تتسع صدوع التداعيات الاقتصادية لجائحة كوفيد-19 مع استمرار تفشي فيروس كورونا في كافة بلدان العالم وتجاوز اجمالي الاصابات (18) مليون مصاب حول العالم. ورغم انتهاج سياسات اقتصادية مضادة للركود الاقتصادي الناتج عن اجراءات الحجر والسلامة الصحية لعكس اتجاه الدورة الاقتصادية في البلدان المتقدمة، الا ان مضاعفات "الاغلاق الكبير" غير قابلة للاحتواء قبل التوصل للقاح ناجع يكون في متناول جميع بلدان العالم.

ومن أبرز التداعيات الاقتصادية المغمورة مصير العمالة الاجنبية والدخول التي يرسلها العاملون في البلدان الاجنبية من المهاجرين والعمالة المؤقتة الى البلدان منخفضة الدخل.

في هذا السياق تناولت دراسة حديثة للباحثين أنطوانيت ساييه ورالف شامي تحت عنوان" شرايين الحياة في خطر: جائحة كوفيد-19 تهدد بفقدان أحد مصادر الدخل الحيوية في البلدان الفقيرة والهشة" نشرها مؤخرا صندوق النقد الدولي في مجلة التمويل والتنمية عدد حزيران 2020. في هذه الدراسة تمثل تدفقات تحويلات العاملين في الخارج شريان حياة للدول منخفضة الدخل والهشة، حيث تسهم في دعم الأسر وتوفير الإيرادات الضريبية التي تحتاجها هذه الدول بصورة عاجلة في الوقت الراهن.

فقد بلغت تدفقات تحويلات العاملين بالخارج إلى هذه البلدان عام 2018 قرابة (350) مليار دولار أمريكي، وتمضي على مسار الوصول إلى (550) مليار دولار عام 2019 بحسب تقديرات البنك الدولي، لتتفوق بذلك على الاستثمارات الأجنبية المباشرة وغير المباشرة والمساعدات الأجنبية بوصفها أهم مصادر الدخل من الخارج على الإطلاق. ويُرجح أن يؤدي تراجع تدفقات تحويلات العاملين في الخارج إلى زيادة الضغوط الاقتصادية والمالية والاجتماعية على حكومات هذه البلدان التي تواجه فعلا صعوبات بالغة في التكيف مع تداعيات جائحة كورونا.

وتعد هذه التحويلات دخل خاص مضاد للاتجاهات الدورية، أي أنها تتدفق من خلال المهاجرين إلى البلد الذي يمثل مصدر الهجرة حال تعرضه لصدمة اقتصادية كلية، وهي تساهم بالتالي في تأمين أسر المهاجرين في بلدانهم الأصلية ضد صدمات الدخل، ومن ثم دعم استهلاكهم وتخفيف تقلباته. وتمول هذه التحويلات أيضا موازين المدفوعات وتعد رافدا للعملة الاجنبية، ومصدرا للإيرادات الضريبية لحكومات هذه البلدان. ووفقا لدراسات البنك الدولي فان العوامل الأساسية المحفزة على الهجرة متعددة، اهمها:

1- فجوات الدخل: اذ يبلغ متوسط دخل الفرد في بلد مرتفع الدخل قرابة (43) ألف دولار مقابل (795) دولارا في البلد منخفض الدخل، أي بنسبة (54 /1).

2- الاختلالات الديموغرافية: يتوقع ان يزيد عدد السكان الذين تبلغ أعمارهم سن العمل بين عامي (2018-2030) قرابة (552) مليون نسمة في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل. اما البلدان مرتفعة الدخل، يتوقع ان ينخفض عدد السكان الذين يبلغون سن العمل بمقدار (40) مليون شخص خلال نفس المدة.

3- تغير المناخ: اذ يهاجر ما يقارب (143) مليون شخص نتيجة تغير المناخ في بلدانهم.

