كان اقتصاديو التنمية الأوائل مؤمنين بفكرة ان تدفق المصادر الاجنبية (الاستثمارات الاجنبية الخاصة والمساعدات) لها آثار ايجابية على التنمية. فالموارد الاجنبية تدعم التوفير الوطني وبالتالي تشجع على تكوين المزيد من رأس المال وتحسين مستوى الحياة المادية.

وفي بداية السبعينات بدأ الاقتصاديون من كلا الجانبين، المؤيدون للفكرة والمعارضون بإعادة تقييم تلك الفرضية وتوصلوا الى الادّعاءات التالية:

1- الموارد الاجنبية استعملت لدعم الاستهلاك عبر الاستيراد غير الضروري، فهي لم تُستعمل لتحفيز الاستثمار.

2- ان قسما كبيرا من المساعدات التي تدفقت الى الدول النامية وُجّهت الى مشاريع باذخة لم تعط الا القليل من المردود.

3- تدفق الاموال الاجنبية ترافقت معه مشاكل "خدمة الدين" تحمّلتها الدول النامية. كان مطلوب من تلك الدول المزيد من الصرف الاجنبي لمواجهة تكاليف الفائدة على المتراكم من الديون السابقة.

4- الاستثمارات الخاصة الاجنبية تركت آثاراً اجتماعية وسياسية سيئة. فالشركات العملاقة المتعددة الجنسية سيطرت على الحياة الثقافية والاقتصادية والسياسية.

5- ساهمت المساعدات في تكريس سلطة الحكومات الفاسدة وغير الكفوءة. العديد من تلك الحكومات كانت تستعمل الاموال القادمة من الخارج في قمع الديمقراطية وانتهاك حقوق الانسان.

لازال النقاش مستمرا حول مدى فائدة المساعدات الاقتصادية الاجنبية. ذلك النقاش تطوّر باستمرار وأخذ اشكالا اخرى خاصة فيما يتعلق بدور صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في ما يسمى بقروض التسويات الهيكلية للدول النامية.

دوافع المساعدات

افترض الاقتصاديون ان المساعدات للدول النامية هي بسبب الرغبة في زيادة الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية للدول المستلمة لتلك المساعدات. غير ان الدول المانحة لم تخف حقيقة وجود مصالح سياسية واقتصادية واستراتيجية خاصة لها، وهذا يطرح سؤالا حول ما اذا كانت الاهداف من المساعدات مرتبطة بالمانحين ام بدوافع التنمية في تلك الدول.

يرى (E.R. Wittkopf) (1) هناك اربعة دوافع للمانحين في تقديم المساعدات للدول النامية وهي:

1- الأهمية السياسية للبلد المتلقي للمساعدة بالنسبة للبلد المانح.

2- عوامل الحرب الباردة.

3- حاجة البلدان المستلمة الى المساعدة الى الدعم والنمو الاقتصادي.

4- مدى توفر المصادر الاخرى للمساعدات.

يرى wittkopf ان الحرب الباردة كانت من اهم الاعتبارات بالنسبة للولايات المتحدة الامريكية في الستينات في قرار منح المساعدات. اما بريطانيا وفرنسا كانت الاعتبارات السياسية والتجارية هي المقرر الرئيسي للمساعدات.

وفي آخر الدراسات في هذا المجال اُستخدم نموذج معقد لحاجة البلد المستلم للمساعدة ونماذج اخرى لمصالح البلد المانح، تلك النماذج توضح طريقة تخصيص المساعدات الى الدول النامية. حاجات الدول المستلمة يمكن قياسها بوسائل مثل الناتج القومي الاجمالي لكل فرد، او نوعية الحياة المادية التي يعكسها المؤشر، او النمو في الـ ناتج القومي الاجمالي او أداء ميزان المدفوعات.

فاذا كانت حاجة البلد المعني هي التي تقرر تخصيص المساعدات ذلك يعني ان المال يجب ان يذهب الى تلك البلدان الفقيرة والى الدول ذات النمو الضعيف والتي لديها مشاكل في ميزان المدفوعات. ان الدراسة الإحصائية التي قامت عليها تلك النماذج أثبتت بان المساعدات التي يقدمها طرف واحد، لا تأخذ بالاعتبار حسابات البلد المتلقي للمساعدة، مثال على ذلك الولايات المتحدة وبريطانيا واليابان وفرنسا، بل لدى هذه الدول دوافع اخرى للمساعدات. اما المساعدات التي يقدمها اكثر من طرف multilateral aid فان حاجة البلد المتلقي للمساعدة هي الاساس في قرار المساعدات.

