من الصحيح القول بأن كل أزمة مالية عالمية هي فريدة من نوعها وفريدة في الطريقة التي تؤثر فيها في الاقتصادات العالمية، ويرى معظم الاقتصاديين، ان السبب وراء الازمات عاملين مهمين الا انهما منفصلين، النوع الاول يكون ناتج عن وجود حالات عدم توازن الاقتصاد الكلي، وفي هذا النوع يكون من الصعب التنبؤ ببدء الأزمة. أما النوع الثاني بسبب التدفقات الطائرة لو السريعة لرؤوس الاموال المالية بالذات التي تدخل وتخرج من البلد بسرعة، وقد يكون السبب وراء حدوث الازمة من النوع هذا هو التغير في توقعات المستثمرين والتي تحدث في وقت يعاني في القطاع المصرفي والمالي من الهشاشة والضعف.

الازمات الناجمة عن عدم التوازن الاقتصادي

حدثت خلال العقود القليلة الماضية عدة أزمات بفعل عدم التوازن الاقتصادي الكلي، وقد ترافقت في الغالب مع نظام سعر صرف فاقم من خلل اقتصاد البلد، يأخذ عدم التوازن عدة أشكال بما فيها وجود عجز كبير في الميزانية كحصول عجز في الحساب الجاري، رفع اسعار الصرف أو مستويات غير أمنه من ديون القطاع الخاص كما في سوق العقارات.

تاريخياً، لعبت السياسات المالية والنقدية الضعيفة دوراً في حدوث الازمات، مثل الحالات التي تسمح فيها الحكومات بعجز كبير في الميزانية او بمعدلات عالية من التضخم تؤثر سلباً فيما بعد على الحساب الجاري للبلد، كما ان الكثير من الازمات تبدأ في القطاع الخاص حيث يحدث عدم التوازن نتيجة الاستثمار الزائد في قطاع العقارات او الادوات المالية. فمثلا في ازمة 2008، بدأت من ارتفاع اسعار العقارات في كل من الولايات المتحدة الاميريكية وبريطانيا واسبانيا والعديد من الدول والتي وجد فيها مستثمرو القطاع الخاص بما فيهم المصارف وشركات التأمين وصناديق التقاعد العديد من الحوافز على الاستثمار في قطاع العقارات مما رفع الاسعار الى مستويات لايمكن استمرارها والمحافظة عليها.

وقد ساهم في تسهيل هذه الاستثمارات عدم توازن عالمي، اذ قامت الدول ذات معدلات الادخار المرتفع والفوائض في الحساب الجاري باقراض الدول ذات العجز في حساباتها الجارية والطلب الكبير على الاستثمار. بدأت الازمة عملياً مع انهيار فقاعة العقارات حيث فقدت المصارف القدرة على الاقراض وأصبحت عاجزة عن التسديد وانعكس هذا على تعميق الانكماش الذي بدأ في الولايات المتحدة في اواخر 2007، الامر الذي أدى الى حدوث تراجع كبير في انفاق المستهلكين وقطاع الاعمال. ليست العجوزات المتفاقمة أمراً محتوماً وهي تعتمد على العديد من العوامل الاخرى مثل صحة النظام المصرفي وقدرة الاقتصاد على التكيف.

الازمات الناجمة عن تدفقات رأس المال الطائر

ليست كل الازمات ناتجة عن عدم التوازن الاقتصادي او عن التوسع غير المحتمل في السياسات المالية والنقدية، فقد أصبحت الاقتصادات المحلية ذات قابلية سريعة لحصول الازمات فيها، سيما تزايد اثار التكنولوجيا التي تحول وبشكل فوري كميات كبيرة من رأس المال المالي من سوق لأخر، كما يمكن لاثار العجوى للازمة وكذلك المستوى العالي للانفتاح المالي الذي تحقق خلال العقود الماضية أن تتدفق عبر المحيطات والحدود.

ان افضل مثال على هذا النوع من الازمات هي الازمة التي اصابت اقتصادات شرق آسيا في عامي 1997 و1998، ففي حين كانت اقتصادات عديدة تعاني من عدة نقاط ضعف في القطاعات المالية، تأثرت اقتصادات اخرى مثل سنغافورة وهونغ كونغ وتايوان بشكل سلبي مع انها لم تكن تعاني من نقاط الضعف تلك. اذ ان السبب الرئيس وراء هذه الازمة هو تطاير رأس المال المالي، حيث عززت التكنولوجيا هذا التطاير، فقد أدت عوامل مثل اكتشاف اسواق ناشئة كبيرة زيادة رغبة المستثمرين بتنويع استثماراتهم في المحافظ المالية.

لقد ادت ذلك الى استثمار مليارات الدولارات على امتداد العالم، كما بقيت معظم اموال الادخارات داخل الدول تؤدي دورها، لكن دخول كميات كبيرة ومتزايدة من الادخارات الى اسواق رأس المال العالمية حيث تستطيع التحرك بسهولة بخلق مجموعة من المشاكل، وذلك بسبب ان هذا النوع من الازمات يشكل قلقاً للاقتصاديين وصانعي السياسات، اذ سيواجه اصحاب القرار عدة توازنات وذلك تبعاً لاستجابة وتصرف الدائنين الدوليين، وهذا مايتطلب مستوى أعلى من المراقبة والتنظيم من جانب السلطات المصرفية، كذلك يجب ان يكون لدى الدائنيين الدوليين المام كافي بأنشطة عملائهم المقترضين. وأخيراً وعند حدوث أزمة يجب على المؤسسات الدولية كصندوق النقد الدولي التي تقوم بتقديم قروض طارئة، ان تميز بين مشكلتي العجز عن السداد وبين عدم القدرة على التسييل، لأنه يكون حاسماً في معالجة الازمات.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2