4- الهشاشة والصراع والعنف: فقد تم تشريد قرابة (71) مليون شخص قسرا عام 2018، منهم قرابة (26) مليون لاجئ يطلبون اللجوء في بلدان أخرى بسبب بلدانهم الهشة.

انتقال الصدمات

تحويلات العاملين بالخارج هي عبارة عن تدفقات دخل تؤدي إلى تزامن الدورات الاقتصادية بين العديد من البلدان المتلقية والبلدان المرسلة. وخلال أوقات الرخاء، تعود هذه العلاقة بالكسب على الطرفين، حيث تتوفر للبلدان المضيفة القوة العاملة التي تحتاجها بصورة ماسة لدعم اقتصاداتها، كما يتوفر للأسر في البلدان الأصلية للمهاجرين الدخل الذي تحتاجه بشدة. غير أن هذا الارتباط الوثيق بين الدورات الاقتصادية في البلدان المضيفة والبلدان المتلقية تنشأ عنه تداعيات سلبية محتملة.

فالصدمات التي تتعرض لها اقتصادات البلدان المضيفة للمهاجرين، كالصدمات الناجمة عن جائحة فيروس كورونا، يمكن انتقالها إلى اقتصادات البلدان المتلقية للتحويلات. فبالنسبة للبلد المتلقي الذي تمثل التحويلات الوافدة إليه ما لا يقل عن (%10) من إجمالي ناتجه المحلي السنوي على سبيل المثال، يرجح أن يؤدي تراجع فجوة الناتج (أي الفرق بين النمو الفعلي والممكن) بنسبة (1%) في البلد المضيف إلى تراجع فجوة الناتج في البلد المتلقي بنسبة (1%). وتمثل تحويلات العاملين في الخارج نسبة أعلى بكثير من (10%) من إجمالي الناتج المحلي في العديد من البلدان المتلقية للتحويلات لتصل الى (30%) كما في طاجكستان وهاييتي والنيبال.

ويتوقع ان تخلف جائحة كورونا ضربة قاسية لتدفقات تحويلات العمال قد يكون تأثيرها أسوأ مما جرى خلال الأزمة المالية لعام 2008 في وقت تحاول فيه البلدان الفقيرة مقاومة أثر جائحة كوفيد-19 على اقتصاداتها. فالعاملون المهاجرون الذين يفقدون وظائفهم سيرسلون تحويلات أقل إلى أسرهم، كما ستفقد البلدان المتلقية مصدرا مهما للدخل والإيرادات الضريبية في وقت حرج.

وتشير توقعات البنك الدولي إلى تراجع تدفقات التحويلات بحوالي (100) مليار دولار أمريكي في عام 2020، وهو ما يمثل انخفاضا بنسبة (20%) تقريبا عن مستواها عام 2019، وسيضغط ذلك بالفعل على الموازنة العامة وميزان المدفوعات وعلى قدرة هذه البلدان في خدمة وتمويل ديونها.

كذلك فان البنوك في البلدان المصدرة للعاملين تعتمد على تدفقات تحويلات العاملين بالخارج والمودعة لديها كمصدر منخفض التكلفة للتمويل، مما يهدد السيولة النقدية في هذه البنوك وضعف قدرتها على توفير الائتمان، سواء للقطاع الخاص أو لتمويل العجز الحكومي. وحتى القطاع الخاص الذي يواجه عادة صعوبة في الحصول على الائتمان، والذي يتكون في معظمه من أصحاب الأعمال الحرة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، قد يفقد التحويلات كمصدر اساس للتمويل. فضلا على القيود المتزايدة للحصول على الائتمان المصرفي. كما ستؤدي الأزمة إلى تراجع الطلب على ما يقدمه القطاع الخاص من خدمات ومنتجات.

