لم يعد مفهوم الثقافة الوطنية اليوم كما كان عليه قبل عقود قليلة، فالكلاسيكي انتهى زمنه، وصارت الثقافة الجديدة تعني احترام خيارات الآخر، واحترام القوانين والحفاظ على المال العام، والدولة الوطنية الحديثة تتحقق بقدرة نخبها على خلق حالة من التكامل الداخلي المتفاعل بوعي ومسؤولية مع الخارج...
لم يعد مفهوم (الثقافة الوطنية) اليوم، كما كان عليه قبل عقود قليلة، ليس بسبب ظهور فلسفة جديدة للوطنية، وإنما كمعطى لتحولات عميقة في بنية الواقع العالمي مشفوعة بأعراف وقوانين استدعتها هذه التحولات، وبات لا بد للشعوب والدول أن تتفاعل معها.
لقد كان الفرد قبل قرن، وفي أي دولة، يربى على مفاهيم تجريدية، تتمثل بحب الوطن وعشق ترابه الذي يتغنى به الشعراء والمنشدون ويلقنه التربويون لتلاميذهم الصغار، ولم يكن هذا خطأ، بل كان متوافقًا تمامًا مع ثقافة تلك المرحلة التي مثّلت بداية تشكل أغلب الدول الحديثة في العالم وما رافق ذلك من صراعات وتغالب فيما بينها، استدعى غريزيًا أسباب الدفاع المادي والمعنوي عنها، وكانت الثقافة الوطنية وقتذاك تستحضر هذه المخاطر وتعبئها بعقل المواطن لتمنحه باستمرار المناعة الضرورية.
الدولة اليوم، مهما كان حجمها وشكلها، باتت محمية بقوانين عالمية تضمن لها وجودها، وإن بقيت بعض القضايا العالقة بهذا الشأن، لذا لم تعد التعبئة التقليدية السابقة والمتمثلة بالدفاع عن تراب الوطن والتغني بالأمجاد القديمة وغيرها من العبارات التي غطت مشاعرنا الوطنية في العقود السابقة هي محور الثقافة الوطنية الآن، وإنما استجدت رؤى أخرى فاعلة، أفرزتها حركة الاقتصاد العابر للحدود والميديا وأدوات التواصل الإلكتروني التي قرّبت المسافات بين الشعوب وكذلك الرياضة التي لعبت دورًا كبيرًا في خلق ثيمة تنافسية جمعيّة غير عنفيّة، ما يعني أن البعد الإنساني صار أكثر تأثيرًا في مزاج الشعوب وسياسات الدول، وصارت المصالح تتقدم على كل شيء، والمصالح هنا بمفهومها الشامل وليس الغرائزي الضيق، أي حاجة الناس في هذا الكوكب لبعضها البعض، المعزز بتقاربها ثقافيًا مع وجود قوانين دولية صارمة تضبط حركة السوق العالمي والسياسة والرياضة والإعلام وغيرها.
إذن الثقافة الوطنية بمفهومها الكلاسيكي انتهى زمنها، وصارت الثقافة الجديدة تعني احترام خيارات الآخر المختلف دينيًا وقوميًا وفكريًا وسياسيًا، وكذلك احترام القوانين والحفاظ على المال العام وحق الجميع في العيش وفقًا لخياراتهم الشخصية، لأن حرية الفرد يجب أن تكون مصانة ليس فقط بقوانين الدول بل بثقافة أبنائها التي ينبغي أن تترجم بسلوكهم.
عالم اليوم هو عالم الدولة المتفاعلة مع محيطها الإقليمي والدولي، وفق المعطيات الجديدة، وهنا لا بد من وعي دقيق لهذه المسألة، لكي لا تفهم الحرية واحترام الخيارات فهمًا خاطئًا، وتكون مدخلًا للتسيّب وفقدان الإرادة الوطنية، فهناك من يرى أن حرية الاقتصاد تعني الفوضى التي تتسبب في غسيل الأموال لصالح جهات خارجية وإرباك السوق المحلية وتدمير العملة الوطنية، وحرية الإعلام تعني فتح الأبواب للمشاريع الخارجية التخريبية التي تستهدف نسيج المجتمع وبث الفرقة والفتن لأهداف سياسية، وحرية العمل السياسي، تعني فتح دكاكين حزبية موالية لجهات خارجية تعمل لأهداف غير وطنية. وهذا ما عانيناه طيلة العقدين الماضيين للأسف.
الدولة الوطنية الحديثة، تتحقق بقدرة نخبها الثقافية والسياسية والإعلامية والاقتصادية على خلق حالة من التكامل الداخلي المتفاعل بوعي ومسؤولية مع الخارج وبما لا يتعارض مع القوانين الدولية لكي يعزز بناء الدولة ويمتن أسسها على مختلف المستويات، ويجعل أي بلد في قلب المشهد الدولي وفي الوقت نفسه في قلب شعبه الذي يخلص له ويحبه بالنتيجة، من دون الحاجة لخطب وشعارات رنانة، كما كان عليه الأمر قبل عقود.



اضف تعليق