لعل الوضع الاقتصادي والاجتماعي الذي يمر بالبلاد الان يذكر بالمثل الشعبي الدارج (فوك الحمل تعلاوة)، ويطلق على من يتحمل فوق همه هماً اضافياً، وهذا حال العراقي الذي يعاني الامرين، فكأنما لا يكفي المعاناة من البطالة وشحة العمل، وتراجع مستوى الخدمات الاجتماعية والصحية والحياتية وحرائق المستشفيات، وتوقف الحياة على أثر تفشي وباء كورونا، فزاد على المواطن هم اضافي وهو الارتفاع المتزايد لأسعار معظم المواد والسلع في الأسواق خلال الأشهر والأسابيع الأخيرة.

الامر الذي جعل الكاسب والموظف والمواطن بين مطرقة التراجع الحاد في مستويات العمل وارتفاع نسب البطالة في البلاد وسندان ارتفاع اسعار السلع بنسبة تزيد عن 20% على اثر انخفاض قيمة الدينار العراقي امام الدولار بنسبة 24% في نهاية 2020 بعد قرار البنك المركزي العراقي رفع سعر بيع الدولار للبنوك وشركات الصرافة من 1182 إلى 1460 دينارا للدولار الواحد، لتعويض تراجع الإيرادات النفطية الناجم عن تدهور أسعار النفط بسبب جائحة كورونا.

هناك ثلاث اهداف رئيسية تنشدها الحكومة العراقية بخفض قيمة الدينار العراقي امام الدولار، تبرز بوضوح من خلال ايضاحات وصريحات واجوبة العديد من المسؤولين، بالإضافة الى البيانات الحكومية الصادرة من الجهات المختصة بهذا الشأن، والتي تمثل احلام الحكومة في معالجة الواقع الاقتصادي المتردي والذي تحمل الشارع تبعاته، ومثل كابوس يعذب المواطن البسيط ويحمله فوق طاقته وقدرته على التحمل، دون ان يحقق هذه الاحلام التي خططت لها وتمنت وهذه الاهداف كالآتي:-

1. محاولة خفض قيمة العجز المالي الكبير الناشئ في تقديرات ميزانية 2021 والذي بلغ حوالي (28.5) تريليون دينار، خصوصاً بعد انهيار أسعار النفط العالمية والزام العراق بتخفيض صادراته النفطية لحدود 2.8 مليون برميل يومياً اي بخاسرة مجملة وصلت لحدود مليون برميل يومياً.

2. وقف استنزاف احتياطياته الأجنبية بالحد من عمليات الاستيراد، من خلال احياء المنتج الوطني واعادته الى جو التنافس مع السلع والمواد المستوردة، حيث ان خفض العملة المحلية سترفع من اسعار السلع المستوردة والزيادة في كلف استيرادها.

3. المساعدة على تأمين رواتب الموظفين العموميين، حيث ان المدخلات المالية تكون بالدولار في حين ان سداد الرواتب يكون بالدينار العراقي، لذا فإن خفض قيمة العملة توفر اكثر من 20% من قيمة انفاقها على الرواتب، حيث يعتمد العراق في 95% من دخله على عائدات النفط.

ان خفض قيمة الدينار بهذا المعدل والذي يعد الأعلى منذ عام 2003 لا يحقق الأهداف المطلوبة والمعلنة لأنه وبكل بساطة لم تدعم بالقرارات اللازمة لمثل هذه الاهداف، وبالرغم من ان قرار خفض قيمة العملة احد اهم الخطوات المطلوبة لانعاش الوضع الاقتصادي في البلاد، لكن لا يمكن بأي حال من الاحوال ان نقف عند حدود هذا القرار السهل فقط متناسين باقي القرارات الصعبة التي طالما اغفلتها كل الحكومات العراقية المتعاقبة، وقد يتساءل القارئ الكريم عن هذه القرارات الداعمة والتي تجعل للإصلاح الاقتصادي معنى وهدف قابل للتحقيق وليست مجرد اهداف ورقية لايجني منها المواطن سوى الكلام، والجواب ان هذه القرارات كثيرة ومتشعبة ولكني في هذه المقالة سأعمد على مناقشة اهدافها من خفض قيمة الدينار ومن خلالها يستطيع القارئ معرفة هذه القرارات.

