دائماً ما تسعى الدول الى وضع سياسات اقتصادية تحافظ بها على استقرار البلد اقتصادياً واجتماعياً، فضلاً عن ديمومة النمو والتنمية الذي تأخذ على عاتقها رفع مستوى البلد وطاقاته الانتاجية كماً ونوعاً، وهذا الامر لا يقتصر على الناحية الاقتصادية وحسب، بل ويركز على جوانب حياتيه هي الاخرى مهمة وتكاد توازي الجانب الاقتصادي في الاهمية، وبل وأكثر من ذلك تمثل الممول للجانب الاقتصادي وتحسينه، الا وهي الجوانب الصحية والتعليمية.

اذ وكما يعلم الكثير، ان هدفي التعليم والصحة اصبحا من ضمن اهداف ومؤشرات تحقيق التنمية المستدامة وضرورة ملحة لتحقيقها في مختلف دول العالم، لما لهما من انعكاسات اقتصادية واجتماعية هامة، ورغم انخفاض اهمية هذين المؤشرين في العديد من دول العالم الثالث وبضمنها العراق، الا انه يجب ان يتم النظر اليهما من زاوية اخرى تختلف من زاوية النظر اليهما كهدف او مؤشر لتحقيق التنمية المستدامة.

ان هذه النظرة لاتهتم مايحصل عليه الفرد العراقي من خدمات في مجالي الصحة والتعليم، بل تهتم في كيفية حصول هذا الفرد على هذا النوع من الخدمات، فالمتتبع للواقع الصحي والتعليمي سيجد متناقضات عديدة في هذين المجالين، اذ يعاني العراق من واقع صحي سيء، يتمثل في النقص الحاصل في المستشفيات والمراكز الصحية في عموم البلد، ونقص كبير في الخدمات الصحية المقدمة لكل فرد، فضلاً عن المشاكل التي تعاني منها هذه المستشفيات نفسها من تردي الخدمات فيها وعدم تزويدها بالتقنيات الحديثة والكافية، هذا من ناحية ومن ناحية اخرى وعلى الرغم ان كليات الطب العراقي تقبل اعلى معدل دراسي فيها، الا اننا نجد ان مستوى التدريس في كليات الطب لايضاهي ماموجود في ذات الكليات في دول اخرى، وهو ماانعكس على القيمة العلمية للطبيب وكفاءته، وهذا مااضعف ثقة المواطن العراقي في الطبيب العراقي قياساً بالطب في الخارج.

وهذا الامر دفع العديد من المواطنين للسفر خارج البلد من اجل العلاج، اذ اعلنت وزارة الصحة اللبنانية، ان عدد المرضى العراقيين الذين عولجوا في مستشفيات لبنان لوحدها عام 2017 بلغ 500 الف مريض، ولو فرضنا ان كل مواطن قد قام بصرف 1000 دولار، سنجد ان المبلغ المقدر هو 500 مليون دولار اي نصف مليار دولار سنوياً. اما اذا كان المبلغ قرابة الـ 10 الاف دولار فأن المبلغ سيكون 5 مليارات دولار سنوياً.

وكل هذه تعد اموال هاربة او خارجه من البلد للخارج، كان بالامكان الانتفاع منها فيما لو بقت في الداخل، ولك ان تتخيل الرقم فيما لو توصلنا الى عدد المرضى العراقيين الذين يتعالجون في الخارج في باقي الدول. فعلى سبيل المثال ايضا يصل هذا العدد بحسب ماذكر السفير الهندي في بغداد ان عدد الذين يتعالجون في الهند يصل الى اكثر من 60 الف مريض سنوياً.

وبالتأكيد هذه خسارة هائلة كان بالامكان تجاوزها فيما لو تم وضع سياسات اقتصادية من شأنها ان تعالج وضع القطاع الصحي وبالتالي عدم تسرب هذه الاموال للخارج، الا انه ومع الاسف هناك ايدي خفية تعمل على العكس من ذلك، ناهيك ان البعض يقع فريسة النصب والاحتيال للكثير من يدعي الوساطة بينه وبين هذه المستشفيات والمراكز الصحية في الخارج.

اما من ناحية التعليم فالأمر سيان، اذ يبلغ عدد الطلبة الدارسين خارج العراق للدراسات العليا والأولية 14 ألف طالب وطالبة في العام 2013، موزعين حول العالم في 53 دولة باختصاصات ودرجات علمية مختلفة. ولو قد بالتركيز فقط على الطلبة الذين يقومون بالدراسة على نفقتهم الخاصة وللدراسات العليا وحسب، سنجد ان العدد هو الأخر هو ليس بالقليل، اذ تصل مدة الدراسة في الخارج عن مالايقل عن سنتين، وهنا يدفع الطالب رسوماً تصل الى عن مالايقل 10 الاف دولار. على الرغم من ان بعض الدول تقدم هذه الخدمات بأسعار أقل بكثير تصل الى 500 دولار من اجل زيادة الاستقطاب.

ولك ايضاً ان تتخيل حجم التسرب الحاصل في العملة الاجنبية للخارج من هذه العملية. سيما وان العديد من الذين يقومون بالدراسة في الخارج كاختصاصات محددة بعضها موجود في الداخل الا ان سياسات وزارة التعليم وبعض الجامعات تقف بالضد من استيعابهم كاختصاص السياحة مثلاً، اذ تنأى بعض الجامعات والكليات عن قبول خريجي الكليات الاهلية فيها، وبالتالي يضطر هؤلاء الطلبة الى التقديم للدراسة في الخارج.

وهنا لابد من ان تكون هناك وقفة جادة من قبل الحكومة العراقية في الحد من هذا التهرب والتسرب النقدي العراقي للخارج، باعتبارها هدر للعملة الاجنبية واستنزاف لها، فضلاً عن زيادة الطلب عليها محلياً وبالتالي قد يساهم ذلك في رفع سعرها نتيجة زيادة الطلب عليها وهو ماينعكس سلباً على الوضع الاقتصادي والاجتماعي بما فيه المعيشي ويضعف الثقة في قطاعي الصحة والتعليم للبلد مستقبلاً.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0