ولن يقتصر الأمر على ذلك، فقد يؤدي استمرار الأزمة لمدة طويلة إلى تفاقم الضغوط في أسواق العمل في البلدان الغنية، وقد يفقد المهاجرون العاطلون عن العمل إقامتهم في البلدان المضيفة، ويضطرون للعودة إلى بلدانهم الأصلية. ففي دول الخليج، مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، التي تعتمد على العمالة المهاجرة من الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وجنوب شرق آسيا، قد يؤدي هبوط أسعار النفط وتراجُع مستويات النشاط الاقتصادي إلى عودة المهاجرين (الذين أصيب بعضهم بالفيروس بالفعل) إلى بلدانهم. ومن المرجح أن ينضم هؤلاء إلى صفوف العاطلين في بلدانهم الأصلية، في أسواق عمل تزخر بالشباب العاطلين، مما سيفرض مزيدا من الضغوط على النظم الصحية الهشة في هذه البلدان. ومن الممكن أن يؤدي ذلك إلى تفاقم الضغوط الاجتماعية في بلدان تفتقر بالفعل إلى الجاهزية لمواجهة الجائحة.

من جانب اخر، فان ما تسجله البلدان الغنية من معدلات إصابة أعلى بكثير من البلدان الفقيرة، وترتفع المعدلات خصوصا بين العاملين المهاجرين بسبب تردي الأوضاع التي يعملون ويعيشون بها. ومن المحتمل أن يجلب المهاجرون العائدون (قسرا) الفيروس إلى بلدانهم، وإذا ما حدث ذلك، ستصبح البلدان الفقيرة بيئة حاضنة يسيطر عليها الفيروس الذي سينتقل بانتقال اللاجئين الى بلدانهم الاصلية، وبالتالي لن يتخلص العالم من الفيروس إلا بعد مرور عدة عقود من الزمن.

ومقارنة بالأزمات الاقتصادية السابقة، تمثل هذه الجائحة تهديدا أكبر بالنسبة للبلدان التي تعتمد اعتمادا كبيرا على الدخل من تحويلات العاملين بالخارج. ونظرا للطبيعة العالمية لهذه الأزمة، فإن البلدان المتلقية لن تشهد توقفا في تدفقات التحويلات فحسب، بل ستنسحب منها تدفقات رأس المال الخاص أيضا، كما سيتراجع حجم المساعدات المقدمة لها من البلدان المانحة التي تكافح الجائحة بدورها. وجرت العادة على أنه عند هروب رؤوس الأموال الخاصة من بلد ما بسبب الصدمات الاقتصادية الكلية، سواء المرتبطة بالمناخ أو بتدهور معدلات التبادل التجاري للبلد، يكون لتدفقات التحويلات الوافدة دور في الحد من تأثير هروب رأس المال. ولكن في ظل الأزمة الحالية، يُتوقع أن تشهد البلدان الفقيرة الظاهرتين في آن واحد، هروب رأس المال وتراجع تدفقات التحويلات.

وفي ضوء احتمالية تأثر الطلب العالمي، سيكون من الصعب على البلدان المتلقية للتحويلات الخروج من الأزمة من خلال التصدير. ومن غير المتوقع أن يسهم تراجع قيمة العملة في تعزيز الطلب على صادراتها أو جذب السياحة نظرا لأن الصدمة الحالية تؤثر على النظام العالمي ككل. بل إن تراجع قيمة العملة سيؤدي على الأرجح إلى تدهور الوضع الاقتصادي في العديد من البلدان الهشة منخفضة الدخل التي تقوَّم ديونها بالعملة الأجنبية، مما سيكون له تأثير سلبي إضافي على الطلب المحلي وسيتسبب في مزيد من الانكماش في الأنشطة الاقتصادية المحلية.

