الوسطية أفضل أنماط الحياة

قبسات من فكر المرجع الشيرازي

العيش بعيدا عن البذخ والإسراف هو أفضل الخيارات للإنسان، وهذا ما تم تأكيده في الأحكام الشرعية والنصوص القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة، وحتى الفلاسفة الإيجابيون رهنوا نجاح الإنسان بالتعقّل والتوازن والوسطية في العيش، فلا تبذير ولا تقتير، وإنما أن يعيش الإنسان حياته بلا (مزاحمة) ولا مضايقة ولا تحديد مبالَغ فيه...

(الزهد هو الأصل في جميع مرافق حياة الانسان المؤمن والإنسانة المؤمنة)

سماحة المرجع الشيرازي دام ظله

العيش بعيدا عن البذخ والإسراف هو أفضل الخيارات للإنسان، وهذا ما تم تأكيده في الأحكام الشرعية والنصوص القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة، وحتى الفلاسفة الإيجابيون رهنوا نجاح الإنسان بالتعقّل والتوازن والوسطية في العيش، فلا تبذير ولا تقتير، وإنما أن يعيش الإنسان حياته بلا (مزاحمة) ولا مضايقة ولا تحديد مبالَغ فيه.

فالإنسان المؤمن له الحق أن يتمتع بما منحه له الله من طيّبات، إذا كان التعاطي معها بلا بذخ ولا إسراف، وبعيدا عن سلوكيات التبذير والبهرجة التي يعمد لها أولئك المتعالون وغير الوسطيين، لأنهم يتبجحون بما لديهم من أموال أو سلطة أو نفوذ، فينسون السلوكي أو التصرف الوسطي، وينظرون إلى السلوك الزاهد على أنه ضعف وتردد أو فقر مفتعَل.

لذا فإن الله تعالى يحاسب الإنسان على أعماله بعد مغادرته الدنيا، وهناك في الدار الآخر أو شيء يٌسأَل عنه الإنسان بمَ قضى سنوات عمره، هل قضاها تابعا للشهوات المنحرفة، منقادا لنفسه بما تأمره، أم وظَّف عمره للصالحات، بعد أن اتّبع الوسطية في الفكر والرأي والتصرّف والسلوك، ولهذا يجب أن يراعي الإنسان كيف يقضي البشر عمره وفي أي شيء. 

سماحة المرجع الديني الكبير، آية الله العظمى، السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، يقول ضمن سلسلة نبراس المعرفة في محاضرة عنوانها لحياة منظَّمة وموفَّقة:

(إنّ أول ما يُسأل الانسان عند موته عن عمره فيمَ أفناه حتى إذا لم يفعل الحرام. فمن يستفيد من الحلال بأقلّ الفائدة سوف يكون حسابه يسيرا، لكن من يأكل لذيذ الأطعمة أكثر مما هو مفيد لقوّته وبدنه سوف يُحاسب أكثر وسيكون مكوثه بين يدي الله تعالى أطول) .

السقوط في فخ التعالي

لذلك من أهم مقومات النجاح في الحياة هي الوسطية والتواضع والتوازن والتعقّل، والزهد هو الأقرب من سواه للسلوك الوسطي، حيث لا يمتنع الإنسان عن الشهوات المسموح بها، ولا يحرم نفسه من الطيبات التي تدخل في دائرة الحلال، وإنما يمنع نفسه ويبعدها عن السقوط في فخ الشهوات المحرَّمة التي تدفع بالناس نحو أسوأ السقطات الحياتية.

العزوف عن الملذات سلوك جيد إذا كانت هذه اللذائذ تستدرج صاحبها نحو فخ التبجح والتعالي والبهرجة المزيّفة، لذا لابد لكل أنسان أن يتحلى بإرادة حازمة كي يكون قادرا على السير في المسار الوسطي، بعيدا عن الخضوع لما تمليه عليه نفسه، وتطلبه وترغب به، فإن كان ضعيفا في إيمانه ومبدئيته ووسطيته سوف يستجيب له، ويقبل طلباتها، وهنا بالضبط يحدث سقوط الإنسان في الاختبار العصيب.

حيث يؤكد سماحة المرجع الشيرازي دام ظله قائلا:

(إنّ من صفات المؤمن أن يكون زاهداً في الحياة الدنيا وعازفاً عن ملذّاتها وشهواتها، ولكن هذا لا يعني أن يترك جميع ما أحلّ الله له من الطيّبات كما تقول الآية المباركة: وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنسَ نصيبك من الدنيا) القصص:77.

وهذا يعني أن الإنسان الوسطي أو الذي يسير في خط الزهد والاكتفاء بما يسد حاجته فقط، هو الذي يملك ما يحتاج إليه، ولا يعني حرمانه من كل متطلبات الحياة المسموحة وغير المسموحة، فحتى الوسطية في نمط الحياتي يجب أن يأتي ضمن الخط السلوكي والفكري الوسطي الذي لا يغالي في التصرف ولا في المواقف.

فليس المطلوب من الإنسان المؤمن أن لا يملك أي شيء، بحجة الزهد أو الوسطية، وإنما المطلوب أن لا يسرف، ويغالي في كل شيء، حتى في القضايا المعنوية كالعلم والموهبة والغنى بالمال وغير ذلك، فالمطلوب أن يبقى الإنسان متوازنا متعقّلا، زاهدا (ليس في كل شيء)، بل في الامتيازات والحاجات الفائضة عن الحاجة.

