في مارس 2018، عندما قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب ساخرا إن "الحروب التجارية مفيدة، ويمكن الفوز بها بسهولة"، اعتبر كثيرون هذا التصريح على أنه خطاب حماسي لا غير، لكنه قصد ذلك فعلا. ويهدد النزاع المتفاقم بين الولايات المتحدة والصين من خطر نشوب حرب تجارية تؤدي إلى جانب حروب العملات، إلى انكماش اقتصادي متتابع في مختلف أجزاء الاقتصاد العالمي.

ومع تدهور احتمالات النمو الاقتصادي، ستحتل قضايا الديون والروافع المالية مركز الصدارة في بعض البلدان، مما يضيف عدم الاستقرار المالي إلى خليط اقتصادي مضطرب أصلا منذ ازمة العام 2008. لقد بدأت الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين تتصاعد مجددًا حين أعلن الرئيس الأمريكي ترامب مؤخرا عن خطط لفرض تعريفة بنسبة 10٪ على الواردات من الصين بقيمة 300 مليار دولار. ماذا يعني ذلك بالنسبة لافاق النمو الاقتصادي العالمي؟

ويرى الاقتصادي المرموق نورييل روبيني بوجود ثلاث صدمات سلبية على جانب العرض الكلي (الإنتاج العالمي) قد تؤدي إلى ركود عالمي بحلول العام 2020. وتعكس جميعها عوامل سياسية تؤثر على العلاقات الدولية. علاوة على ذلك، فإن أياً منها غير قابل للامتصاص بالأدوات التقليدية لسياسات الاقتصاد الكلي المعاكسة للدورات الاقتصادية.

تنبع أول صدمة محتملة من حرب التجارة والعملات الصينية الأمريكية، التي تصاعدت في وقت سابق من الشهر الماضي عندما هددت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتعريفة إضافية على الصادرات الصينية، ووصفت الصين رسمياً بأنها مناورة للعملات.

والصدمة الثانية تتعلق بالحرب الباردة البطيئة بين الولايات المتحدة والصين بشأن التكنولوجيا. والصدمة الأخيرة تتعلق بإمدادات النفط الخام. فعلى الرغم من أن أسعار النفط انخفضت في الأسابيع الأخيرة، وأن الركود الناجم عن حرب التجارة والعملة والحرب التكنولوجية من شأنه أن يخفض الطلب على الطاقة ويخفض الأسعار، إلا أن مواجهة أمريكا مع إيران قد يكون لها تأثير معاكس. فإذا ما تحول النزاع إلى صراع عسكري، قد ترتفع أسعار النفط العالمية وتسبب ركودا حادا، كما حدث خلال صدمات الشرق الأوسط السابقة في الأعوام 1973 و1979 و1990.

التجارة ام الاقتصاد في خطر؟

يجب إدراك حقيقة مهمة وهي أن التوترات التجارية هي أحد أعراض الاضطراب الاقتصادي والمالي الأساسي في العالم، وليست سببا له. وان التركيز المفرط على المخاطر التجارية يحول انتباه صانعي السياسات الاقتصادية عن التدابير الأخرى اللازمة لضمان نمو اقتصادي أسرع وأكثر شمولا في بيئة مالية مستقرة. كما ان التركيز على دور السياسة النقدية في معالجة الازمات الاقتصادية والمالية بحاجة لإعادة نظر واستعداد أكبر لتجريب أدوات بديلة أكثر فاعلية، خصوصا بعد انزلاق البنوك المركزية في سياسات التيسير الكمي وما خلفته من هبوط حاد لأسعار الفائدة وتقليص حيز المناورة إزاء التقلبات الاقتصادية المقبلة.

ما الذي يحدث؟

تعمل التجارة الدولية على تعزيز صافي حجم الناتج الاقتصادي العالمي، لأنها تمكن البلدان من التركيز على القيام بأفضل ما يمكنها القيام به، فتنتج السلع في المجالات الأكثر إنتاجية نسبيا. وفقا لنظرية ديفيد ريكاردو في الميزة النسبية، تستمد القوة النسبية للبلدان من الفوارق في الثروات الطبيعية. وكما أوضح الاقتصاديان بول كروجمان وإلهانان هلبمان في ثمانينيات القرن العشرين، فإن القوة النسبية للبلدان ترتبط أيضا باستثماراتها في مجالات التخصص المختلفة.

