عانى ولازال الاقتصاد العراقي من النتائج السلبية للتحول المفاجىء من اقتصاد مركزي اشتراكي الى أخر لا مركزي حر بعد العام 2003، ومن جملة هذه النتائج هو فشل العديد من المشاريع الصغيرة والمتناهية الصغر والتي تمثل الانطلاق الحقيقية للقطاع الخاص الذي يُعد الاساس لاقتصاد السوق الحر، وصحيح إن نجاح هكذا مشاريع مرتبط بعوامل كثيرة منها التمويل المالي اللازم والاستقرار الامني والسياسي، الا إن العامل الحقيقي والذي هو التمويل قد توافر من خلال السياسات الحكومية ومبادراتها فيما يتعلق بالقطاع الزراعي والصناعي، وحتى موضوع الاستقرار الأمني فنجد إن مناطق عديدة كان وضعها الأمني ولازال جيد نسبياً.

اذ تشير الاحصاءات بأن معدل النمو السنوي المركب للقطاع الخاص للمدة من (2006-2009) كان (22%) مقارنة بنمو القطاع العام الذي بلغ (30%)* للمدة نفسها، وهذا يعني إن القطاع العام مازال متفوق على القطاع الخاص في اقتصاد المفروض أن تكون الافضليه فيه للقطاع الخاص، فعلى الرغم من المبادرات لتنشيط القطاع الخاص والتي كان أخرها اطلاق مبلغ تريليون دينار في العام 2017 لتمويل المشاريع الصغيرة من قبل البنك المركزي العراقي مابين قروض صناعية وزراعية واسكان، الا أن دور المشروعات الصغيرة والمتوسطة في خفض مستوى البطالة وتحقيق معدلات نمو عاليه من شأنها الارتقاء بالواقع الاقتصادي للبلد.

اذن ما هي الاسباب التي أوصلت الحال الى ما هو عليه، يرى الكثير من الاقتصاديين والخبراء في مجال تمويل هكذا نوع من المشروعات، ان الاسباب تكمن في إن المشكلة لا تكمن في التمويل ذاته، بقدر ما هي متعلقة في ادارة هذا التمويل، فعلى سبيل المثال ليست العبرة من تمويل هكذا مشاريع هو تقليل حجن البطالة بين المواطنين وحسب، وانما يجب أن تكون لهذا التمويل اهداف ستراتيجية بعيدة المدى، تتمثل في أن يكون هذا التمويل متجه نحو مشاريع قادرة على خلق قيمة مضافة للناتج المحلي وأن تزيد من وتيرة عجلة التنمية الاقتصادية وأن تخلق حالة من التفاعل والتشابك الانتاجي بين المشاريع كافة.

هذا من ناحية ومن ناحية، إن اطلاق هكذا برامج تمويل وأي كان حجمها، لأبد أن يسبقه دراسة وبحث لنفسية وسلوك أفراد المجتمع فيما يتعلق بميولهم الانتاجية والاستهلاكية، فكما نعلم أن الفرد العراقي كان يعيش في ظل دولة ريعية، أعتاد فيها أن توفر له كل شيء، فالموظف سواء أنتج أم لا هناك أجر يستحصل عليه في نهاية كل شهر، بل والأكثر من هذا يعيش المواطن العراقي في تبعية مقيته للحكومة من أجل أن توفر له فرص التعيين، وبالتالي فأن هناك اتجاه سلوكي ونفسي في أن لايتقبل الفرد العراقي القطاع الخاص وأن يكون همه الوحيد هو العمل في القطاع العام.

هذه الحالة من السلوك الاقتصادي والاجتماعي ولدت حالة من الكسل والخمول لدى أفراد المجتمع العراقي في خلق المبادرة وتحقيق ذاته بمجهوده وبحثه الشخصي، وبالتالي كيف نفكر أن نشركه في القطاع الخاص وهو غير مؤمن فيه بالمرة. هذا من جهة ومن جهة أخرى بطبيعة الحال فأن العراق وبسبب ريعية الدولة جعلته استهلاكياً أكثر مما هو انتاجي، فلا غرابة أن نجد ان الكثير من المواطنين يتجهون نحو القروض الاستهلاكية حتى وإن تجاوزت نسبة الفوائد عليها أكثر من 10%، وحتى القروض الانتاجية التي تخص القطاعات الاقتصادية كالقطاعات الصناعية والزراعية فأن المستفيدين منها اغلبهم لم يقم بتوجيهها نحو قنواتها الانتاجية الصحيحة.

نحن نعلم إن ثمة مشاكل عديدة تواجه عملية الحصول على كثير من هذه القروض منها التشريعات والقوانين وكثيرة التعقيدات الادارية، فضلاً عن نسب الفوائد المرتفعة نسبياً، وكذلك انعدام البنى التحتية التي تساعد في نجاح هذه المشاريع، لكن الكثير من حصل هذه القروض سيما الانتاجية منها قام بتوجيهها نحو مسارات طفيلية وهامشية وبالتالي ضياع الفرص على البلد في تطوير قاعدته الانتاجية مستقبلاً.

وهنا يجب أن يفهم القائمون على هذه المسألة في إن جزء كبير من حل هذه المشكلة يكمن في علاجها علاجاً اقتصادياً اجتماعياً لا اقتصادياً وحسب، فمثلا يمكن الاستفادة من التعليم في هذا الجانب، فالتعليم الجامعي سيما فيما يتعلق بكلية الادارة والاقتصاد فيه الجانب التنظيري يأخذ حيز كبير على حساب الجانب التطبيقي، فتخيل خريج قسم الاقتصاد لا يملك القدرة ولا المبادرة على خلق فرصة عمل له، و لا خريج الادارة إن يقود مجموعة من الافراد سواء من الاصدقاء او الزملاء لخلق او صنع مشروع ما، و لاخريج العلوم المالية قادر على الاستفادة من فرص التمويل والقروض في الاستفادة منها في تمويل مشروع معين!!.

يمكن أن نبدأ بالتعليم في خلق جيل متعلم مهني قادر على اخذ المبادرة في احلك الظروف وقادرة على الاعتماد على نفسه وأن يكون مشارك وحر ولديه القدرة والاستمرارية في البحث والاكتشاف وصنع الفرص في الحاضر والمستقبل، فالتعليم الصحيح قادر على ايجاد شباب واعي وانتاجي لا استهلاكي وحسب يقدر قيمة المال والادخار والاستثمار وقادر على مواجة أسؤا انواع الظروف المعيشية وأن لا يبقى تابع للدولة في توفير حياة كريمة له. وهذا لا يتم الا من خلال بحث ودراسة سلوك الطلبة وتوجهاتهم واحتضان افكارهم واعطاءهم الفرصة الكافية في التعبير عن أنفسهم وأن يتسلموا زمام المبادرة عبر التشجيع والمشاركة والمواصلة مع المجتمع وذلك عبر أن يقوم الطلبة بعمل مشاريع صغيرة أو طرح أفكار مشاريع وهم في مرحلة الدراسة والمشروع الامثل يحظى بالتمويل والاشادة ومع المتابعة، ستكون الجامعات والمعاهد لا مجرد بئية لنشر المعرفة والبحوث بل ستكون بيئة عملية لصنع وتطبيق هذه المعرفة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0