إنهاء الحرب مبكرا وبشكل منظم هو أفضل طريقة للحد من الضرر الاقتصادي. وبالإضافة إلى ذلك، يمكن أن تتغاضى البنوك المركزية عموما عن طفرة أسعار الطاقة، شريطة أن تبقى توقعات التضخم راسخة. فالصدمة في قطاع الطاقة تُضعف النشاط الاقتصادي بالفعل بينما ترفع الأسعار، ولا يمكن لأي بنك مركزي أن...
بقلم: بيير–أوليفييه غورينشا
أدى الصراع في الشرق الأوسط إلى توقف زخم النمو. وهناك حاجة إلى انتهاج سياسات سليمة وتعزيز التعاون العالمي لاحتواء الأضرار.
على الرغم من الاضطرابات التجارية الكبيرة وعدم اليقين الذي أحاط بالسياسات، انتهى العام الماضي نهاية كلها تفاؤل. فقد استطاع القطاع الخاص أن يتكيف مع بيئة أعمال متغيرة، في حين جاءت عوامل موازِنة قوية من انخفاض التعريفات الجمركية الأمريكية عن المستويات المعلن عنها في البداية، وبعض الدعم من المالية العامة، والأوضاع المالية المواتية التي اقترنت بمكاسب قوية في الإنتاجية وطفرة في التكنولوجيا. وعلى الرغم من بعض التطورات السلبية، كان من يُتَوَقَّع استمرار هذا الزخم في عام 2026، مما رفع التنبؤ الخاص بالنمو العالمي قبل الصراع إلى 4,3٪.
وأوقفت الحرب في الشرق الأوسط هذا الزخم. فإغلاق مضيق هرمز والأضرار الجسيمة التي لحقت بالمنشآت الحيوية في منطقة مهمة لإمدادات الهيدروكربونات العالمية يزيدان احتمال حدوث أزمة كبرى في الطاقة في حالة استمرار الأعمال العدائية.
التأثير الاقتصادي للحرب
سيعتمد حجم الصدمة النهائي على مدة الصراع ونطاقه، ومدى سرعة عودة إنتاج الطاقة وشحنها إلى وضعهما الطبيعي متى انتهت الأعمال العدائية.
وسوف يتوقف هذا التأثير على ثلاث قنوات:
أولا، يمثل ارتفاع أسعار السلع الأولية صدمة عرض سلبية تقليدية، وهو ما يرفع تكلفة السلع والخدمات كثيفة الاستهلاك للطاقة، ويعطل سلاسل الإمداد، ويرفع معدل التضخم الكلي، ويؤدي إلى تآكل القدرة الشرائية.
وثانيا، قد تتفاقم هذه الآثار مع سعي الشركات والعاملين إلى تعويض الخسائر، مما قد يفضي إلى مخاطر دوامات الأجور والأسعار، ولا سيما حيث تكون توقعات التضخم قائمة على ركيزة ضعيفة.
وثالثا، قد تؤدي المخاطر الاقتصادية الكلية المتزايدة واحتمال تشديد السياسات النقدية إلى إعادة تسعير مفاجئة في الأسواق المالية، وانخفاض أكبر بكثير في تقييمات الأصول، وارتفاع علاوات المخاطر، وزيادة هروب رؤوس الأموال، وارتفاع قيمة الدولار، مما يفضي إلى تشديد الأوضاع المالية وإضعاف الطلب الكلي.
ولا يزال تنبؤنا المرجعي، الذي يفترض أن الصراع سيكون قصير الأجل وحدوث ارتفاع معتدل بنسبة 19% في أسعار سلع الطاقة في عام 2026، يشير إلى أن النمو العالمي سيبلغ 3,1% فقط هذا العام، وأن التضخم الكلي سيبلغ 4,4%، وهو انحراف حاد عن اتجاه تراجع معدل التضخم العالمي في السنوات الأخيرة.
ومن شأن إغلاق مضيق هرمز لفترة أطول، وإلحاق مزيد من الضرر بمنشآت الحفر والتكرير، أن يحدثا اضطرابا أعمق وأطول أمدا في الاقتصاد العالمي. وفي ظل سيناريو معاكس، على افتراض حدوث ارتفاع أشد حدة في أسعار الطاقة هذا العام، مصحوبا بارتفاع توقعات التضخم وبعض التشديد للأوضاع المالية، ينخفض النمو إلى 2,5% هذا العام، ويرتفع التضخم إلى 5,4٪.
وفي ظل سيناريو حاد، حيث تمتد فيه الاختلالات في إمدادات الطاقة إلى العام المقبل، وتصبح توقعات التضخم أقل ثباتا بكثير، وتتشدد الأوضاع المالية بحدة، سينخفض النمو العالمي إلى 2% هذا العام والعام المقبل، بينما سيتجاوز التضخم 6%. وعلى الرغم من الأخبار الأخيرة عن الوقف المؤقت لإطلاق النار، فقد وقع بعض الضرر بالفعل، ولا تزال مخاطر التطورات السلبية مرتفعة.
