تُعد السياسة النقدية أحد الأركان الاساسية للسياسة الاقتصادية لغالبية البلدان، وتختلف ادوات واهداف هذه السياسة من بلد لآخر، وتركز البنوك المركزية على العديد من الاهداف، لعل أهمها هو معالجة التضخم وبالتالي التوجه نحو استقرار الاسعار، وكذلك تحقيق معدل مقبول للفجوة بين سعري الصرف الرسمي والموازي، فضلاً عن دعم الاقتصادات في تحقيق معدلات عالية من النمو الاقتصادي.

إن عدم التناسق بين السياسة المالية والنقدية، أو عدم تناغم القطاع النقدي والحقيقي، أو سوء استخدام هذه الاداة مع عدم وجود جهاز إنتاجي قادر على امتصاص كمية النقود الكبيرة التي تطارد كمية قليلة من السلع نتيجة الانفصال الحاصل بين القطاع النقدي والحقيقي وانعدام تأثيره على سعر الفائدة ومن خلاله على الاستثمار العام سيخلف مشاكل عديدة منها ما ينعكس على الموازنة العامة بزيادة عجزها بسبب زيادة الانفاق العام.

يركز هذا المقال على الاثر الذي يتركه عرض النقود سواء كان بمجاميعه الثلاثة (MO, M1, M2) أو أحد مكوناته على الموازنة العامة، أذ يؤثر عرض النقود من خلال زيادة الاسعار، وتكون العلاقة طردية ما بين عرض النقود والاسعار، وبالتالي سيدفع بالاتجاه التصاعدي للإنفاق العام وهذه حتمية خصوصاً في البلدان النامية او الريعية المعتمدة على الايراد الاحادي الجانب.

إن ارتفاع عرض النقود سيدفع نحو زيادة العجز نتيجة رفع نفقات السلع والخدمات الحكومية والنفقات الجارية من مرتبات واجور نتيجة العلاقة الطردية بين عرض النقود والمستوى العام للأسعار كما تم ذكره آنفاً.

هذه العلاقة تزيد من توجه السياسة المالية الى زيادة حجم الدين العام الداخلي والخارجي سواء كان من البنوك المركزية او التجارية او المؤسسات الدولية، وبذلك ستكون العلاقة تبادلية بأثر ارتفاع الاسعار بين قطبي السياسة النقدية والسياسة المالية.

وتبين البيانات الاحصائية الصادرة عن البنك المركزي لعام (٢٠١٧) وصول عرض النقود (بمعناه الضيق MO لأنه مناسب لتحديد عرض النقد بسبب أستناده على الانفاق الفوري) الى نحو (٧١) ترليون دينار (بعد أن كان عام ٢٠١٦ (٧٠) ترليون) وتشكل قيمة عرض النقد خارج الجهاز المصرفي نحو (٤٠) ترليون دينار، وهذا ما يرفع نسبة العملة الى عرض النقود بواقع (٥٩٪؜) (النسبة التي يفضل الافراد الاحتفاظ بها من النقد)، وهذا بحد ذاته مشكلة، اذ لا تبلغ قيمة العملة داخل الجهاز المصرفي الا (٣٠) ترليون.

ونلاحظ أن عرض النقود ارتفع بنسبة (١٪؜)، بالرغم من أن نسبة الزيادة منخفضة الا أنها أدت الى ارتفاع مستوى التضخم بنسبة أقل من (١٪؜) عما كان عليه عام ٢٠١٦، بينما نلاحظ أن الاختلال الفعلي في الموازنة العامة بلغ نحو (١،٨) ترليون (بعد أن كان ٢٠ ترليون عام ٢١٠٦) وهو ما يشكل نسبة من الناتج المحلي (٠.٧٢) وهي أقل من الواحد الصحيح وتعد هذه النسبة دون مستوى الخطر بكثير، لأن النسبة تكون أكثر خطورة عندما تكون اعلى من (٥٪؜ من GDP).

وينبغي أن نشير الى أن المتحكم الاساسي بعرض النقد هو السياسة المالية، لأنها تمتلك العملة الاجنبية التي يتم مبادلتها مع عملات محلية من خلال البنك المركزي، فإن اي زيادة في مستوى الاسعار وعجز الموازنة ستكون السياسة المالية هي السبب الاساسي.

ما تقدم هو صورة بسيطة عن علاقة عرض النقود بعجز موازنة ٢٠١٧، وتبين أن هناك علاقة طردية بينهما، وأن أثر عرض النقود على الاسعار والتضخم والموازنة طفيف نتيجة دخول كميات كبيرة من العملة الاجنبية بسبب ارتفاع اسعار النفط، هذا ما ادى الى حدوث التوازن وحل محل القطاع الحقيقي المنخفضة إنتاجيته (قطاع السلع والخدمات)، ويدعو ذلك السياسة الاقتصادية الى مراجعة تتناغم مع متغيرات الاقتصاد الكلي وتكون شاملة لمتغيراته، فضلاً عن وضع خطط مدروسة اذا ما انخفضت اسعار النفط، لأن انخفاض الاخير سينتج عنه اثار سلبية كبيرة متمثلة بارتفاع مستويات التضخم التي لا يكبح جماحها سوى القطاع الحقيقي.

* باحث اقتصادي

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق
الدكتور حيدر حسين
العراق
لاتوجد علاقة بالشكل المذكور في المقال بين عرض النقد وعجز موازنة 2017، وهذا الامر محسوم نظرا لان تراجع ايرادات النفط السبب الرئيس في العجز المالي الحكومي منذ سنوات2018-06-20

مواضيع ذات صلة

2