في إطار المساعي الحكومية للتعايش مع انهيار اسعار النفط والاستمرار في تمويل النفقات الجارية، والرواتب بشكل خاص، أرسل مجلس الوزراء مشروع قانون الاقتراض المحلي والخارجي لتمويل العجز المالي للعام 2020 الى مجلس النواب لغرض اقراره. وتتكون مسودة مشروع الاقتراض المحلي والخارجي من مادتين، الأولى تنص على تخويل وزير المالية صلاحية الاقتراض المحلي والخارجي من خلال إصدار حوالات الخزينة والسندات المحلية وكذلك الاقتراض من المؤسسات المالية والبنوك الأجنبية لتمويل النفقات التي يوافق عليها مجلس الوزراء، اما الثانية فهي سريان هذا القانون لغاية نهاية السنة المالية 2020 أو لحين إقرار قانون الموازنة العامة الاتحادية.

وبعد القراءة الاولى والثانية لمشروع القانون المذكور، أرجأ مجلس النواب التصويت على مشروع قانون الاقتراض المحلي والخارجي اتساقا مع رأي اللجنة المالية في اشتراط تمرير مشروع القانون بتضمينه المبالغ المراد اقتراضها والتوقيتات الزمنية للسداد والجهات المستفيدة ومقدار الفائدة. وان تخصص نسبة لا تقل عن (25٪) من حجم الاقتراض للموازنة الاستثمارية لأجل انجاز المشاريع المتلكئة وتوفير فرص عمل للشباب العاطلين. وسبق ان وضعت اللجنة المالية شروطا على الحكومة لضمان التصويت على القانون اهمها:

1 ــ توظيف الاقتراض في مجالات مجدية اقتصاديا وليس من أجل تغطية النفقات الجارية.

2 ــ البحث عن سياسات وادوات مالية بديلة تعزز الجانب الاستثماري وتعمل على تحقيق النمو

3ــ تعظيم الموارد المالية من الايرادات غير النفطية لتقليص الاقتراض مستقبلًا.

4 ــ الاسراع في تقديم مشروع قانون الموازنة العامة لعام 2020.

منذ سنوات طويلة اطرت المزايدات السياسية طابع الجدل بين الحكومة الاتحادية ومجلس النواب بحجة مراعاة المصالح الوطنية العليا والدفاع عن حقوق المواطن وانفاذ القانون. لذا لا يمكن التعويل ابدا على المواقف السياسية المتقلبة في قراءة القضايا الاقتصادية والمالية للبلد. ان صعوبة الازمة المالية الراهنة واقع تفرضه الارقام، ففي بلد ينكشف على النفط في تمويل الموازنة بنسبة تفوق (90%)، يشكل تراجع الاسعار والايرادات النفطية الى أكثر من (75%) صدمة مالية حادة، خصوصا مع اساسيات للإنفاق الجاري لا تقل عن (7) ترليون دينار وفق تصريحات وزير المالية الاخيرة، وايراد نفطي قارب (2.5) ترليون دينار لشهر ايار الماضي، وهو ما يغطي بالكاد ثلث النفقات الحكومية الجارية.

مع ذلك ينبغي الالتفات الى اهمية الاستفادة من الازمة لما توفره من مظلة لتمرير سياسات اصلاح مالي واقتصادي طال تأجيلها باستمرار لمصالح سياسية وحزبية من جهة ولتعافي اسعار النفط وتوفر الايرادات من جهة اخرى. ومن اهم تلك السياسات الاصلاحية ما يلي:

1- ضبط وتقليص كافة بنود النفقات الجارية وتشذيب جوانب الهدر والفساد المقدر بثلث الموازنة الجارية.

2- اعادة النظر باليات الصرف والتنفيذ التي اطرت النفقات الاستثمارية طيلة السنوات السابقة.

3- السيطرة على ايرادات المنافذ الكمركية الضائعة والمقدرة بـ(2) مليار دولار شهريا بسبب هيمنة مافيات الاحزاب والكتل السياسية على حركة البضائع منذ العام 2003.

4- تحصيل الايرادات الحكومية المفقودة من اجور ماء وكهرباء للمؤسسات والافراد لتمويل هذه القطاعات وضمان استمرارها في تقديم الخدمات للمواطن وعدم التأثر بالأزمة المالية.

5- تحصيل الديون الحكومية المستحقة على شركات الاتصال وغيرها من المؤسسات العاملة في العراق.

6- تشكيل لجنة عليا من قضاة ومختصين لتحديد اليات مناسبة لاسترداد وتعظيم ايرادات املاك الدولة.

7- استرجاع الديون الحكومية التي بذمة اقليم كردستان نتيجة سنوات طويلة من الاستحواذ على ايرادات العراق من النفط المهرب وايرادات المنافذ الكمركية رغم الاستفادة الكاملة من الموازنة الاتحادية في تمويل نفقات ورواتب الاقليم.