وسيختلف تأثير الصراع من بلد لآخر. وكما حدث في طفرات أسعار السلع الأولية السابقة، فإن البلدان المستوردة لها معرضة بشدة للخطر. ومن المرجح أن تكون الاقتصادات منخفضة الدخل والاقتصادات النامية هي الأكثر تضررا، وخاصة تلك التي تعاني من مواطن ضعف ولديها احتياطيات محدودة. وستواجه البلدان المصدرة للطاقة في منطقة الخليج تداعيات اقتصادية نتيجة تضرر البنية التحتية، واضطرابات الإنتاج، والقيود على التصدير، وضعف السياحة وأنشطة قطاع الأعمال. وستنخفض تحويلات العاملين في الخارج إلى البلدان التي يفد منها العاملون إلى المنطقة.
دروس مُستفادة من أزمة 2022
تعكس صدمة اليوم طفرة أسعار السلع الأولية في عام 2022 في أعقاب غزو روسيا لأوكرانيا، والتي أدت إلى رفع التضخم العالمي إلى أعلى مستوى له منذ سبعينات القرن الماضي. وفي تلك الفترة، رأى كثيرون أن التشديد النقدي المتزامن الذي أعقبها وتباطؤ معدل التضخم دون حدوث ركود اقتصادي يمثل نجاحا كبيرا على مستوى السياسات.
فهل يمكن أن نتوقع النتيجة نفسها الآن؟ هناك من الأسباب ما يدعو للشك. ففي عام 2022، كانت الضغوط التضخمية مرتفعة بالفعل نتيجة لاختلالات التوازن بين العرض والطلب بعد الجائحة، ونقص المعروض في أسواق العمل، ووفرة السيولة. واليوم، ساهم ضعف المعروض في أسواق العمل وعودة الميزانيات العمومية إلى الأوضاع الطبيعية في تخفيف الضغوط الكامنة، على الرغم من أن التضخم لا يزال أعلى من المستوى المستهدف في بعض البلدان، ولا سيما الولايات المتحدة. وإذا ظلت الصدمة محدودة، قد يتسنى احتواء التضخم بشكل أكبر، بما يتسق مع السيناريو المرجعي الذي وضعناه.
ومع ذلك، خلَّفَت الأزمة الأخيرة آثارا ممتدة. فقد أدى ارتفاع مستويات الأسعار بشكل دائم إلى زيادة الشواغل إزاء تكلفة المعيشة، وجعل توقعات التضخم أكثر حساسية لأي ارتفاعات جديدة في الأسعار. وعلاوة على ذلك، عكست الطفرة في عام 2022 منحنى عرض كلي شديد الانحدار بشكل غير معتاد، حيث واجه الطلب القوي اختناقات في سلاسل الإمداد، مما سمح للبنوك المركزية بتخفيض معدلات التضخم مع تحمل خسائر محدودة في الناتج. وتشير الأدلة الآن إلى عودة منحنى العرض إلى مستوى أكثر تسطحا، مما يرفع تكلفة تخفيض معدلات التضخم.
السياسات
كيف ينبغي أن يكون رد فعل البنوك المركزية؟ من الواضح أن إنهاء الحرب مبكرا وبشكل منظم هو أفضل طريقة للحد من الضرر الاقتصادي. وبالإضافة إلى ذلك، يمكن أن تتغاضى البنوك المركزية عموما عن طفرة أسعار الطاقة، شريطة أن تبقى توقعات التضخم راسخة. فالصدمة في قطاع الطاقة تُضعف النشاط الاقتصادي بالفعل بينما ترفع الأسعار، ولا يمكن لأي بنك مركزي أن يؤثر على أسعار الطاقة العالمية بمفرده. ولكن إذا ارتفعت توقعات التضخم على المدى المتوسط أو الطويل مع ارتفاع الأسعار والأجور، ينبغي أن تكون لاستعادة استقرار الأسعار أسبقية على النمو على المدى القريب، مع تشديد نقدي سريع. وفي حين أن مرونة سعر الصرف تسمح للسياسة النقدية بالتركيز على استقرار الأسعار، يمكن النظر في التدخلات في سوق الصرف الأجنبي أو تدابير إدارة تدفقات رأس المال في بعض الحالات، بما يتماشى مع إطار السياسات المتكامل لدينا.
وما الذي ينبغي أن تفعله سياسة المالية العامة؟ من الشائع اتخاذ تدابير غير موجهة للمستحقين، مثل وضع حدود قصوى للأسعار، وتقديم الدعم، والتدخلات المماثلة، بشعبية واسعة. ولكنها غالبا ما تكون ضعيفة التصميم ومكلفة. ونظرا لعدم وجود حيز مالي واستمرار ارتفاع عجز الموازنة وتزايد الدين العام، ينبغي أن يظل أي دعم من المالية العامة محدود النطاق ومؤقتا، وقائما على شروط واضحة للانقضاء الموقوت، وأن يكون متسقا مع خطط المالية العامة متوسطة الأجل لإعادة بناء الهوامش الاحتياطية. ويشكل تجنب التنشيط المالي عنصرا بالغ الأهمية في أوقات ارتفاع التضخم، وذلك لتجنب تعقيد مهمة البنوك المركزية.
