قبل عام فقط، كانت الأرجنتين محبوبة المستثمرين العالميين لدرجة أنها عندما أصدرت سندات رائدة لأجل 100 عام مع عائد لا يتجاوز 7.9%، اقتنصها المستثمرون، متجاهلين حقيقة أن الأرجنتين أصيبت بالإفلاس ثماني مرات خلال الـ 200 سنة الماضية.

الا أنه يبدو أن حالة الذعر التي أحدثتها العملة والتي عانت منها الأرجنتين الشهر الفائت باغتت كثيرين، والواقع أن مجموعة من الرهانات المحفوفة بالمخاطر والتي قامت بها الحكومة الأرجنتينية في 2015 تسببت في زيادة تعرض البلاد للمخاطر، وما لم يكن واضحا هو متى قد يخضع اقتصاد الأرجنتين للاختبار، وعندما أتى موعد الاختبار فشلت، اذ كان لزاما على الأرجنتين أن تعالج عددا من اختلالات الاقتصاد الكلي عندما تولى الرئيس ماوريسيو ماكري منصبه في نهاية عام 2015، وتضمنت التدابير المبكرة إلغاء الضوابط التي كانت مفروضة على سعر الصرف ورأس المال، وخفض الضرائب على الصادرات من السلع الأساسية.

كما استعادت الأرجنتين القدرة على الوصول إلى أسواق الائتمان الدولية في أعقاب التسوية التي عقدتها مع ما تسمى "الصناديق الجشعة" بشأن النزاع على الدين والذي دام أكثر من عشر سنوات، وأخذت الحكومة على عاتقها سلوك نهج جديد في التعامل مع الاقتصاد الكلي يستند إلى ركيزتين "الخفض التدريجي للعجز المالي الأولي، ونظام طموح لاستهداف التضخم والذي كان المفترض أن يؤدي إلى خفض نمو الأسعار السنوي إلى خانة الآحاد في غضون ثلاث سنوات فقط"، وابتهجت الأسواق، فكان الرأي السائد الذي روجت له الحكومة الأرجنتينية بشغف هو أن البلاد قامت بما هو ضروري لتحقيق نمو اقتصادي أسرع وأكثر استدامة، وكان المفترض أن يتدفق الاستثمار المباشر الأجنبي، لكنه لم يتدفق.

وعانت الأرجنتين عوضا عن ذلك من الركود التضخمي في عام 2016، ثم أعقب ذلك التعافي الذي اعتمد على الاستدانة في عام 2017، وقد أدى ذلك إلى ارتفاع في الواردات لم يكن مصحوبا بزيادة متناسبة في الصادرات، مما أدى إلى اتساع عجز الحساب الجاري إلى 4.6% من الناتج المحلي الإجمالي ونثر بذور الشك بشأن فضائل النهج الجديد، ثم انتهت حالة الابتهاج في الأسواق قبل بضعة أسابيع وتدهورت التوقعات وفرت رؤوس الأموال، وانخفضت قيمة البيزو بنسبة 19% مقابل الدولار في غضون ثلاثة اسابيع فقط.

وقد كشفت أزمة العملة أخيرا عن نقاط الضعف التي تعيب الأرجنتين، وبالنظر إلى المستقبل فسوف تتعرض البلاد لمصادر خطر مختلفة عديدة:

أولا: لا يزال هناك مخزون كبير من سندات البنك المركزي، وكلما صار جزء كبير من هذا الدين مستحقا ستصبح الأرجنتين رهينة لمزاج الأسواق المالية، وهذا من شأنه أن يزيد تقلب سعر الصرف المتوقع الذي قد يخلق الفرص للاستثمارات المالية القائمة على المضاربة، لكنه سيثبط الاستثمارات في الاقتصاد الحقيقي.

ثانيا: لأن ديون القطاع العام المقومة بعملات أجنبية أصبحت أعلى كثيرا مما كانت عليه قبل عامين فإن الزيادة في مخاطر سعر الصرف كفيلة أيضا بالتشكيك في استدامة ديون القطاع العام. ولكي يتسنى لنا تقدير إلى أين تتجه الأرجنتين بعد الأزمة يتعين علينا أن نسلط الضوء على العديد من العناصر البارزة في ما يتصل بالكيفية التي أديرت بها هذه المسألة:

أولا: خسر البنك المركزي نحو 10% من إجمالي مخزونه من احتياطيات النقد الأجنبي في غضون شهر واحد فقط.

وثانيا: جرى رفع سعر الفائدة الاسمية السنوية على سندات البنك المركزي إلى 40%، وهو السعر الأعلى في العالم، كما تهدد هذه الخطوة بخلق كرة ثلج من ديون البنك المركزي.

ثالثا: وهو ما يعد الصدمة الكبرى للأرجنتين أعلن ماكري أن البلاد ستسعى لتأمين اتفاق احتياطي مع صندوق النقد الدولي.

ونلاحظ من ذلك من أن التاريخ المالي يبين أنه عندما تقترن التقلبات السريعة في العملات مع انقلاب في دورة الائتمان، يمكن أن يؤدي ذلك إلى طرد الكيانات ذات الرفع لمالي - وتقديم مفاجآت على غرار الأرجنتين.

