ان الاحداث الاخيرة والمتسارعة في منطقة اليورو سيما بعد الموقف البربطاني حول الخروج من فلك اليورو الموحد وهذا البنيان الاقتصادي السياسي، الذي ظن الكثير بأنه مرصوص وقوي، بين في الأونة الاخيرة ان هذا البناء الاقتصادي الكبير قد بدأ بالتفكك داخلياً وخارجياً كنتيجة للازمات المتتالية على صعيد ملفات الهجرة وكذلك الاضطرابات الاقتصادية التي تواجهها بعض دول اليورو، وهو ما دعا القائمين على منطقة اليورو من ان يعيدوا النظر في التركبية الاوروبية لليورو من ناحية الاصلاح الاقتصادي والسياسي للحفاظ على هذا الكيان الذي دق فيه ناقوس الخطر.

يعد اليورو ثاني عملة رائدة في العالم، لكنه يظل متأخراً خلف الدولار الأميركي. ذلك أن ثلثي القروض التي تصدرها البنوك المحلية بالعملات الأجنبية مقومة بالدولار، مقارنة بنحو 20% باليورو. وتنطبق نسب مماثلة على الاحتياطيات العالمية من النقد الأجنبي، والواقع أن رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر حريص على تغيير هذا الواقع، اذ أعلن يونكر أنه من العبث أن تدفع أوروبا 80% من فاتورة استيراد الطاقة ــ ما قيمته 300 مليار يورو سنوياً ــ بالدولار الأميركي، حتى رغم أن 2% فقط من واردات الاتحاد الأوروبي من الطاقة تأتي من الولايات المتحدة. ثم دعا إلى تحويل اليورو إلى أداة لأوروبا جديدة أكثر امتلاكاً لسيادتها، ووعد بطرح مبادرات لتعزيز الدور الدولي الذي يلعبه اليورو.

ويونكر ليس وحده بين قادة أوروبا في إدراك إلى أي مدى قد تكون العملة الموحدة أداة قوية عندما يتعلق الأمر باستعراض القوة. وقد اقترح وزير الخارجية الألماني هيكو ماس أن ينشئ الاتحاد الأوروبي نظاماً خاصاً بها للمدفوعات الدولية. بيد أن هذه المقترحات، على الرغم من كونها طموحة، ربما تغفل عن المطلوب حقاً لرفع مكانة اليورو. وإذا ازداد دور اليورو في التجارة الدولية، فسوف تزداد كذلك قيمة ما تملكه الشركات الأجنبية من الأصول المقومة باليورو والقيمة الإجمالية للقروض المقومة باليورو. وقد تؤدي زيادة التجارة العالمية باليورو إلى تعرض الأنظمة المصرفية الأجنبية بصورة مكثفة لهذه العملة بحسب ما يرى الخبير يوشين اندريتزكي.

في صلب الموضوع، يقترح مارتن ساندبو، كاتب العمود الاقتصادي في صحيفة "فاينانشيال تايمز"، أن بيت أوروبا نصف المبني يظل صالحا للسكن. ومع ذلك، ليس من الواضح - في اعتقادي - ما إذا كانت منطقة اليورو قادرة على تحمل أزمة جهازية عميقة أخرى، إلا إذا جرى تطبيق إصلاحات؛ حيث تفرض الدول الأعضاء الأضعف ضوابط رأس المال، التي قد ترقى إلى نظام متعدد العملات بحكم الأمر الواقع. على نحو مماثل، يتفق أغلب أهل الاقتصاد في الولايات المتحدة على أن منطقة اليورو لن يكتب لها البقاء - في الأمد البعيد - في غياب نظام لتقاسم المسؤولية المالية على نطاق الاتحاد الأوروبي بالكامل، فضلا عن تحويلات على نطاق أوسع كثيرا من القائم حاليا. وهذا بدوره يتطلب زعامة سياسية قوية.