اللجوء الى الاقتراض

لا ينكر أحد عمق الازمة المالية الراهنة وصعوبة الخيارات المتاحة لتمويل العجز الحكومي، الا ان اللجوء الى الاقتراض ينبغي ان يكون الخيار الاخير بعد سياسات جريئة لضبط الانفاق وتعظيم الايرادات غير النفطية، وهي غزيرة إذا ما توفرت الارادة والنزاهة والاستقلالية لدى حكومة السيد الكاظمي.

كما ينبغي ان يتركز الاقتراض الحكومي صوب الاقتراض الداخلي ولعدة اسباب؛ اولها: ان الاسباب الموجبة لقانون الاقتراض الخارجي هي تراجع اسعار النفط، وهذا التراجع غير مفاجئ ويتعايش العراق معه منذ سنوات بسبب تقلبات اسعار النفط انخفاضا وارتفاعا، وبالتالي لا ضرورة لرهن موارد البلد الاقتصادية والمالية للخارج بسبب تقلب اسعار النفط، خصوصا مع التعافي النسبي للأسعار وتجاوزها حاجز 40 دولار للبرميل مؤخرا، بسبب التزام كبار منتجي النفط بضبط الانتاج وبدء النشاط الاقتصادي العالمي بالتعايش مع جائحة كورونا وتحريك القطاعات الاقتصادية، وقطاع النقل بشكل خاص، تدريجيا. ويكمن السبب الثاني في حاجة الموازنة الاتحادية الى سيولة بالعملة الوطنية لتجسير فجوة التمويل لحين تعافي الاسعار وتعظيم الموارد المالية الاخرى للحكومة. واخيرا يعد الركون الى الاقتراض الخارجي حاليا رهن لمصير العراق الى ارادات دولية وتهديد خطير لأمنه السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

بدلا من ذلك، يمكن اعتماد الاقتراض الداخلي عبر المصارف العراقية الحكومية (الرافدين والرشيد والمصرف العراقي للتجارة) وغيرها من المصارف الخاصة وسيقوم البنك المركزي بدعم هذه المصارف لتمويل الموازنة العامة كما حدث عام 2016 وعام 2017. ويمكن كذلك اقناع الافراد والمؤسسات المالية على تمويل جزء من الديون الحكومية مقابل الحصول على سندات وطنية بفوائد وتسهيلات مغرية لضمات التسويق الداخلي للسندات الحكومية.

اما بخصوص الاقتراض الخارجي، لا ينبغي اللجوء اليه في الوقت الراهن الا في حدود ضيقة، كالموافقات التي مُنحت لوزير المالية في الاجتماع الاخير لمجلس الوزراء على التفاوض والتوقيع على قروض المشاريع الاستثمارية، استنادا الى أحكام المادة (80/ سادسا) من الدستور، بشرط ضمان كفاءة ونزاهة عمليات الصرف والتنفيذ لهذه المشاريع. وقد كرست جل القروض المقترحة لتمويل مشاريع دعم الطاقة الكهربائية وقطاع الصحة في العراق.

1- قرض مشروع تنفيذ وإكمال (8) وحدات تبريد توربينية، والتجهيز والإشراف على (32) وحدة تبريدية أخرى بمبلغ مقداره (70800000) يورو، فقط سبعون مليونا وثمانمائة الف يورو، من شركة سيمنس الألمانية لصالح وزارة الكهرباء، بتمويل من كومبرز بنك الألماني، وبضمانة مؤسسة ضمان الصادرات الألمانية ( Hermes).

2- قرض مشروع تنصيب وتركيب وتشغيل (9) توربينات غازية لمحطة كهرباء واسط بمبلغ مقداره (362000000) يورو، فقط ثلاثمائة واثنان وستون مليون يورو من شركة سيمنس الألمانية لصالح وزارة الكهرباء، بتمويل من بنك ستاندرد جارترد وبضمانة من مؤسسة ضمان الصادرات السويدية EKN.

3- قرض مشروع إعادة تأهيل البنى التحتية للخدمات الصحية بمبلغ مقداره ( 185000000) يورو، فقط مائة وخمسة وثمانون مليون يورو، لصالح وزارة الصحة، بتمويل من بنك التنمية الألماني KFW.

4- قرض مشروع إعادة تأهيل البنى التحتية لكهرباء المرحلة الثانية بمبلغ مقداره (400000000) يورو، فقط اربعمائة مليون يورو، لصالح وزارة الكهرباء، بتمويل من بنك التنمية الألمانيKFW.

5- قرض مشروع الصيانة السنوية المتعددة / المرحلة الرابعة بمبلغ مقداره (120000000) دولار، فقط مائة وعشرون مليون دولار، الذي تنفذه شركة GE الأمريكية بتمويل من أحد البنوك الدولية، وبضمانة وكالة ضمان الصادرات البريطانية UKEF.

6- قرض مشروع تأهيل محطة كهرباء بابل 400 KV بمبلغ مقداره (38000000) يورو، فقط ثمانية وثلاثون مليون يورو، الذي تنفذه شركة ABB السويدية، بتمويل من بنك JP MORGAN، وبضمانة مؤسسة ضمان الصادرات السويدية EKN.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2020
www.fcdrs.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

6