تمثل السياسة المالية الساعد الايمن للسياسة الاقتصادية في تحقيق الاهداف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في معظم بلدان العالم لما لها من تأثير مباشر على المتغيرات الكلية في الاقتصاد. فضلا عن كونها الاداة الاكثر نجاعة في توجيه مسار النشاط الاقتصادي باتجاه يعاكس مسارة الدورة الاقتصادية وتحقيق النمو والاستقرار الاقتصادي، كما حدث في اعقاب تفشي فيروس كورونا وما ترتب عليه من اغلاق كبير طال معظم بلدان العالم وأنذر بركود عميق لولا حزم التحفيز المالي وبرامج الرعاية الصحية التي وفرتها السياسات المالية التوسعية في معظم بلدان العالم.

في العراق تتعاظم اهمية السياسة المالية نظرا لدورها المحوري في تحقيق النمو والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. لذا كان تطوير وترشيد السياسة المالية في مقدمة محاور خطة التنمية الوطنية للمدة (2018-2022). وقد تضمنت الخطة المذكورة عدة جوانب تركز على تصحيح السياسة المالية عبر اهداف عدة كان في مقدمتها تصحيح هيكل الانفاق العام من خلال رفع نسبة الانفاق الاستثماري من اجمالي الانفاق العام على حساب تقليص النفقات الجارية الاخذة بالزيادة بشكل خطير منذ العام 2003.

مع ذلك لم يتحقق هذا الهدف منذ اطلاق الخطة وحتى الان. فقد هبطت نسبة النفقات الاستثمارية من (26.6%) عام 2017 الى قرابة (24%) عامي 2018 و2019 اما العام 2020 فلم تقر الموازنة الاتحادية نظرا لانهيار اسعار النفط وتراجع الايرادات النفطية بشكل حاد اضطر الحكومة الى الاقتراض الداخلي بقرابة (27) ترليون لتمويل النفقات الجارية، وبشكل خاص بند الرواتب وبعض النفقات الضرورية.

وفي موازنة 2021، ورغم دعوات الاصلاح وما تضمنته الورقة البيضاء من اجراءات لتصحيح هيكل واتجاه السياسة المالية، مارست الاوضاع السياسية ومتطلبات الموسم الانتخابي المبكر ضغوطا كبيرة على اعداد وتمرير الموازنة الاتحادية بعيدا عن جهود الاصلاح والتصحيح المالي المأمول. حيث انخفضت النفقات الاستثمارية الى قرابة (17%) من اجمالي النفقات العامة في النسخة الاولى من الموازنة، ليعاد تصحيح هذه النسبة وترفع الى قرابة (22%) لاحقا في النسخة الاخيرة التي صوت عليها البرلمان العراقي. وهي نسبة متواضعة ولا تناسب الجهد التنموي المطلوب لتطوير البنية التحتية وتحفيز الاستثمار والنمو الاقتصادي في البلد.

اما الهدف الثاني لخطة التنمية الوطنية (2018-2022) فقد تركز على تنويع هيكل الايرادات العامة وزيادة حصيلة الايرادات غير النفطية، لأجل تحقيق الاستقرار في تدفقات الايرادات العامة وعزل تأثير الصدمات الخارجية، عبر قناة الايرادات النفطية، عن الاقتصاد والموازنة العامة. وقد استهدفت الخطة توسيع وتنويع مصادر الضريبة في البلد. مع ذلك، تفصح البيانات عن اخفاق الجهود الحكومية في تحقيق هذا الهدف ايضا، فقد ارتفعت نسبة مساهمة الايرادات النفطية من (87%) عام 2017 الى قرابة (90%) عامي 2018 و2019، والى قرابة (80%) في موازنة 2021. ولا يعود الانخفاض النسبي الاخير الى تعظيم الايرادات غير النفطية بقدر ما يعود الى هشاشة الايرادات النفطية وامكانية انخفاضها بشكل كبير، خصوصا اذا كرر اقليم كوردستان سيناريو موازنة 2019 بعدم تسليم الايرادات النفطية المتفق عليها الى بغداد.

اما الهدف الثالث فقد ركز على مواجهة العجز الحقيقي في الموازنة العامة للدولة، ورغم تمكن حكومة حيدر العبادي من قلب العجز الى فائض في الموازنة العامة بعد ان تحول الموقف المالي من عجز قارب (25) ترليون دينار عام 2017 الى فائض فاق (6) ترليون دينار عام 2018، الا ان العجز عاود الظهور في الموازنة العامة وبشكل كبير عام 2019 ليصل الى اكثر من (27) ترليون دينار.

اما العام 2020 ورغم عدم اقرار الموازنة الا ان الحكومة حققت عجزا في تمويل نفقاتها نتيجة تراجع ايرادات النفط بشكل حاد مما ارغم البرلمان العراقي على تشريع قانون الاقتراض الاول بقرابة (15) ترليون دينار وقانون الاقتراض الثاني بقرابة (12) ترليون دينار لتمويل الرواتب وبعض النفقات الضرورية، مما زاد من حجم الدين الداخلي من (38) ترليون عام 2019 الى اكثر من (66) ترليون دينار عام 2020 وبنسبة زيادة سنوية فاقت (73%). اما موازنة العام 2021 فلم تخلو من العجز المالي، فقد تضمنت عجزا حكوميا قارب (28) ترليون دينار.

وتضمن الهدف الرابع والاخير لخطة التنمية الوطنية رفع معدلات الادخار الخاص وذلك عبر التنسيق مع السياسة النقدية لاستحداث اوعية جديدة لاستقطاب المدخرات الصغيرة وتوجيهها نحو الاستثمارات عبر مشروع توطين رواتب موظفي القطاع العام.

وترصد خطة التنمية الوطنية جملة من التحديات التي تواجه تحقيق اهداف السياسة المالية لعل ابرزها:

1- اختلال بنية الانفاق العام لصالح النفقات التشغيلية وعلى حساب النفقات الاستثمارية مما يولد زيادة في مستويات الطلب الكلي ويضعف معدلات النمو والتنويع الاقتصادي.

2- استمرار هيمنة الايرادات النفطية على اجمالي الايرادات العامة كمصدر رئيس لتمويل الموازنات الاتحادية.

3- تذبذب اسعار النفط في الاسواق العالمية وما يخلفه من ضعف في استقرارية المالية العامة.

4- غياب البيئة الاستثمارية المناسبة.

5- استمرار الاعتماد على المنهج التقليدي (موازنة البنود) في اعداد الموازنات العامة في العراق، مما جعل بنود الموازنة بعيدة عن الرؤية التخطيطية ذات البعد الاستراتيجي.

كشفت التجربة الاقتصادية في العراق ضعف الادارة الحكومية في ادارة الموارد المالية التي تحققت طيلة السنوات الماضية نتيجة هيمنة الاحزاب السياسية على عملية صنع القرار الاقتصادي والصراع بين الكتل والاحزاب السياسية على السلطة والمال في البلد.

ورغم ما تضمنته خطط واستراتيجيات التنمية الاقتصادية المعدة من قبل وزارة التخطيط من رصد للتحديات والمشاكل الاقتصادية، وسياسات وحلول قصيرة ومتوسطة وطويلة الاجل لتنويع الاقتصاد والنهوض بالبنية التحتية وتحفيز الاستثمار ودعم القطاع الخاص وخلق فرص عمل للجميع، الا ان غياب عنصر الالزام بما تضمنته تلك الخطط جعل منها حبرا على ورق بعيدا عن دائرة القرار والتنفيذ.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2021
www.fcdrs.com

اضف تعليق