فضلا على موقع العراق في خارطة الطاقة الصينية، فانه يمثل جسراً جغرافياً رابطاً بين قارتي آسيا وأوربا، ومنطقتي الخليج العربي وبلاد الشام، وهذا يعني أنَّ العراق يقع في قلب مشروع الحزام والطريق؛ لأنَّه يمثِّل ملتقى خطوط المواصلات العالمية، فضلاً عن أنَّه جار لثلاثة أطراف في المبادرة الصينية، وهم (إيران، وتركيا، والمملكة العربية السعودية).

ومن خلال التمعن في شبكة طرق التجارة يتضح أنَّ موقع العراق الجغرافي يُعدُّ المركز الرئيس لطريق الحرير، والذي عن طريقهِ سيُنقل النفط والغاز والمواد الأولية والبضائع الاخرى. ويتوقع ان يقلل هذا الطريق ما نسبته (70%) من تكلفة الربط التجاري بين آسيا وإفريقيا وأوربا، والذي يبدأ من الصين –أوزباكستان – طاجكستان – إيران – العراق – تركيا – أوربا، ليكون العراق المركز الاستراتيجي لطريق الحرير في الشرق الأوسط.

غير ان تلك الاهمية مشروطة باكتمال ميناء الفاو الكبير الذي يشهد تلكؤا مقصودا في الإنجاز رغم تعاقب الحكومات وتخصيص المليارات من الدولارات لإنجاز هذا المشروع الاستراتيجي، رغم الاثار الايجابية المتوقعة لانضمامَ العراق إلى مبادرة الحزام والطريق والدور المحوري للعراق في التبادلات التجارية والاقتصادية المترتبة على انجاز المبادرة. ويتوقع ان يعزز المشروع العلاقات التي تربط العراق مع الدول التي تقع على طريق المبادرة الصينية، ولا سيَّما في المجال الاقتصادي والتجاري.

لذا فإن اتمام تنفيذ مشروع ميناء الفاو الكبير سيوفر أقصر الطرق لنقل البضائع واستمرار التجارة بأقل كلفة، إذ ستنقل البواخر الصينية البضائع من الصين إلى ميناء (جوادر) في باكستان، ومنها إلى ميناء الفاو الكبير، لتفرغ حمولتها وتنقل عن طريق السكك الحديدية، او ما يسمى الميناء الجاف، ليكون الوسيط لنقلها إلى ميناء طرطوس في سوريا، أو إلى تركيا، ومنها إلى أوروبا.

وعليه، من الممكن أن يكون العراق البلد الأكثر أهمية في المبادرة الصينية، إذا ما أُنْجزَت (القناة الجافة)، والتي تستند على مشروع ميناء الفاو الكبير. ومن اجل اللحاق وضمان انضمام العراق الى مبادرة الحزام والطريق ينبغي العمل على(1):

1- وضع خطط طويلة الأمد؛ لتطوير المدن الساحلية العراقية، ترتكز على نظرة استراتيجية، تأخذ بعين الاعتبار المتغيرات الجيوسياسية والاقتصادية ، على أن تركّز على الاندماج ضمن مبادرة الحزام والطريق.

2- العمل على إنشاء برنامج بحري عراقي للمنافسة البحرية، مع دول الجوار لمواجهة المشاريع المنافسة، والتي تهدف إلى إلغاء دور العراق وتهميشه في الملاحة البحرية، ولا سيَّما ميناء مبارك الكبير.

3- الإسراع في إنجاز مشروع (ميناء الفاو الكبير)، ومنحه الأولوية ضمن المشاريع الأخرى، وإعادة تفعيل خطط مشروع (القناة الجافة)، لربط ميناء الفاو بأوربا، وإكمال الحلقة المفقودة في خطة عبور مبادرة الحزام والطريق عن طريق العراق، ممَّا يوفِّر موردا مالياً غزيرا للبلد، فضلاً عن توفير فرص عمل في جنوب العراق.

4- العمل على توفير مناخ استثماري ملائم، لا سيَّما في قطاع الموانئ العراقية، وطرح المشاريع الكبرى للقطاع الخاص.

5- الالتزام بالاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي وُقِّعت مع الصين، والعمل على تنفيذها، لأنّهَا تصبُّ في مصلحة العراق.

6- على الحكومة العراقية تعديل سياستها الاقتصادية، للاستفادة من مبادرة الحزام والطريق، والابتعاد عن الاعتماد الكلي على النفط، مع التأكيد على أنَّ دخول العراق في هذه المبادرة سيفتح نافذة جديدة لتوسيع القاعدة الاقتصادية وتحقيق التنويع الاقتصادي.

7- يرجح أن تكون الحكومة العراقية في موقع استفادة أكبر في حال أجرت مفاوضاتها بشكل ثنائي مع الحكومة الصينية، بالتركيز على تامين تدفق النفط العراقي الى الصين مقابل إعادة الإعمار وتأهيل البنية التحتية عبر الاستفادة من خبرة وقدرات الصين في هذا المجال.

انَّ لانضمام العراق الى مبادرة الحزام والطريق انعكاسات إيجابية على الاقتصاد العراقي في حالة استكمال مشروع ميناء الفاو الكبير، لا سيَّما أنَّ الاقتصاد العراقي يُعد اقتصادا ريعياً أحادي الجانب يعتمد على النفط بشكل خطير، لذلك فان إنشاء ميناء الفاو وفتح منافذ استراتيجية مهمة لطريق الحرير في العراق، يعني فتح مورد اقتصادي غير نفطي، ما سينعكس بصورة إيجابية على تنويع الاقتصاد العراقي.

كما تكمن اهمية مشروع طريق الحرير بالنسبة الى العراق، كونه يمثل فرصة لإعادة البناء والاعمار وتعزيز النمو والاستقرار الاقتصادي، ليكون العراق فاعلًا في محيطه، فالسوق العراقية تعد من الاسواق الضخمة في منطقة الشرق الأوسط ويعد ضم العراق الى المبادرة محفزا للصين في تفعيل علاقاتها الاقتصادية مع العراق، كما ان الواردات الصينية من النفط الخام ارتفعت كثيرا في السنوات الاخيرة مما يعكس اهمية النفط العراقي في التوجهات الصينية نحو الخارج كون العراق من البلدان الكبرى من حيث احتياطات النفط.

وعلى الرغم من ان العراق لا يشكل حاليا جزءا من طريق الحرير، إلا إن موقعه الاستراتيجي، كونه يمثل ملتقى خطوط المواصلات العالمية، وكذلك جارا لثلاث أطراف في المبادرة الصينية وهي إيران وتركيا والمملكة العربية السعودية، كلها مزايا توفر للعراق فرص الانضمام للمبادرة، ومن الممكن ان يستثمر العراق قوة الجذب لديه عبر موقعه المهم، وذلك عبر استثمار الشركات الصينية في المجال الصناعي وتطويره ولا يقتصر التعاون بين العراق والصين على الاستيراد والتصدير، بل يجب ان يشمل ايضا تطوير البنى التحتية للعراق (2).

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2022
www.fcdrs.com

....................................
المصادر
1- هديل حربي العذاري ، أثر مبادرة الحزام والطريق الصينية على العراق : فرص وتحديات، مركز البيان للدراسات والتخطيط، 2022، ص14.
2- محمد كريم الخاقاني، العراق ومبادرة الحزام والطريق : العوائد والتحديات، مركز رواقات بغداد للسياسات العامة، بدون تاريخ، ص6.

اضف تعليق