لم تنجح الجهود الحكومية المبذولة منذ عقود في منطقة الشرق الاوسط من تحقيق تجربة تنموية قادرة على تحفيز النمو والاستقرار بشكل مستدام. رغم العديد من الخطط التنموية الساعية الى تحفيز القطاعات الانتاجية وتنويع الاقتصادات الوطنية واستيعاب الاعداد الضخمة من الايدي العاملة وتحقيق العدالة والرخاء الاقتصادي. وفي هذا الصدد، يرصد صندوق النقد الدولي في تقرير "افاق الاقتصاد الاقليمي" الكوابح الاساسية لمحركات النمو والتطور الاقتصادي في بلدان الشرق الاوسط واسيا الوسطى، عبر مناقشة فرص تعزيز الاستثمار الخاص لتحقيق النمو الاقتصادي الاحتوائي.

خلال المدة (2000-2017)، بلغ متوسط الاستثمار الخاص السنوي في بلدان منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى قرابة 15% من إجمالي الناتج المحلي، وهو ثاني أدنى مستويات الاستثمار الخاص في العالم بعد إفريقيا وجنوب الصحراء. وقد تراجعت نسب الاستثمارات بشكل ملحوظ مقارنة بالمناطق المماثلة منذ الأزمة المالية العالمية.

وتوجد حاجة لقطاع خاص أكثر ديناميكية مدعوما باستثمارات خاصة قوية للتشجيع على خلق مزيد من فرص العمل وتعزيز النمو الاحتوائي. وسيُمكن إطلاق إمكانات الاستثمار الخاص، ومن ثم إرساء الأساس لنمو أكبر وأكثر احتواء للجميع، من خلال زيادة فرص الحصول على التمويل، والاستثمار في التعليم والبنية التحتية، وتقليص دور الدولة في الاقتصاد، وتعزيز الفعالية والحوكمة في القطاع الحكومي. وستتيح هذه الجهود التحول من النموذج الحالي الذي تقود فيه الدولة قاطرة النمو الاقتصادي، والذي حال دون تنمية القطاع الخاص، إلى نمو أكثر ديناميكية بقيادة القطاع الخاص.

تحتاج منطقة الشرق الأوسط إلى نمو أكبر وأكثر احتواء للجميع لخلق فرص عمل جديدة للأعداد المتزايدة من السكان وتعزيز صلابة الاقتصاد. ومن شأن زيادة الاستثمارات – العامة والخاصة – تعزيز الطلب الكلي على المدى القصير وإرساء الأساس اللازم لرفع مستويات النمو الممكن مستقبلا، من خلال زيادة الإنتاجية. وللاستثمارات العامة دور مهم في هذا الصدد من خلال توفير البنية التحتية (مثل الطاقة ووسائل النقل والاتصالات) الضرورية لإطلاق الاستثمار الخاص، ومن خلال المساعدة أيضا في بناء راس المال البشري (مثل الاستثمار في التعليم والصحة). ولكن، ينبغي زيادة استثمارات القطاع الخاص نظرا لمحدودية موارد المالية العامة. بالإضافة إلى ذلك، تعد الاستثمارات الخاصة مهمة لزيادة الطاقة الإنتاجية للاقتصاد وتعزيز الإنتاجية من خلال تطبيق أساليب وعمليات جديدة.

وبالرغم من أن بلدان عديدة في منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى تتخذ خطوات لتشجيع وتنمية القطاع الخاص – بما في ذلك تحسين بيئة الأعمال وتعزيز الحوكمة وتنفيذ إصلاحات داعمة للإنتاجية، الا ان الاستثمار الخاص سجل مستويات منخفضة مقارنة بالبلدان المماثلة، وتتناقص مساهمته في النمو مع الوقت.