بعض عناصر هذا المزيج الخطير بدأت تتحقق الآن، تعزز الدولار على أساس الوزن التجاري النسبي، بنسبة 5%، في هذه الأثناء، أخذت شروط الائتمان العالمية اتجاها متشددا نوعا ما بعد قرارات رفع أسعار الفائدة الستة من الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في غضون ثلاث سنوات، وهذا لا يعني بالضرورة أن الكارثة الأرجنتينية ستثير أزمة في الأسواق الناشئة في الوقت الحالي. على الرغم من أن بلدانا مثل تركيا تبدو معرضة للخطر، إلا أن الظروف المالية العامة لا تزال فضفاضة بالمعايير التاريخية.

مع ذلك، قوة الدفع في الأسواق العالمية آخذة في التحول. أو بعبارة أخرى (وكما أشرتُ في العام الماضي)، عندما ينظر مؤرخو المستقبل إلى السندات الأرجنتينية لأجل 100 عام، فإن سوق السندات سوف تبدو على الأرجح كأنها المعادل لموقع pets.com للاكتتاب العام الأولي خلال طفرة التكنولوجيا في عام 2000 - أي علامة على فقاعة تأخذ، في أحسن الأحوال، في الانكماش ببطء، أو في أسوأ الأحوال، محكوم عليها بالانفجار.

وقد تترتب على ذلك ثلاث عواقب، أولا، يحتاج المستثمرون على وجه السرعة إلى إجراء اختبارات إجهاد لمحافظهم الاستثمارية في عالم يتسم بتقلبات العملة وارتفاع أسعار الفائدة. ثانياً، يجب أن يصبح المقترضون أكثر متانة. علينا ألا ننسى، كما لاحظ جاي باول، رئيس الاحتياطي الفيدرالي "قد لا يكون بعض المستثمرين والمؤسسات في وضع جيد في حال تقرر إحداث زيادة في أسعار الفائدة".

ثالثا، يحتاج صناع السياسة إلى الاستعداد أيضا. في السنوات الأخيرة كان صندوق النقد الدولي يحث الحكومات على استخدام هبة الأموال الرخيصة لإجراء الإصلاحات الهيكلية التي تشتد الحاجة إليها، وتحسين المالية العامة. لكن كما أعرب الصندوق، مبديا أسفه الشهر الماضي، معظم الحكومات تجاهلت هذه الدعوة، وبالتالي ارتفعت ديون القطاع العام إلى مستويات عالية. وحقيقة أن الأرجنتين تعاني عجزا في المالية العامة بنسبة 9% (عندما تُضاف قروض البنك المركزي) هو أمر له دلالته.

وهذا يعني أن على الحكومات التعجيل بالإصلاحات الهيكلية، ويجب على صناع السياسة أيضا إعادة فحص شبكة الأمان المالي العالمية الأوسع، ولهذا أربعة عناصر متداخلة: لدى كثير من البلدان احتياطيات احترازية من العملات الأجنبية، ولدى كثير منها أيضا اتفاقيات مبادلة ثنائية بين البنوك المركزية (للتزويد بالتمويل في حالة حدوث أزمة). وظهرت برامج المساعدات المالية الإقليمية. وبرامج إقراض صندوق النقد الدولي، إن هذا المزيج قوي بما يكفي للتعامل مع الصدمات المحدودة. من المحتمل أن يتم احتواء الاضطرابات في الأرجنتين، إذا وافق صندوق النقد الدولي على طلبها للحصول على اتفاقية ائتمان احتياطي، مثلا. لكن إذا انتشر الاضطراب، فإن شبكات الأمان ستخضع لاختبار أكثر تدقيقا بكثير.

كما أن التفاعل بين برامج المساعدات المالية الإقليمية وصندوق النقد الدولي متذبذب، فلا أحد يعرف على وجه اليقين ما الذي سيحدث إذا فشل أحد البلدان أصلا في سداد التمويل بناء على اتفاقية المبادلة بين البنوك المركزية. ومن غير الواضح أيضا حجم القوة التي سيحصل عليها صندوق النقد الدولي في المستقبل، حيث من المقرر أن يُجري الصندوق مراجعة للحصص في العام المقبل، ويحرص المسؤولون فيه على أن تزيد البلدان الأعضاء دعمها بعشرات مليارات الدولارات. لكن من غير الواضح ما إذا كانت إدارة دونالد ترمب ستوافق على دعم أي زيادة. والأقل وضوحا حتى من ذلك هو ما يمكن أن يحدث إذا لم توافق الولايات المتحدة على تقديم الدعم.

وعلى هذا، فإذا انزلق القطاع العام في الأرجنتين إلى ضائقة الدين في السنوات المقبلة فسوف يكون لزاما عليه أن يخضع لوصاية صندوق النقد الدولي، وهو دائن في حد ذاته، لكنه يمثل أيضا مؤسسة يهيمن عليها دائنون دوليون، وعند هذه النقطة قد تتسبب الشروط التي يفرضها صندوق النقد الدولي في مقابل التمويل عادة في إحداث أضرار بالغة، أما الأمر الأكثر إثارة للقلق والانزعاج فهو إعادة التأكيد على نهج استهداف التضخم الذي أدى إلى تفاقم اختلالات التوازن الخارجي في الأرجنتين، ولن يكون من المستغرب إذاً أن تبدأ دورة جديدة من ارتفاع سعر الصرف الحقيقي في عام 2019.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

3