وبالنسبة للنماذج المتعلقة بمصالح المانحين Donor-interest models فهي تستعمل عدة متغيرات يتقرر بموجبها تخصيص المساعدات. وهذه المتغيرات هي:

1- المصالح السياسية والامنية للبلد المانح. وهذا المتغير يصعب استعماله في النموذج ولكن يمكن ادخاله ضمن اشياء معينة مثل وجود معاهدة دفاع، او نقل الجيوش من البلد المانح الى البلد المتلقي.

2- المصالح الاستثمارية للبلد المانح. والقياس الذي اُستعمل في هذا المتغير هو عدد الشركات التي تنشأ في البلد المانح وتعمل في البلد المتلقي للمساعدات.

3- المصالح التجارية: وفيها يكون للمانح مصالح هامة في تطوير رفاهية الدول النامية التي هي شريك تجاري رئيسي. فالبلد المتلقي للمساعدة يشتري صادرات البلد المانح وهو ايضا يوفر ما يستورده ذلك البلد.

لقد اثبت الدليل العلمي ان العديد من المساعدات الممنوحة من طرف واحد bilateral تمت وفقا للمصالح الاقتصادية والسياسية للبلد المانح، ولكن على صعيد التطبيق لا يوجد ما يؤكد ان تلك المساعدات حققت تلك المصالح. فالأهداف السياسية للمانحين هي في تصادم مع التنمية السياسية الطويلة الاجل للبلد المتلقي. في فيتنام والفيليبين ونيكاراغوا لم تتمكن الولايات المتحدة من تعزيز مصالحها الاستراتيجية الطويلة ولم تنفذ سياسة خارجية منسجمة مع مصالح الولايات المتحدة. وفي الحقيقة، لا يوجد دليل قوي يثبت ان المساعدات يمكنها في الواقع ان تكرس مصالح المانحين في المدى البعيد، بل ان البعض رأى ان الدول المانحة حينما تدّعي امام شعوبها انها تدفع مساعدات لأجل تحقيق مصالحها الخاصة انما تضلل الناخبين ودافعي الضرائب. ان ما تقوم به جميع الحكومات المانحة يجب ان يدخل ضمن اطار المسؤولية الاخلاقية تجاه الشعوب الفقيرة. وهذه المسؤولية الاخلاقية تستند الى عدد من الحجج وهي:

1- الدول الغنية يجب ان تعوض الدول الفقيرة عن ماضيها الاستعماري وما رافقه من استغلال وسيطرة سياسية.

2- اعتبارات العدالة في توزيع الدخل تتطلب المزيد من اجراءات المساواة.

3- الدول الغنية ذات المصادر الطبيعية الكبيرة يجب ان تتقاسم شيء من تلك الموارد مع البلدان المحرومة منها.

هل حققت المساعدات اهداف التنمية؟

يتساءل الاقتصاديون هل حققت المساعدات شيئا جيدا، وماذا انجزت؟

حاول (paul mosley) ان يجيب على هذا السؤال بالاشارة الى مفارقة الجزئي – الكلي (micro-macro paradox). حيث اننا نجد على المستوى الجزئي، معظم برامج المساعدات كانت تعمل بشكل جيد. ولكن على المستوى الكلي لا يوجد دليل بوجود علاقة موجبة بين المساعدات والتنمية. فاذا كانت المساعدات تعمل بشكل جيد على المستوى الجزئي، فلماذا لا تعمل كذلك على المستوى الكلي؟ الجواب هو لا احد يعرف فعلا تأثير المساعدات على مستوى الاقتصاد الكلي وذلك بسبب الغموض في النماذج النظرية للمساعدات والنمو وللمشاكل في اختبار الدليل.

هذه الصعوبات الثلاث موضحة في ادناه:

1- التأثير السلبي للمساعدات على التوفير: يرى (Keith Griffin) ان الزيادة في المساعدات الاجنبية يُنظر اليها في البلد المتلقي كما لو انها زيادة في الدخل. وهذا يعني اذا لم يكن الميل الحدي للتوفير واحد (unity) فان المساعدات تُخصص بين الاستهلاك والتوفير. فرضية (غرفن) لقيت الدعم من عدد من الاختبارات الاقتصادية التي اكدت وجود علاقة سالبة بين تدفق رأس المال ونسبة التوفير، فاذا كان للمساعدات تأثير سلبي على التوفير فمن غير المحتمل (مع ثبات الاشياء الاخرى) ان تساعد المساعدات على تعزيز النمو الاقتصادي. ولكن من الممكن ان يؤدي التدفق الكبير للمساعدات والمستوى القليل لمتوسط الادخار الى حدوث عامل ثالث مثل موسم حصاد سيء.

