بقلم: سيلستين مونغا

كمبريدج ــ بينما يستعد العالم لحقبة ما بعد الجائحة، أصبح السعي إلى تحقيق النمو الاقتصادي المستدام حثيثا على نحو متزايد ــ وخاصة في البلدان النامية. من المغري أن ندعو هذه البلدان ــ المحرك الرئيسي للنمو العالمي في العقود الأخيرة ــ إلى تحويل استراتيجياتها الإنمائية من التصنيع إلى الخدمات. فبفضل التكنولوجيات الجديدة بات من الممكن على نحو متزايد إنتاج الخدمات وتداولها تماما مثل السلع، حتى أن بعض الاقتصاديين ينصحون الاقتصادات المنخفضة الدخل الآن بتخطي مرحلة التصنيع في التنمية بالكامل والانتقال مباشرة من الزراعة التقليدية إلى "سلم النمو المتحرك الصاعد" المتمثل في الخدمات.

ينبع الاعتقاد بأن الخدمات تمثل عصا سحرية للبلدان النامية جزئيا من الدراسات التجريبية التي أظهرت أن التجارة في الخدمات تزايدت بوتيرة أسرع من التجارة في السلع المصنعة منذ عام 2000، وبشكل خاص منذ عام 2011. ثم تسبب ارتباك سلاسل القيمة العالمية نتيجة لجائحة مرض فيروس كورونا 2019 (كوفيد-19) في تعزيز هذا الاعتقاد.

علاوة على ذلك، تعمل التكنولوجيات الجديدة مثل شبكات الجيل الخامس من الاتصالات والحوسبة السحابية على تفتيت عمليات الخدمات وفتح إمكانات جديدة لنقل الأنشطة العالية الأجر والمكلفة إلى الخارج. وتدفع هذه الاتجاهات ما يسمى "التفكيك الثالث"، حيث تصبح بعض الخدمات غير القابلة للتداول في السابق قابلة للتداول. ومع انخراط أكبر اقتصادات العالم في حروب الرسوم الجمركية والتراجع الحاد الذي طرأ على التجارة العالمية، ينظر كثيرون إلى الخدمات باعتبارها المحرك الأكثر ملاءمة للنمو وتشغيل العمالة، لأنها يمكن تحويلها رقميا ولأنها أقل عُـرضة للتأثر بالجمارك وغير ذلك من الحواجز اللوجستية.

لكن هذا الإيمان الأعمى بالنمو الذي تقوده الخدمات وهم بالغ الخطورة، والحجج التي تدعمه معيبة للغاية.

بادئ ذي بدء، ينبغي لنا أن نضع الاتجاه الهابط في نسبة التجارة العالمية إلى الناتج المحلي الإجمالي خلال العقد الأخير في منظوره الصحيح: تُـظـهِـر دراسة أجراها جيوفاني فيديريكو وأنطونيو تينا جونجويتو أنه على الرغم من معاناة التجارة العالمية في الأغلب من تراجعات مؤقتة منذ عام 1800، فإن الاتجاه الأساسي الثابت كان في صعود. كانت التجارة والعولمة في مجمل الأمر من الأسباب التي جعلت العالم أكثر ثراء، وسوف تستمران بوصفهما من أكثر الطرق جدارة بالثقة إلى الرخاء والسلام العالميين.

ثانيا، يظل التصنيع ــ وليس الخدمات ــ المحرك الأساسي للنمو العالمي. صحيح أن الإبداع في مجال التكنولوجيا الفائقة يطمس الخطوط الفاصلة بين أنظمة الإنتاج المادية والرقمية الجديدة، كما يعمل على تغيير الحدود التقليدية بين الزراعة، والصناعة، والخدمات. على سبيل المثال، تسمح التطورات الجديدة في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات للمزارعين التقليديين في مختلف أنحاء العالم بالاتصال بسلاسل القيمة العالمية في الإنتاج والخدمات الصناعية الزراعية.

لكن هذه التغيرات لا تبدل حقيقة مفادها أن التصنيع لا يزال يشكل أهمية قصوى في السعي إلى تحقيق الازدهار الاقتصادي. تفتح الثورة الرقمية في الأساس فرصا جديدة لتسريع عجلة الإبداع والابتكار وتعزيز محتوى القيمة المضافة لناتج التصنيع. يُـظـهِـر تقرير حديث صادر عن منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية أن القيمة المضافة في التصنيع العالمي حققت نموا سنويا بلغ 3.1% في المتوسط في الفترة من 1991 إلى 2018، وهذا أعلى قليلا من متوسط معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الذي بلغ 2.8%. ونتيجة لهذا، ازدادت مساهمة التصنيع في نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي من 15.2% في عام 1990 إلى 16.4% في عام 2018.

ثالثا، لا تتجاوز القيمة الحالية للتجارة العالمية في الخدمات ثلث قيمة السلع المصنع، حتى برغم أن الخدمات تمثل 75% من الناتج المحلي الإجمالي ونحو80% من تشغيل العمالة في بلدان منظمة التعاون الاقتصادي التنمية. تُـعَـد حصة الاقتصادات المتقدمة الأكبر في تشغيل العمالة في الخدمات القابلة للتداول خطوة منطقية ببساطة في عملية الترقية الصناعية والتحول البنيوي، كما تعكس ميزتها النسبية في كونها قريبة من الحدود التكنولوجية واعتمادها بشكل أساسي على العمالة الماهرة نسبيا ورأس المال المالي.