المحركات الأساسية للاستثمار الخاص

وهنا ينبغي ذكر المحركات الأساسية للاستثمار الخاص للاسترشاد بها في الجهود المبذولة على مستوى السياسات والإصلاحات التي تهدف إلى تخفيف حدة المعوقات الحالية أمام الاستثمار الخاص وإطلاق إمكانات النمو في المنطقة.

1- ضخامة القطاع العام

بالرغم من أن الاستثمار العام يمكن أن يكون مكملا مهما للاستثمار الخاص، توجد دلائل تشير إلى أنه قد يسهم في مزاحمة الاستثمار الخاص في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأفغانستان وباكستان ومنطقة القوقاز وآسيا الوسطى.

وتدل هذه المزاحمة على أن القطاع العام الكبير لا يكمل القطاع الخاص بل يتنافس معه على الموارد المحدودة، بما في ذلك فرص الحصول على الائتمان وجذب المهارات. كذلك فإن نسبة الائتمان الكبيرة المخصصة للشركات المملوكة للدولة في منطقة الشرق تدل أيضا على أن الدولة لها دور كبير للغاية في القطاع الإنتاجي في الاقتصادات المصدرة للنفط. خصوصا في تلك البلدان حيث يزيد نصيب الشركات المملوكة للدولة في مجموع الائتمان بعدة أضعاف عن متوسطه في اقتصادات الأسواق الصاعدة. فضلا عن ذلك، ترتفع مستويات توظيف العمالة في القطاعات العامة في بلدان المنطقة عنها في البلدان المناظرة، مما يعرض القطاع الخاص إلى المنافسة على المهارات.

وترتفع نسبة موظفي القطاع العام إلى مجموع عدد الموظفين في البلدان المصدرة للنفط ى بمقدار) ٢,٧ مرة (عن متوسط هذه النسبة في اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية. وفي العديد من بلدان المصدرة للنفط، توجد أيضا فجوات كبيرة في مستوى التعويضات بين القطاع العام والقطاع الخاص، مما يؤدي بالفعل إلى زيادة تكلفة العمالة في القطاع الخاص وفي بلدان مجلس التعاون الخليجي تحديدا، ترتفع أجور القطاع العام بمقدار ضعفين إلى ثلاثة أضعاف تقريبا عن متوسط الأجور السائدة.

وفي منطقة الشرق الأوسط، أدت ثروات الموارد الطبيعية، والروابط القوية بين الاقتصادات، إلى جانب الدور المهيمن للدولة على القطاعات الإنتاجية، إلى تثبيط الاستثمارات الخاصة في القطاعات غير النفطية. وأثر ذلك سلبا على الزيادة التي شهدتها المنطقة في مستويات الإنتاجية وخلق فرص العمل، مما حد من فرص الاستثمار وجعل الحكومة بمثابة الملاذ الأخير للعثور على فرص عمل في بعض الحالات.

2- قيود تحسين مناخ الأعمال

تفرض مواطن الضعف الحالية التي تشوب بيئة الأعمال معوقات أمام القطاع الخاص أيضا. وتحديدا، تعد القدرة على الحصول على التمويل وجذب المهارات من أهم معوقات ممارسة الأعمال، إلى جانب المشكلات المتعلقة بالبيروقراطية الحكومية والقوانين، والتي ربما ترتبط أيضا

بالتواجد القوي للدولة في الاقتصاد ولا يزال دخول الشركات الجديدة إلى سوق الأعمال من أكبر

التحديات عبر المنطقة، حيث يقل عدد الشركات الجديدة في بلدان المنطقة عنه في الاقتصادات الصاعدة الأخرى.

3- العوامل المؤسسية

يعد الدور الداعم للقطاع العام في تطوير الجانب المؤسسي مهم جدا لتحفيز نمو القطاع الخاص، وذلك من خلال التأكيد على أهمية دعم التعليم (من أجل تعزيز راس المال البشري) والبنية التحتية لأجل تشجيع الاستثمار الخاص. وتؤكد نتائج بعض الدراسات أيضا على أهمية استقرار البيئة السياسية، وقوة أطر الحوكمة، وفعالية الحكومة ونزاهتها، وسيادة القانون.