من المؤكد ان المجاعة تقود الى تدفق كبير للمساعدات، او ربما في اوقات الازمات الحادة نتيجة للحروب والاضطرابات السياسية، يقل التوفير ويزداد تدفق المساعدات. كذلك يمكن ان تُخصص المساعدات لملء فجوة التوفير. وفي هذه الحالة فان التدفق الكبير للمساعدات الى تلك الدول التي لديها ميل حدي قليل للتوفير سيجعل العلاقة السالبة قوية بين الدعم والتوفير. ولذلك فانه من غير المدهش ان لا يتفق الاقتصاديون على العلاقة الاقتصادية الكلية بين المساعدات والتوفير، وهم يختلفون ايضا في تفسير البيانات الميدانية.

2- الاستجابة المالية الغير مرغوبة للمساعدات: المساعدات تقود الى هبوط في الضرائب وفي التوفير العام. فالحكومات تستفيد من فرصة تدفق الاموال الى الداخل لتخفف من الأعباء الضريبية على السكان. ومثال على ذلك باكستان حيث الاقتصاد متحرر من الضرائب والحكومة تستعمل المساعدات لدعم الانفاق الحكومي. فاذا كانت المساعدات تُستعمل لخفض الضرائب والتوفير العام معنى ذلك لن يكون لها اي تأثير ايجابي على تراكم رأس المال والنمو. بينما هناك آراء معارضة ترى امكانية استعمال المساعدات في تحفيز المشاريع الخاصة.

3- تأثير المساعدات في سوء توزيع الدخل: حتى لو ان المساعدات تعزز النمو الاقتصادي، فإنها تبقى عرضة للمساءلة اذا كانت حقا سببا في اساءة توزيع الدخل. فالكثير من الاقتصاديين يشكّون في امكانية ان تخفف المساعدات من الفقر. فالدعم عادة يذهب الى الاغنياء وذوي السلطة الذين يستعملون نفوذهم كي يفيدوا مناصريهم. فالتنمية من الأعلى الى الاسفل Top-down لا يُحتمل ان تفيد الفقراء.

يجب الاشارة الى انه لا يوجد إجماع بين الاقتصاديين على التأثيرات الثلاثة للمساعدات المشار اليها اعلاه. غير ان الدراسات التي اشارت الى العلاقة السالبة بين النمو والمساعدات هي اكثر من الدراسات التي تؤكد على العلاقة الايجابية بينهما، ولكي تتم الاحاطة بجميع زوايا الموضوع توصّل الباحثون الى الاستنتاجات التالية:

1- انهم لا يعرفون الا القليل عن العلاقات الاقتصادية الكلية، ولا الطريقة الملائمة لإختبارها. ذلك يعني ان التحقيقات المعمقة والدقيقة للعلاقات على المستوى الكلي ربما تكشف عن وجود ارتباط موجب.

2- ان نسبة المساعدات الى الناتج القومي الاجمالي في العديد من الدول هي قليلة جدا. وذلك يعني من الصعب التقاط علاقة بين النمو والمساعدات على المستوى الكلي في الدول المستلمة للقليل من المساعدات مثل دول جنوب شرق اسيا وامريكا اللاتينية.

3- ربما يبالغ المانحون في تقدير مدى نجاح برامج المساعدات على المستوى الجزئي. ففي العام 1992 اشار تقرير البنك الدولي الى ان 60% من خطط البنك في افريقيا قد فشلت في خلق مردود اقتصادي.

4- حتى الخطط التي تنجح على المستوى الجزئي ربما تكون لها آثار سيئة على المستوى الكلي، وهذا يشمل البرامج الموجهة نحو الفقراء. ففي رواندا مثلا، ادّت المشاريع الزراعية الهادفة الى إعادة توطين 9000 عائلة الى خلق المزيد من المشاكل السياسية والاثنية مع نتائج كارثية على المستوى الكلي وعدم استقرار سياسي في المنطقة.

.................................
الهوامش
(1) Wittkopf.E.R(1972)، تخصيص المساعدات الغربية الاحادية، SAGE, Beverley Hills.
...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

4