأمريكيين يثمنون قيمة استخدام محركات البحث والبريد الإلكتروني والخرائط الرقمية بنحو 30,000 دولار سنوياً، وهو ما لا يظهر في إحصاءات الدخل.
ربما كان لدى أسرة الطبقة المتوسطة في عام 1975 نقود متبقية أكثر في نهاية الشهر، لكنهم واجهوا أيضاً مخاطر أعلى لجرائم العنف، واستنشقوا هواءً أكثر تلوثاً، وانتظروا نشرة الأخبار المسائية لمعرفة ما يحدث في العالم. التقدم حقيقي، لكنه ببساطة لا يدفع فاتورة دار الرعاية النهارية.
اختفاء الهامش المرن والتغير الثقافي
إذن، لماذا تشعر الطبقة المتوسطة بالضيق والضغط المالي رغم امتلاكها دخلاً تقديرياً مماثلاً وعيشها في عالم أفضل بكثير؟ يكمن الجواب فيما تغفله الأرقام: الهامش المرن (slack). فعندما يتم تخصيص حصة أكبر من الدخل للتكاليف الثابتة، فإن الدخل المتاح نفسه يبدو أكثر تقييداً وضيقاً. وبالنسبة للعديد من الأسر، يعني هذا أن الاحتياطي قد نفد.
في عام 1975، كان الدخل الثاني غالباً ما يبقى كاحتياطي، أحد الأبوين الذي لا يعمل وكان بإمكانه الانضمام إلى القوى العاملة إذا دعت الحاجة. أما اليوم، فمعظم الآباء والأمهات يعملون بالفعل؛ وهذا يعني أن فقدان وظيفة واحدة، أو أزمة طبية واحدة، أو حالة طلاق واحدة، كفيل بوضع الهيكل بأكمله تحت ضغط شديد.
لقد تغيرت تركيبة الإنفاق لتضخيم هذا الشعور؛ فالأمر لا يقتصر على حجم ما تنفقه الأسر، بل يمتد إلى نوعية ما تنفقه عليه. فقد كانت ميزانية الأسرة تذهب في السابق إلى أشياء يمكنهم رؤيتها والاستمتاع بها، أما اليوم، فتختفي حصة كبيرة من الإنفاق الشهري في أقساط التأمين الطبي، والمبالغ المستقطعة (التحمل الذاتي)، والمدفوعات المشتركة التي لا تنتج شيئاً مرئياً ما لم تقع كارثة. فقسط التأمين البالغ 800 دولار الذي لا تستخدمه أبداً لا يشعرك بأنه 800 دولار تُثري حياة الطبقة المتوسطة، بل يشعرك بأنها 800 دولار ضاعت، كأنها ضريبة على احتمالية المرض بدلاً من استهلاك شيء ملموس.
وقد تكفلت الجغرافيا والمقارنة الاجتماعية بالباقي. لقد كانت الطبقة المتوسطة في الماضي غير مرئية إلى حد كبير لمن هم أعلى منها - فقد كانوا يعيشون في أحياء مختلفة ويتحركون في عوالم مختلفة. أما اليوم، فإن وسائل التواصل الاجتماعي، وثقافة التطلع والطموح، وتمركز الطبقة المهنية في حفنة من المدن الباهظة التكلفة، جعلت الطبقة المتوسطة تقارن نفسها باستمرار بمن هم أفضل حالاً بكثير. وكما وثّق الخبير الاقتصادي روبرت فرانك في عمله حول "شلالات الإنفاق" (expenditure cascades)، فإن الإنفاق في القمة يعيد تحديد النقطة المرجعية لمن هم أدنى منها مباشرة، ثم لمن هم أدنى منهم، ويتوالى هذا الشلال عبر توزيع الدخل حتى تجد أسرة من الطبقة المتوسطة نفسها تكافح جاهدة للحصول على ما كان في السابق بعيد المنال بالنسبة للفقراء فقط.
معضلة الدخل والبنية التحتية
والعائلة التي يبلغ دخلها 500,000 دولار في مقال "نيويورك تايمز" تبدو برجوازية المظهر ولكنها ليست منفصلة تماماً عن الواقع؛ فهم يدخرون 120,000 دولار سنوياً - ليس من أجل الإجازات، بل من أجل شقة قد لا يتمكنون من تحمل تكلفتها أبداً. إن تكاليفهم الثابتة قاسية حقاً. وبعض ما يبدو رفاهية هو في الواقع بنية تحتية، وبعضه الآخر رفاهية بالفعل. ولكن كل دولار إضافي من الدخل يأتي مصحوباً بالتكاليف المطلوبة لكسبه، وهي ضريبة بنية تحتية ضمنية تجعل العائد من ذلك الدولار الأخير أصغر بكثير مما يشير إليه الرقم الإجمالي المعلن. وعند مستوى متوسط دخل الأسرة البالغ 106,000 دولار، تصبح الحسبة أبسط وأسوأ؛ فلا توجد ضريبة بنية تحتية، بل إن التكاليف الأساسية لحياة الطبقة المتوسطة ببساطة لا تتناسب مع هذا الدخل.
إن الطبقة المتوسطة تعيش في وضع أفضل وفي الوقت نفسه تعاني من ضغوط مالية أكبر مما كانت عليه منذ عقود. فالخدمات التي تحدد معالم حياة الطبقة المتوسطة في القرن الحادي والعشرين - الرعاية الصحية، ورعاية الأطفال، والتعليم - ارتفعت بمعدل أسرع بمرتين إلى ثلاث مرات من أسعار المستهلك الإجمالية منذ عام 2000. وهذا هو النتيجة الهيكلية لاقتصاد أصبح منتجاً بشكل غير عادي في تصنيع السلع، ولكن ليس في تربية الأطفال أو علاج المرضى. وفي الوقت نفسه، اختفت المكاسب -كالسيارات الأكثر أماناً، والهواء الأنظف، والأعمار الأطول- بهدوء لتصبح جزءاً مما نعتبره طبيعياً. ويطلق علماء النفس على هذا اسم "التكيف اللِّذّي" (hedonic adaptation): وهو الميل إلى استيعاب التحسينات في خط أساس حياتنا حتى لا نعد نشعر بها كمكاسب.
والترياق الذي يصفه علماء النفس هو "الطرح الذهني" (mental subtraction): وهو تخيل الحياة عمداً بدون الأشياء التي تعتبرها من المسلمات. جرب ذلك مع عام 1975: لا توجد وسائد هوائية، وخطر التعرض للسرقة أعلى بكثير، وثلاث شبكات تلفزيونية فقط. لقد تكيفنا مع هذه المكاسب تماماً حتى لم تعد تبدو كمكاسب. قد لا يكون التهديد الأكبر لسعادة الطبقة المتوسطة هو تكلفة رعاية الأطفال، بل قد يكمن في أنهم لا يملكون ترف الوقت أو الجهد لملاحظة مدى التحسن الكبير الذي طرأ على الحياة.



اضف تعليق