سادت الموجة الفكرية الكلاسيكية في الاقتصاد العالم بعد بروز كتاب (آدم سميث) العالم أجمع، فبعد النجاحات التي حققها كتابه الشهير (ثروة الأمم) في العالم الغربي، انطلقت هذه الموجه لتغزو كيان العالم أجمع، حتى غرق فيها الجميع، لتبدو وكأنها المصير والقدر النهائي للانظمة السياسية والاقتصادية لكافة الدول وفق مايعرف بالنظام الرأسمالي، هذا النظام الذي يعمل وفقاً لقاعدة بسيطة هي (دعه يعمل دعه يمر)، حيث لاقيود لا تدخل من قبل الحكومات ولاحواجز. وبعد أن انبهر الجميع بهذا الشعاع الا انه سرعان مابدأ يعمي ابصار الكثير عن الحقائق التي بدأت بعد انتشار الرأسمالية في العالم وانحرافها عن المسار او بالأصح ظهور وجهها الحقيقي وأهدافها غير المعلنة.

فبعد التفاوت في التوزيع بدأ واضحاً والفجوة بين الاغنياء والفقراء هي الاخرى ازدادت، وحجم التركز المالي أصبح هو السمة لهذا التوسع الوحشي، فأنطلقت الرأسمالية كالألة التي تسحق في طريقها كل من لاتجد فيه شروطها المجحفة، ليدخل بعد ذلك العالم في نفق من المنافسة الشرسة وغير العادلة ومن انعدام الأمن وانتشار القلق والحروب وتسارع معدلات الفقر وانتشار للشركات العالمية التي تتحكم في مصير الشعوب بحثاً عن الاستثمار والارباح. وعبر اشعال فتيل الازمات والصراعات والكراهية بين شعوب العالم محلياً وعالمياً. وعلى انها حامية للسلام وداعمة له وهي في الاصل الافعى التي تنفخ في تلك النار.

يقوم النظام الرأسمالي الذي أفرزته الثورة الصناعية في أوروبا، بعد ثراء الطبقة البرجوازية وتمركز رؤوس الاموال، على مبادئ الملكية الخاصة لأدوات الإنتاج والمبادرة الفردية والمنافسة الحرة، بحيث يتم تقسيم العمل وتخصيص الموارد عبر آلية السوق دون الحاجة إلى تدخل الدولة، فيما يحق للملاك الاحتفاظ بالأرباح وامكانية اعادة استثمارها، ورغم بعض المزايا التي تحققت في النظام الرأسمالي، الا انه يخلف أزمات يصعب الخروج منها، وقد صدق حدس الاقتصادي البريطاني جون كينياس في نظريته المنسوبة إليه في منتصف الثلاثينات، والتي يري فيها أن الاقتصاد الرأسمالي غير قادر على حل مشاكله بنفسه، مؤكدا على وجود أوقات كساد اقتصادي تحتم على الحكومة بأن تحفز الاقتصاد.

وبموجب ذلك، فلاغرابة اذا يتسبب النظام الرأسمالي في حدوث أزمات عنيفة هزت الدول المتبعة لهذا النظام، كأزمة الكساد الكبير في عام 1929 ومروراً بالثلاثينيات وبداية الأربعينيات، وتعتبر أكبر وأشهر الأزمات الاقتصادية في القرن العشرين، وصولاً إلى الأزمة العالمية في سبتمبر 2008، والتي بدأت في أمريكا وكادت تفتك بالدول المرتبطة بالاقتصاد الأمريكي، ناهيك عما تفرزه الرأسمالية من سياسة الاحتكار الذي يعد ابتزازا صارخا لحاجة المستهلك، فضلا عن أنانية المستثمرين إذ يتحكم فرد أو مجموعة في السوق تحقيقاً لمصالحهم الشخصية علي حساب المجتمعات والشعوب.

وللأسف فان أنصار الرأسمالية قد اعتقدوا ان نظام السوق المفتوح هو الأجدر على خلق روح المنافسة وحماية حقوق الفردية، لكنهم في المقابل قد استبعدوا او تغافلوا عن الطمع والجشع البشرى ودور العوامل السياسية الدولية في التحكم بمجريات السوق العالمي، حتى كشفت الرأسمالية عن وجهها القبيح في التسبب في زيادة معدلات الفقر والمجاعة في العالم نتيجة انتشار البطالة والاحتكار للشركات العابرة للجنسيات والقارات.

من جهة أخرى يرى الاقتصادي (ها- جوون تشانغ) بأن حرية السوق ليس لها وجود، فلكل سوق بعض القواعد والحدود التي تقيد حرية الاختيار، ولاتبدو السوق حرة الا لأننا نقبل بقيودها الضمنية قبولاً غير مشروط الى درجة اننا نعجز عن رؤيتها، ولايمكن أن نحدد بموضوعية الى أي مدى تكون احدى الاسواق حرة. ان الزعم المعتاد من قبل الاقتصاديين القائلين بحرية السوق والذي مفاده أنهم يحاولون الدفاع عن السوق ضد التدخل الحكومي المسيس هو زعم باطل. فالحكومة دائماً متورطة واولئك القائلون بحرية السوق لهم دوافع سياسية مثل الجميع.

كما يرى (تشانغ)، بأن الدافع الربحي لايزال المحرك الاقوى والاكثر فاعلية لشحن طاقة اقتصادنا، ويجب علينا استغلاله عن أخره، ولكن يجب ان نتذكر أن ترك الوضع مفتوح كما هو الحال عليه الأن ليس الطريقة الافضل للاستفاده منه بأكبر قدر، كما تعلمنا مقابل ثمن هائل عبر العقود الثلاثة الماضية. فقد أظهرت هذه العقود تباطؤ الاقتصاد وتزايد التفاوت وانعدام الامن كما أدت الى أزمات مالية متكررة، ومثال ذلك هو أزمة 2008، والتي كشفت تعقيد العالم الذي صنعناه بالأخص في مجال الاسواق المالية، والذي تجاوز بدرجة هائلة سرعة قدرتنا على فهمه والتحكم فيه.

ويضيف، بأن اسطورة اقتصاد المعرفة ما بعد الصناعي ضللت استثماراتنا، فقد شجعت التأكيد المفرط على سبيل المثال على التعليم بشكله الرسمي، الذي يتبين أن تحديد أثره على النمو الاقتصادي معقد للغاية، وان انتشار الانترنت واثاره على الانتاجية في الواقع متواضعة الى حد كبير. كما ان هناك حاجة لابطاء الحركة المالية من أجل تحجيم الفجوة بين الاقتصاد المالي والاقتصاد الحقيقي، فلن نشجع الاستثمار طويل المدى والنمو الحقيقي لان الاستثمارات المنتجة تأخذ وقتاً طويلاً لحصد نتائجها.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1