ويكتسب الحفاظ على الإشارات السعرية أهمية، إذ تمثل إشارة ارتفاع الأسعار علامة على شح الموارد، مما يشجع على كبح الطلب وتوسع العرض. ولا يمكن لضوابط الأسعار وقيود التصدير أن تغير هذه الحقيقة. والأسوأ من ذلك، أن هذه التدابير غالبا ما تؤدي إلى نتائج عكسية من خلال رفع الأسعار الأساسية، مما يؤدي إلى الترشيد وانتقال التداعيات السلبية إلى بلدان أخرى. وإذا لزم الأمر، توفر التحويلات المباشرة والموجهة للأسر والشركات الضعيفة المستحقة لها عادة تخفيفا أكبر بتكلفة أقل على المالية العامة من الدعم العام. ولم يؤخذ هذا الدرس بعين الاعتبار كثيرا في عام 2022؛ ولذلك، ينبغي أن تسعى البلدان جاهدة لتقوم بعمل أفضل هذه المرة.
وأخيرا، إذا تشددت الأوضاع المالية بحدة، وصاحبها تدهور ملموس في النشاط العالمي، ينبغي أن تكون السياسات النقدية وسياسات المالية العامة على استعداد للتحول لدعم الاقتصاد وحماية النظام المالي، إلى جانب انتهاج سياسات مناسبة للقطاع المالي والسيولة.
القدرة على الصمود في مواجهة التحديات
تؤكد الحرب الأخيرة أن النظام الدولي يعاني من ضغوط متزايدة، حيث تعمل التحالفات المتصدعة والصراعات الجديدة والشواغل إزاء الأمن القومي على تشكيل السياسة الاقتصادية. ويفحص الفصلان التحليليان في تقريرنا الآثار الاقتصادية الكلية للتعزيزات الدفاعية، ويستخلصان دروسا للاقتصادات التي تمر بصراعات أو تشهد عمليات إعادة إعمار. وتبعث النتيجة المستخلصة على القلق. فإلى جانب ما تسببه من خسائر بشرية، تفرض الحرب تكاليف اقتصادية باهظة ومستمرة، وتخلق مفاضلات عويصة.
وبخلاف الصراعات الدائرة، تعيد التوترات الجغرافية-السياسية تشكيل عالم متعدد الأقطاب بشكل متزايد، حيث تلحق موجات القيود التجارية التي تفرضها جميع التكتلات الاقتصادية الكبرى ضررا بالتعاون الدولي والنمو. وفي حين أن هذه التحولات قد تعزز السياسات المنغلقة، فإننا نرى أيضا تحولا في مسار التجارة عبر شركاء جدد واتفاقات إقليمية لا تتوافق بالضرورة مع الحدود الجغرافية-السياسية القديمة.
وتتطلب الحرب اهتماما فوريا، لكنها لا ينبغي أن تصرف الانتباه عن السعي لتحقيق نمو مستدام. ويتيح التقدم في مجال الذكاء الاصطناعي، وخاصة الذكاء الاصطناعي الوكيل، إمكانية تحقيق مكاسب كبيرة في الإنتاجية، وهي المحرك الأساسي لمستويات المعيشة. ومع ذلك، قد يكون طريق التحول وعرا، حيث يمكن للأسواق أن تتجاوز الأساسيات الاقتصادية، مما قد يثير مخاطر التصحيح، وقد يؤدي التغيير السريع إلى تسريح العمالة والتأثير سلبا على الطلب. وينبغي لصناع السياسات تشجيع انتشار التكنولوجيا واعتمادها، والاستثمار في المهارات لتيسير التحول في سوق العمل. وينبغي أن تحفز الحرب أيضا على اعتماد الطاقة المتجددة بشكل أسرع، مما يمكن أن يعزز القدرة على الصمود في مواجهة صدمات الطاقة، ويحسن أمن الطاقة، ويدعم التحول المناخي.
ويواجه الاقتصاد العالمي اختبارا صعبا آخر. وبرغم الاحتمال القائم بأن يشهد زيادة في القطبية المتعددة، إلا أنه ليس من الضروري أن يصبح أكثر تشرذما. وعلينا مواصلة تعزيز التعاون العالمي؛ فمع السياسات السليمة، بما في ذلك وقف سريع للأعمال العدائية وإعادة فتح مضيق هرمز، يمكن أن تظل الأضرار محدودة. وقد نشأت مؤسسات مالية دولية، مثل صندوق النقد الدولي، من رؤية تبلورت في أعقاب حرب ودمار هائل، لتعزيز التعاون والتكامل في المجالين الاقتصادي والمالي، بما يعود بالنفع على الجميع. واليوم، وأكثر من أي وقت مضى، تشتد الحاجة إلى هذه المبادئ للحفاظ على الازدهار العالمي.



اضف تعليق