فلا يصح أن تعرّض نفسك للجوع لأنك زاهد أو وسطي أو غير مسرف ولا مبذّر، هذا ليس مطلوبا منك، ولكن في نفس الوقت لا تغالي في طلب الأشياء والرغبة بها بما يفوق حاجتك لها، فأن تكون زاهدا هذا لا يعني أن تمتنع عن مراجعة الطبيب إذا مرضت حتى يقولون عنك وسطيا أو زاهدا، ولا يجب أن تحرم نفسك من الملبس المعقول النظيف وترتدي الملابس الرثّة حتى يشيرون لك بالبنان وأن غير خاضع للدنيا، الأمور لا تصح بهذه الطريقة.

يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله: 

(الزهد يجب أن يكون في مجاله وبمقداره، حسب ما يذكره الفقهاء رضوان الله عليهم، والزهد لیس معناه أن تعرّض نفسك للمزاحمات وأن لا تملك أي شيء‌ في هذه الدنيا. وبهذا الصدد يقول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: (ليس الزهد أن لا تملك شيئاً، بل الزهد أن لا یملُكك شيئاً).

لا للمغالاة في كل شيء

كذلك لا ينبغي أن تؤثّر وسطية الإنسان وتمسّكه بالزهد على غيره من الناس، فمثلا إذا زارك ضيف وقّدمت له طعام الغداء أو العشاء، فلا يصح أن تبيّن له أنك ليس محبّا للطعام وزاهدا به وأنك ليس شرها بالأكل لأنك زاهد، هذا التصرف ليس صحيحا إذا كان مفتعلا، أي إذا كان لا ينبع من حقيقة اكتفائك الفعلي من الطعام، فالضيف له حقوق والضيافة لها مستلزمات، وليس صحيحا أن يتعرض ضيفك للحرج فيتوقف عن تناول الأكل لأنك تأكل القليل منه.

فالمطلوب منك أن تكون حقيقيا واقعيا، لا تغالي ولا تتظاهر حتى يُقال لك بأنك زاهد، وأنك وسطي، بل يمكنك أن تتصرف على سجيّتك الحقيقية وليس المفتعلة أو المزيفة، التي تتظاهر بها تصنّعا وليس حقيقة، لأن الإنسان الوسطي واضح ومكشوف للناس، ولا يلجأ إلى أساليب مخادعة يفتعلها حتى يقولون عنه إنه مؤمن ومتعقّل ومتوازن وزاهد.

من هنا يذكر سماحة المرجع الشيرازي دام ظله قائلا:

(من الأفضل ان يكون الزهد بمقدار مستحبّ،‌ أي لا أن يكون على حساب الباقين مثلاً،‌ كأن يتزهّد ولا يأكل حتى يتمرّض، أو يزهُد أمام ضيفه فيستحي ضيفه من الأكل).

إن الوسطية في تناول الطعام، أو في ارتداء الملابس أو في أية ملذات أخرى، ليست هي وحدها تدل على أنك زاهد بالحياة، بل هناك علامات أخرى لا تُرى بالعين ولا تُلمَس باليد، ومنها مثل حب الظهور، والإصابة بداء الغرور، والتظاهر بالعظمة الفارغة، هذه كلها علامات تؤكّد للناس بأنك لستَ زاهدا، وإنما متظاهرا لا أكثر، ولم تعد الناس تصدّق بك ولا تحترم أفعالك ولا شخصيتك لأنك تفتعل الأمور وتزيّف الحقائق.

مع أن الإنسان ليس خالدا في هذه الدنيا، بل هي رحلة خاطفة كالبرق، تمضي سريعا وتنتهي قياسا للدار الأخرى التي هي دار البقاء الأبدية، تلك الدار الأخرى هي التي تستحق منك العمل والسعي وعبور الاختبار حتى تفوز بها.

سماحة المرجع الشيرازي دام ظله يؤكد هذه النقطة حين يقول:

(علينا أن نراعي التزاحمات المختلفة في الحياة، فالأصل في الزهد لا يقتصر على الأكل والملابس والملذّات الأخرى بل يشمل أيضاً شهوة الغريزة وحبّ الغرور والعظمة والظهور وما الى ذلك. وقد مثّل النبي الكريم صلى الله عليه وآله، الدنيا وملذّاتها بذلك الفيء البسيط، فنسبة الفيء قد لا تتعدّى ساعة أو أكثر ولعلّها تكون مجرّد ظلّ شجرة).

بالنتيجة حين يبحث الإنسان عن طريقة عيش صحيحة وجيدة، فإنه سيكون أمام خيار مهم وواضح، ألا وهو الزهد الحقيقي القائم على الوسطية وإكمال الاحتياج فقط، وعدم العبور نحو فخ التظاهر والتبجّح الذي يقود الإنسان نحو الإسراف في كل شيء، فيخسر ثقة الناس به، والأكثر من ذلك يخسر العاقبة الحسنة التي تنقذ الإنسان من السقوط في قاعة امتحان الدنيا.

اضف تعليق