السياسات اللازمة

تعد زيادة الاستثمارات الخاصة من أهم الأولويات في بلدان الشرق الأوسط وآسيا الوسطى من أجل تحقيق معدلات نمو أكبر والحفاظ على استدامتها ومن ثم توفير فرص عمل جديدة. ويستلزم إنشاء قطاع خاص يتسم بالديناميكية. ويتطلب جذب المزيد من الاستثمارات الخاصة، تنفيذ سياسات اقتصادية كلية وإصلاحات هيكلية ومؤسسية داعمة.

1- سيكون للإجراءات الهادفة إلى تحسين فرص الحصول على التمويل دور كبير في زيادة الاستثمارات الخاصة. ويمكن أن تتضمن هذه الإجراءات بذل جهود لإنشاء مكاتب الاستعلام الائتماني وتوسيع نطاق تغطيتها، وتعزيز حقوق الدائنين في إنفاذ الضمانات والكفاءة التشغيلية لنظم المحاكم (ونظم فض النزاع الودية) ذات الصلة، وتحسين قوانين وٕاجراءات الإفلاس، وتعزيز النظم المصرفية من أجل تحسين فرص الحصول على الائتمان المصرفي. ويمكن كذلك التشجيع على زيادة المنافسة بين البنوك من خلال تيسير متطلبات دخول البنوك الجديدة إلى السوق المصرفية وٕإلغاء المعاملة التفضيلية للبنوك العامة. ويمكن في الوقت نفسه بذل جهود لتعميق أسواق راس المال المحلية لزيادة القنوات التي تمول انشطة القطاع الخاص، بما في ذلك رؤوس الأموال المساهمة وغيرها من رؤوس الأموال الخاصة، مثل رؤوس الأموال المخاطرة.

2- من الضروري للغاية توجيه الإنفاق العام نحو التعليم (بما في ذلك توجيه التعليم والتدريب المهني نحو المهارات اللازمة للعمل في القطاع الخاص) والبنية التحتية المادية من أجل بناء راس المال البشري وتعزيز التنافسية والإنتاجية وسيكون هذا النوع من الاستثمارات العامة بمثابة أداة مكملة للاستثمار الخاص. وسيتطلب ذلك في معظم بلدان المنطقة التي تواجه قيودا على موازناتها العامة تحويل الإنفاق من الاستخدامات غير المنتجة (مثل الدعم غير الموجه وفواتير الأجور المرتفعة) إلى الاستثمار. وبترسيخ هذه المبادئ في أطر قوية لإدارة الاستثمارات العامة، سيتم ضمان جودة الإنفاق وكفاءة واستدامة استخدام الموارد.

3- ان لدعم الاستثمار الخاص أيضا من خلال تكميل هذه الإجراءات بجهود اضافية لزيادة فعالية الحكومة، بما في ذلك تقليل البيروقراطية، وتعزيز الشفافية والمساءلة للحد من تصورات الفساد، وتعزيز الإطار القانوني للشركات.

4- الحد من هيمنة القطاع العام وإتاحة مجال أكبر لازدهار القطاع الخاص بالعمل على خلق بيئة أعمال تنافسية من خلال تقليص دور القطاع العام (ممثلا في الشركات المملوكة للدولة) وادخالها في شراكة مع القطاع الخاص.

وستتيح هذه الجهود التحول من النموذج الحالي الذي تقود فيه الدولة قاطرة النمو إلى نمو أكثر ديناميكية بقيادة القطاع الخاص. وسيدعم ذلك زيادة التنويع الاقتصادي في البلدان المصدرة للنفط، كما سيضمن تحقيق نمو احتوائي واسع النطاق عبر المنطقة، مما سيعزز من صلابة الاقتصاد في هذه البلدان.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2018
www.fcdrs.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0