على النقيض من هذا، تتمثل الميزة النسبية للبلدان النامية في العمالة المنخفضة التكلفة، ولا ينبغي لها أن تسعى إلى محاكاة استراتيجية النمو القائم على الخدمات الرائجة في الاقتصادات المتقدمة دون امتلاك قاعدة المهارات اللازمة لدعمها. وليس من الحكمة أن يحاول صناع السياسات من بوليفيا إلى بوروندي إلى بوتان محاكاة النمو الذي تقوده الخدمات في سويسرا لمجرد أن بلدانهم أيضا غير ساحلية.

علاوة على ذلك، يظل الادعاء بأن التصنيع سيخلق فرص عمل أقل من تلك التي كان يخلقها في الماضي لأن الروبوتات تحل محل العمالة البشرية على نحو متزايد قائما على الحدس والظن. فبرغم أن التشغيل الآلي (الأتمتة) سيتسبب في إزالة عدد ضخم من الوظائف، فمن المرجح أيضا أن يعمل على خلق صناعات ووظائف جديدة في أنشطة أكثر مهارة. وبمجرد أن نضع في الحسبان التأثيرات غير المباشرة على امتداد سلسلة القيمة، يتبين لنا أن الزيادة في مخزون الروبوتات المستخدمة في التصنيع العالمي يخلق فرص العمل في حقيقة الأمر، ولا يدمرها. علاوة على ذلك، في المواقف حيث يؤدي التقدم التكنولوجي وانتشار الذكاء الاصطناعي إلى البطالة واتساع فجوة التفاوت، تستطيع السياسات العامة السليمة (مثل الضرائب غير المشوهة المفروضة لتعويض أولئك الذين يخسرون وظائفهم) التصدي لهذه التأثيرات السلبية.

رابعا، تعكس مكانة الخدمات كمصدر رئيسي للنمو في العديد من البلدان النامية (على الأقل وفقا لإحصاءات المحاسبة الوطنية الرسمية) في الأساس إخفاقات استراتيجيات التصنيع التي لم تتوافق مع الميزات النسبية لهذه الاقتصادات، فضلا عن الطابع غير الرسمي المفرط في الزراعة التقليدية والأنشطة غير المنتجة نسبيا. وربما تساعد الخدمات المنخفضة المهارة العديد من الناس على الإفلات من براثن الفقر المدقع، لكنها ليست محركات يمكن التعويل عليها للنمو والتنمية الاقتصادية المستدامة.

من المؤكد أن خدمات الأعمال القابلة للتداول (بما في ذلك خدمات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والوساطة المالية، والتأمين، والخدمات المهنية والعلمية والفنية والطبية) يمكن أن توفر الفرص للتكامل العالمي القائم على الخدمات بسبب الفوارق الضخمة في الأجور بين البلدان. ولكن مرة أخرى، لن يحدث هذا إلا عندما تعمل البلدان النامية على تحسين قاعدتها من رأس المال البشري ــ وهي عملية طويلة الأمد ومكلفة.

على نحو مماثل، يفتح ظهور تكنولوجيات الإنتاج الرقمي المتقدمة (بما في ذلك الروبوتات، والذكاء الاصطناعي، والتصنيع الإضافي، وتحليل البيانات) إمكانات جديدة في الخدمات مثل التطبيب عن بُـعـد وتشغيل الروبوتات عن بُـعـد. لكن هذه الأنشطة تتطلب أيضا توفر العمال من ذوي المهارات العالية، ومن المؤسف أن أنظمة التعليم ونتائجه في معظم البلدان النامية تمنع قسم كبير من قوة العمل من المنافسة بنجاح. ونظرا لهذه القيود، فإن دعوة هذه الاقتصادات حيث رأس المال البشري ضعيف إلى تجاوز مرحلة التصنيع تشكل وصفة أكيدة إلى المزيد من العمل غير الرسمي والفقر.

في البلدان الأكثر فقرا، يظل التصنيع يمثل السبيل الرئيسي إلى التنمية الناجحة. فهو يحقق نموا أعلى في الإنتاجية، ويبني ويعزز المهارات والقدرات التي تحتاج إليها البلدان لتأمين مكانة تنافسية في الاقتصاد العالمي. كما تسمح التكنولوجيات الجديدة للقادمين المتأخرين ببناء شركات تصنيع مستدامة بيئيا. باختصار، ينبغي للبلدان النامية أن تتجاهل التقارير التي تتحدث عن زوال التصنيع باعتباره المفتاح إلى الرخاء في المستقبل. الحق أن الخدمات المتطورة من الممكن ــ بل يجب ــ أن تنتظر.

* سيلستين مونغا، المدير الإداري السابق لمنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية ومستشار اقتصادي أول سابق في البنك الدولي، وأستاذ زائر للسياسة العامة في كلية جون إف كينيدي للإدارة الحكومية بجامعة هارفارد. وهو مؤلف مؤخرًا دليل أكسفورد للتحول الهيكلي والمؤلف المشارك (مع جاستن ييفو لين) "التغلب على الصعاب: انطلاق سريع للبلدان النامية".
https://www.project-syndicate.org

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1