يعد التخبط والغموض الاعلامي أحد خصائص الحكومات العراقية ما بعد 2003، فما تفصح عنه اللجان البرلمانية تنفيه الحكومة وتتحفظ عليه المؤسسات والوزارات المعنية. هذا ما يحدث تماما هذه الايام فيما يخص رواتب الموظفين وامكانية تأمينها بشكل تام عام 2020.

فقد ادى تراجع الايرادات النفطية العراقية الى دون الربع (من 6 مليار شهر شباط الى اقل من 3 مليار شهر اذار والى قرابة 1.4 مليار دولار شهر نيسان الماضي) الى قلق شعبي كبير من امكانية نجاح الحكومة في دفع رواتب الموظفين والمتقاعدين بشكل كامل، والاستمرار في برامج الحماية الاجتماعية والاعانات الانسانية وغيرها من النفقات الضرورية لتحسن المستوى المعاشي للطبقات الهشة.

ولا شك ان الوضع الاقتصادي العام يمر بأزمة اقتصادية حادة لم يشهدها العالم من قبل، ويرجح استمرار التراجع الاقتصادي العالمي لنهاية العام 2020 مع استمرار تصاعد حالات الاصابة بفايروس كورونا في العالم وتخطيها حاجز 3 مليون اصابة حول العالم تتركز في الدول المتقدمة التي تعد قاطرة للنشاط الاقتصادي العالمي. وينذر استمرار التراجع الاقتصادي العالمي واجراءات الحجر الصحي بهبوط مستمر في الطلب العالمي على النفط وبالتالي ضعف فرص تعافي الاسعار في الامد القصير.

في العراق فان الادارة الحكومية الفاشلة للملف الاقتصادي طيلة السنوات الماضية كانت فاتورة باهظة على المواطن دفعها في كل ازمة اقتصادية ومالية تضرب العالم. فقد اتسمت السياسة الاقتصادية في العراق بثلاث خصائص اساسية:

اولا: الادمان على النفط وعدم تفعيل القطاعات غير النفطية والتحوط من تقلبات اسعار النفط رغم تكرارها.

ثانيا: انعدام السياسات الاستباقية (الوقائية) للازمات المالية والاقتصادية، والاكتفاء بردود الافعال فقط حين تحدث الازمات، وعدم الاستفادة من التجارب السابقة او الدراسات التنبؤية.

ثالثا: اعتماد سياسات اقتصادية عكسية (مقلوبة) لمواجهة الازمات المالية والاقتصادية.

في هذا المقال سنركز فقط على النقطة الثالثة، كونها تحاكي واقع الاقتصاد العراقي الذي يمر بأزمة مالية واقتصادية حادة بحاجة لسياسات مناسبة لتفادي الانزلاق الى انهيار اقتصادي تام او الدخول في ركود تضخمي يصعب تجاوز اثاره في الامد القصير وحتى المتوسط.

جائحة كورونا ومعدلات الطلب الكلي

خلفت جائحة كورونا اثارا اقتصادية انكماشية بسبب عمليات الحجر وغلق المصانع وتوقف حركة النقل والسياحة في مختلف بلدان العالم. وقد ادى ذلك الى انخفاض الطلب العالمي على النفط، وتزامن ذلك مع ضعف تنسيق اوبك وشركائها في تقليص معدلات الانتاج بشكل مناسب لتفادي انهيار اسعار النفط.

هذا الواقع ادى الى تراجع ايرادات النفط العراقية الى دون المستويات التي تطبعت عليها الموازنات العراقية منذ سنوات. اذ ان موازنة العام 2020 بنيت على سعر 56 دولار للبرميل، مع ذلك فان العجز المخطط كان 50 ترليون دولار. الان ومع اقتراب الاسعار من 20 دولار للبرميل ينبغي التعايش مع سعر نفط منخفض لسببين: الاول ان العراق لم ينشأ صندوق سيادي (رغم مناشدة الخبراء والمختصين) زمن الوفرة المالية لامتصاص ازمات هبوط اسعار النفط في مثل هذه الاوقات كما فعلت دول الخليج. والسبب الثاني لان الحكومة لم تُفعل الايرادات غير النفطية رغم المناشدات العريضة والمستمرة من قبل الخبراء والمختصين تحسبا للتقلبات المستمرة في اسعار النفط العالمية.

السؤال المطروح هل ينبغي على الحكومة الان خفض رواتب الموظفين لتجاوز الازمة الراهنة؟

تمر مختلف بلدان العالم بأوضاع مالية واقتصادية صعبة نتيجة لتداعيات فايروس كورونا، ورغم ان خفض الرواتب والمعاشات من أسهل الحلول على الحكومات، الا ان معظم بلدان العالم لم تلجا لهذا الحل ولعدة اسباب اهمها عدم اثقال كاهل المواطن الذي يمر بأزمة صحية خطيرة واضافة أزمة اقتصادية ومالية قد تزيد الامور سوءا. وايضا لان النظرية الاقتصادية توصي بضرورة تبني سياسات مالية ونقدية توسعية اثناء الركود والكساد الاقتصادي لا اللجوء الى سياسات تقشفية تزيد من عمق الازمة الاقتصادية.