إن أزمة الديون الأوروبية التي غالبا ما يشار إليها أيضا بأزمة منطقة اليورو أو أزمة الديون السيادية الأوروبية وهي أزمة ديون متعددة السنوات تجري في الأتحاد الأوروبي منذ نهاية عام 2009 والعديد من الدول الأعضاء في منطقة اليورو( اليونان والبرتغال وأيرلندا واسبانيا وقبرص) لم تتمكن من تسديد ديونها الحكومية أو إعادة تمويلها أو لإنقاذ البنوك المثقلة بالديون تحت إشرافها الوطني دون وجود مساعدة من الأطراف الثلاثة مثل بلدان منطقة اليورو الأخرى أو البنك المركزي الأوروبي أو البنك الدولي صندوق النقد الدولي.

وتفاوتت الأسباب التفصيلية لأزمة الديون وفي العديد من البلدان تم تحويل ديون خاصة ناجمة عن فقاعة الممتلكات إلى ديون سيادية نتيجة لإنقاذ النظام المصرفي واستجابات الحكومة لتباطؤ الاقتصاد بعد الفقاعة التي حدثت وقد ساهم هيكل منطقة اليورو بوصفها اتحادا نقديا (أي عملة واحدة) دون اتحاد مالي (على سبيل المثال مختلف قواعد الضرائب والمعاشات التقاعدية العامة) في الأزمة وحد من قدرة القادة الأوروبيين على الاستجابة.

من المقرر أن يوافق زعماء الاتحاد الأوروبي على حزمة من الاصلاحات الخاصة بتدعيم منطقة العملة الأوروبية الموحدة. كما سيناقش الزعماء في اليوم الثاني من القمة الأوروبية في العاصمة البلجيكية بروكسل عددا من القضايا المهمة، مثل الهجرة وجهود مواجهة الأخبار الكاذبة، ويأتي اليوم الثاني للقمة في أعقاب مناقشات استمرت حتى ساعات متأخرة، تناولت تطورات مسألة خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، بعدما سعت رئيسة وزراء بريطانيا إلى ضمانات من شأنها أن تساعد في الحصول على موافقة البرلمان الانجليزي على اتفاق الانسحاب من التكتل. ومن المقرر أن يناقش القادة إجراءات لحماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، بغية تعزيز إدارة وصول المهاجرين إلى التكتل. وشهدت أوروبا تراجعا كبيرا في أعداد المهاجرين الذين يتمكنون من الوصول إلى القارة منذ أوج أزمة المهاجرين في عام 2016-2015، ورغم ذلك تظل القضية ذات حساسية سياسية، وربما تؤدي إلى حشد الأحزاب الشعبوية الأوروبية قبل انتخابات البرلمان الأوروبي المقررة العام المقبل. ومازال الخلاف قائما بين الدول الأعضاء بشأن النهج المستقبلي فيما يتعلق بالاصلاحات في نظام اللجوء الخاص بالاتحاد الأوروبي، والتي تأخرت كثيرا. وفي وقت لاحق اليوم، يوجه الزعماء الأوروبيون جهودهم إلى الاصلاحات الخاصة بمنطقة العملة الأوروبية الموحدة بهدف تقويتها لمجابهة الصدمات المستقبلية، المحتملة. ومن المتوقع أن يعتمد القادة حزمة إجراءات، وافق عليها بالفعل وزراء مالية التكتل، تتعلق بإنشاء صندوق انقاذ مالي للتدخل ومساعدة الدول الأعضاء التي تواجه اضطرابات اقتصادية. وليس من المتوقع تحقيق تقدم كبير في القضية الساخنة المتعلقة بميزانية منطقة اليورو بحسب ما ذكرته الصحفية الاقتصادية.

الا ان مشهد تحقيق الاصلاح في ظل هكذا مناخ قد يحتاج الى وقت طويل، سيما وان الزعماء الاوروبيين منشغلون اليوم بمسألة البريكست البريطاني ومحاولة معرفة الاثار الحقيقية لهذا الانفصال، وبالتالي يبدو ان كل شيء متوقف على ذلك، فمدى تأثر منطقة اليورو بهذا الانفصال قد يكون جواباً لما سيكون عليه الوضع في المستقبل، والذي يترافق ذلك مع اضمحلال القوة الالمانية وتسيدها للمشهد العالمي الاوروبي، سيما بعد التقارب الفرنسي الاميركي، الذي يظن بعض اطراف هذا التقارب، انه لاداعي لأن تكون المانيا هي من يقود منطقة اليورو اقتصادياً.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1