ما العمل؟

العوامل المولدة للازمة الراهنة فريدة من حيث التشابك والتزامن، لما تولده من تشديد مالي، في الوقت الذي يتعين فيه على القطاع العام في البلدان الفقيرة القيام بالمزيد من البرامج الاجتماعية لحماية السكان من تداعيات الجائحة ودعم الأنشطة الاقتصادية المحلية من اجل التغلب على آثار الصدمات العكسية الحادة. وستؤدي خسارة الإيرادات الضريبية نتيجة تراجع الاستهلاك المدعوم بالتحويلات إلى تفاقم الصعوبات المفروضة على حكومات تفتقر إلى التمويل اللازم، وتقويض قدرتها على اتخاذ تدابير مالية مضادة للاتجاهات الدورية.

لذلك يتعين على المجتمع الدولي تقديم المساعدة بشكل عاجل، حتى وإن كانت البلدان الغنية نفسها تواجه أعباء مالية كبيرة. وتوجد ثلاثة إجراءات أساسية يتعين اتخاذها سريعا:

1- ينبغي أن تحافظ البلدان المضيفة على استقرار وظائف العاملين المهاجرين في اقتصاداتها. ويمكن أن يكون لبرامج الإنقاذ الموجهة لحماية وظائف المواطنين بالبلدان الغنية دور في مساعدة العاملين المهاجرين أيضا على الاستمرار في وظائفهم. وفي هذا السياق، طمأن رئيس وزراء سنغافورة مؤخرا العاملين المهاجرين في بلاده قائلا "سنعتني بصحتكم ورفاهتكم وسبل عيشكم، وسنتعاون مع أرباب الأعمال لضمان حصولكم على أجوركم حتى تتمكنوا من إرسال الأموال لبلدانكم... انطلاقا من واجبنا ومسؤوليتنا تجاهكم أنتم وتجاه أسركم". ويمكن للإجراءات التي تتخذها البلدان المضيفة المساعدة في استمرارية تحويلات العاملين بالخارج بوصفها شريانا للحياة، والحد من احتمالية عودة المهاجرين إلى بلدانهم. كما ان توفير الحماية للمهاجرين سيساعد الاقتصادات المتقدمة على استئناف الإنتاج بكامل طاقتها في وقت أقرب.

2- مساعدة البلدان التي تستقبل المهاجرين العائدين في احتواء موجات تفشي فيروس كورونا والتخفيف من حدة تفشي الوباء. اذ يجب على البلدان المانحة المساعدة في تحمل تكلفة التخفيف من آثار انتشار الفيروس للحد من وطأة الأزمة في الاقتصادات المحلية والوقاية من التداعيات المحتملة. ومن المرجح أن يفرض المهاجرون العائدون ضغوطا إضافية على نظم الرعاية الصحية في بلدان المصدر التي تكافح لاحتواء عدد الإصابات المحلية وتجنب إغلاق الأنشطة الاقتصادية المحلية. ويتعين على حكومات هذه البلدان زيادة عدد الاختبارات قدر الإمكان في المناطق الحضرية، ودعم تنفيذ الإجراءات اللازمة لعزل المهاجرين العائدين الذين تُحتمل إصابتهم.

3- نظرا لمحدودية الحيز المتاح للتصرف أمام حكومات البلدان الفقيرة، ستحتاج هذه البلدان إلى مساعدة المؤسسات المالية الدولية ومجتمع المانحين. ويتعين على المؤسسات المالية الدولية زيادة المساعدات المقدمة لدعم المالية العامة وميزان المدفوعات في هذه البلدان. وينبغي أن يشمل ذلك ضمان قدرة الفئات الأكثر عرضة للمخاطر في هذه البلدان، أي الفئات التي تعتمد بالدرجة الأكبر على تدفقات تحويلات العاملين بالخارج لسد احتياجاتها الاستهلاكية والحفاظ على مستواها المعيشي، على الاستفادة من برامج التأمين الاجتماعي. وربما يكون هذا الوقت الأنسب للتركيز على الهدف العاشر للتنمية المستدامة (الحد من اوجه عدم المساواة) وبذل جهود دولية لتحقيقه.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2020
www.fcdrs.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

19