• ان محاولة تقليل نسبة العجز في الموازنة العامة من خلال استغلال الفرق بين السعرين هو التفاف حول السبب الحقيقي لهذا العجز وهو الفساد الإداري والمالي والهدر في المال العام، ويمكن تحقيق ذلك من خلال محاربة الفساد ومحاسبة المفسدين واسترداد الاموال المنهوبة والحد من هيمنة الاحزاب الفاسدة على مفاصل الدولة وسيطرة العصابات على المنافذ الحدودية وايقاف تهريب النفط وباقي الثروات الوطنية، وغيرها من الاجراءات التي تؤدي الى توفير أضعاف الاموال المتوقعة من خفض العملة الوطنية، وهذا امر لم يشاهده المواطن ولم يلمسه الا في الخطب الرنانة التي لا تساوي ثمن الورق الذي كتب عليه.

• أن الامل بدفع المنتج المحلي لمنافسة المنتجات المستوردة من خلال خفض العملة المحلية واهمال احياء هذا المنتج الذي لم يعد له وجود امر يدعوا الى الحيرة، وحتى لو افترضنا وجود الصناعة الوطنية وبمستويات لا بأس بها فإن المنتج المحلي سيبقى بعيداً عن منافسة السلع المستوردة من الخارج لان معظم الدول التي يستورد منها التاجر العراقي قيمة عملتها متدنية جداً وستبقى من الناحية السعرية اقل من الانتاج المحلي وكل ما في الامر انها ستصبح أغلى من السابق، مع ملاحظة وجود 54 ألف مشروع مسجل في الاتحاد الصناعات العراقية، وكذلك 21 ألف مشروع لدى مديرية التنمية الصناعية، توقف نحو 90% من هذه المشاريع الحيوية، بسبب عدم المقدرة على المنافسة، وعدم وجود بيئة أعمال آمنة، وبنى تحتية مثالية مثل المدن الصناعية. فيحتاج اعادة احيائه الى جملة من القرارات والى ارادة ورغبة حقيقية من قبل الادارة السياسية للبلاد ولايكفي قرار منفرد وغير مدعم بالإرادة الفعلية للإصلاح واعادة البناء.

• ان فرق السعرين مابين السعر السابق والحالي للدينار ازاء الدولار واستغلاله لتخفيض رواتب الموظفين بصورة عملية، سيترك بلا شك اثاراً تضخمية تؤدي على الفور إلى رفع أسعار السلع، مما يضر بمستويات المعيشة، ليس للموظف فقط بل لكل العمال والكاسبين واصحاب الورش الذين هم اصلا يعانون الاهمال والبطالة وشحة العمل، وسيدفع هؤلاء المساكين ثمن الفساد والهدر بالمال العام منذ سنوات طويلة ولغاية الان، لذا فإن الدينار الأرخص سيترك العراقيين في زاوية الفقر التضخمي يشعرون بالفقر بدون أي فائدة تذكر للاقتصاد.

لعل قرار بمستوى وحجم خفض قيمة العملة الوطنية لايتم اتخاذه بشكل جزئي بل يجب ان يتقدمه مجموعة من القرارات الممهدة ويعقبه حزمة قرارات داعمة تضع في اعتبارها ان خفض قيمة العملة ليس المستهدف من القرار بل ان الهدف الحقيقي هو دعم الاقتصاد العراقي واعادة دفع لعجلة الانتاج العراقي المتوقف منذ عقدين، لكن هذا لم يتم وانما اعتمد القرار بشكل جزئي وكأن الهدف هو خفض قيمة الدينار الذي يؤدي بشكل مباشر الى خفض رواتب الموظفين على اعتبار تراجع القيمة الشرائية للعملة.

مع ملاحظة ان البلاد لا تمتلك سوى قاعدة تصنيع صغيرة بعد اهمال الصناعة والزراعة والتوجه الى السلع المستوردة لسد واشباع احتياجات السوق والمواطن العراقي، حيث ان كل هذه السلع والمنتجات يتم استيرادها بالدولار فلم نشاهد اي قرار حقيقي لدعم الانتاج المحلي (الذي لايزال مغيب وفي طي النسيان) ولم نجد فرض ضرائب ورسوم على مواد كاملة الصنع يمكن صناعتها داخل البلاد ولم نشاهد محاولات حقيقية للحفاظ على العملة داخل البلاد ومنع تسريبها للخارج سواء عن طريق التهريب او عن طريق الاستيراد الجنوني والمبالغ فيه، وانما الاكتفاء بقرار يتيم يحقق هدف اقتصادي آني ومرحلي، لا يحقق سوى استمرار الهدر والفساد واستمرار معاناة الشعب.

اضف تعليق