في العراق، يعد الانفاق الجاري محرك النشاط الاقتصادي في البلد، إذ ان الطلب الكلي يتحرك اساسا بواسطة رواتب الموظفين، وأن ما يعادل ثلث الشعب العراقي يتسلم دخلاً من الحكومة بشكل مباشر وغير مباشر، فضلا عن القطاع الخاص الذي يعتمد هو الآخر على دخل الموظف أو المتقاعد، فمن خلال رواتب الموظفين تعمل الاسواق ومركبات الاجرة وبائع الخضار والنجار والحداد والحرفيين والعديد من الباعة المتجولين. وبالتالي فان طلب الموظفين على السلع والخدمات يمثل دخولا لبقية القطاعات الاقتصادية في المجتمع العراقي. وخفض الرواتب والاجور يعني اعتماد سياسة اقتصادية عكسية ستؤدي حتما الى انهيار اقتصادي ساحق للطبقات الفقيرة والهشة مما ينذر بتفجر ثورات واحتجاجات شعبية قد تؤدي الى انهيار العراق بكافة مؤسساته.

ما العمل:

لا توجد حلول مثلى لواقع الاقتصاد العراقي نظرا لما لحقه من تشوه واختلال هيكليي جراء السياسات الحكومية الترقيعية طيلة السنوات الماضية. مع ذلك، فان الاستعانة بجملة من الاجراءات الممكنة قد تسعف العراق وتقلص تأثيرات الازمة الاقتصادية والمالية الراهنة، لعل أبرز تلك الاجراءات:

1- الاقتراض الداخلي: مرت حكومة العبادي بظروف مماثلة، بل أصعب، حين انهارت الاسعار وثلث البلد محتل والعراق بحاجة لتمويل مستمر لقطاع الامن والدفاع لتحرير العراق، لذلك لجات الحكومة الى الاقتراض الداخلي نظرا لان تمويل الموازنة الحكومية بالدينار العراقي ولا داعي للاقتراض الخارجي، وقد تجاوز العراق ازمة عام 2014 بسلام دون خفض الرواتب او اعتماد اجراءات تقشفية حادة.

2- الاهتمام بالشرائح الهشة عبر توفير التمويل اللازم لبرامج حماية اجتماعية عاجلة تسعف العوائل الفقيرة التي عصفت بها الظروف السياسية والاقتصادية والصحية الاخيرة في العراق.

3- تسوية الحسابات المالية مع الاقليم واسترجاع الاموال الاتحادية، كون الاخير يستلم حصة كبيرة من الموازنة دون تسليم دولار واحد بسبب سكوت رئيس الوزراء السابق والقضاء عن خرق قانون الموازنة 2019، رغم مناشدات ودعاوى العديد من النواب والمختصين.

4- اعادة النظر في جولات التراخيص النفطية بشكل يتناسب مع الواقع الجديد لأسواق النفط وتقليص الحصة التصديرية للعراق ضمن اتفاق اوبك الجديد (اوبك+).

5- اعادة النظر بالتخصيصات المالية في كافة ابواب الموازنة وخصوصا المتعلقة بالنثريات والبعثات الدبلوماسية وغيرها من جيوب الهدر والفساد، على سبيل المثال غلق الممثليات والبعثات الدبلوماسية غير الضرورية وتقليص الضروري منها.

6- تغليظ القوانين بحق شركات الاتصالات وغيرها لتسوية الديون الحكومية، فلا يعقل بان تحقق هذه الشركات ارباح بالمليارات ولا تسدد ما عليها من ديون بسبب فساد بعض الجهات الحكومية.

7- اصدار سندات حكومية بمزايا عالية للجمهور لتحقيق عدة اهداف: اهمها تمويل العجز المالي وتحجيم الاكتناز المتزايد لدى الافراد، وايضا لتعظيم الادخار على حساب الاستهلاك الذي يضغط باستمرار على احتياطي البنك المركزي.

8- التفاوض مع الدائنين لتأجيل دفع اقساط وفوائد الدين العام الخارجي لحين انفراج الازمة الاقتصادية والمالية القائمة.

9- تعظيم الايرادات غير النفطية فورا وعلى راسها المنافذ الكمركية، وقد يحقق العراق 10 مليار دولار عائد على الاقل إذا ما احسنت الحكومة ضبط وأتمتة هذه المنافذ، وخصوصا منافذ الاقليم.

10- رفع الرسوم الكمركية على السلع الكمالية (بشكل كبير) لرفع العوائد المالية من جهة والحد من نزيف العملة الاجنبية الضاغط على احتياطي البنك المركزي جراء استيراد هذه السلع من جهة اخرى.

11- استرداد الاموال العراقية المجمدة في الخارج لتمويل العجز المالي الحكومي، فقد قدرت دائرة استرداد الأموال العراقية في هيئة النزاهة، الأموال المستحقة بأكثر من 87 مليار دولار. علما بأن القوانين العراقية تخول صندوق استرداد الأموال ودائرة الاسترداد التي تشكلت عام 2011 في هيئة النزاهة، العمل على استرجاعها.

12- اعادة النظر في سلم رواتب الدرجات الخاصة والغاء الامتيازات والرواتب التي تمنح لفئات خاصة (رواتب رفحاء مثلا)، والعمل على تدقيق قاعدة البيانات لرصد رواتب الفضائيين ومن يتقاضى أكثر من راتب في الحكومة الاتحادية وحكومة الاقليم.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2020
www.fcdrs.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2