ووفقا لما يراه الاقتصادي المخضرم روبرت بارو يتبنى ترامب نموذج المذهب التجاري القائم على فكرة الصادرات "جيدة" والواردات "سيئة"، ففي نموذج السياسة التجارية، يساهم فائض الصادرات على الواردات في تعظيم الثروة الوطنية من خلال تراكم المطالبات الورقية (الذهبية سابقا). ويبدو أن هذا هو ما يدور في ذهن ترامب عندما يشكو من أن الصين تستنزف 500 مليار دولار سنويا من الاقتصاد الأميركي، وغالبا من خلال مبادلة السلع الصينية بسندات الخزانة الأميركية.

هذا الادراك الضال لصناع السياسة الاقتصادية قد يزج الولايات المتحدة في حرب تجارية دائمة، مما يعني تكاليف طويلة الأجل يتحملها المستهلكون الأميركيون والشركات الأميركية. وعلى الرغم من التأثيرات التي لا تزال مواتية والتي خلفها الإصلاح الضريبي لعام 2017 والضوابط التنظيمية الضارة التي أزالتها الإدارة الأميركية، فإن النمو الاقتصادي يزداد ضعفا، وقد حاول ترامب ــ دون جدوى ــ إلقاء اللوم على بالبنك الفيدرالي الأميركي والشركات الأميركية غير المنتجة. المشكلة الحقيقية تكمن في النهج الذي يسلكه ترامب في التعامل مع السياسة التجارية، والذي ربما يدفع اقتصاد الولايات المتحدة إلى الركود الاقتصادي.

لقد جاء الرئيس الأمريكي بحزمة من الوعود الخلابة لإقناع ناخبيه بمستقبل اقتصادي واعد، ورغم بعض التحسن الذي شهده الاقتصاد الأمريكي، فان التمعن بدقة يقدم وفرة من الأسباب التي تدعو للقلق والغضب في ان واحد. لقد كانت السياسات الاقتصادية للرئيس ترامب محاولة يائسة لصرف النظر عن مشاكل هيكيلة تعاني منها الولايات المتحدة منذ سنوات، كالتفاوت الطبقي ونمو المديونية والمخاطر المالية. ويثير اقتراب الانتخابات الامريكية القلق من تصرفات حادة قد تدفع افاق الاقتصادي العالمي صوب كارثة اقتصادية تفوق ما شهده العالم مطلع العام 2008.

قبل ثلاث سنوات، وخلال الحملات الانتخابية، أفصح ترامب عن العديد من السياسات الاقتصادية العدوانية حال توليه السلطة، في الواقع فسر العديد من المحللين وخبراء الاقتصاد الخطاب الانتخابي بانه شعبوي يهدف بالأساس الى تحقيق مكاسب سياسية وحصد أصوات الشعب الأمريكي لا غير. وراهن البعض الاخر على ترويض المؤسسة الرئاسية لسلوك ترامب المنحرف وضبط الخطاب الترامبي وفقا القواعد السياسية والاقتصادية الراسخة. لكن ترامب فاجئ الجميع حين أصر على وعوده الانتخابية وغرس الخطاب الانتخابي (العدائي بالغالب) في قوام السياسات الاقتصادية للولايات المتحدة.

ويحتج العديد من الاقتصاديين بأن حل التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين هو أفضل وسيلة لتجنب حدوث ارتباك اقتصادي ومالي عالمي كبير. ولكن، من الواضح أن هناك فجوة كبيرة بين ما يعرفه الرئيس الأمريكي ترامب وما يعتقد أنه يعرفه. ولأن ما يعتقد أنه يعرفه هو الذي يحدد السياسة التجارية الأميركية، فإن اقتصاد أميركا والعالم في خطر مستمر ما دام ترامب رئيسا للولايات المتحدة الامريكية.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2019
www.fcdrs.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

3