إن وجود سوق خصب لعمليات الاندماج والاستحواذ مهم جداً للاقتصاد ككل لفوائده العديدة، فعلى سبيل المثال يعد هذا السوق من العوامل المهمة لتطوير حوكمة الشركات ومنع استغلال موارد الشركة من قبل الإدارة على حساب المستثمرين، ذلك لأن وجود مخاطر أو احتمال الاستحواذ على الشركة يعطي دافعا للإدارة للعمل لمصلحة المستثمر، مما يؤدي إلى كفاءة

ومنتجات أفضل، مما يعود بالنفع على المساهمين وحتى المستهلكين وبالتالي الاقتصاد ككل، لذلك فإن وجود "خطر" الاستحواذ قد يفقد الإدارة عملها مما يعطيهم حافزاً للعمل لمصلحة المستثمر، وهذا ما يطلق عليه علماء التمويل The Market for Corporate Control.

ما الهدف من سوق الأسهم؟ يمكن تشبيه الجواب مثلما يرى بعض المختصين بحفرة كبيرة في الأرض في نيندروم على جزيرة ماهي في مقاطعة داون. منذ سنوات، توجد لافتة بجانبها تقول "حفرة للاستخدام غير المؤكد". فهي موجودة، ويولي الناس كثيرا من الاهتمام بها. وهو يقول "إن هذا التشبيه يلخص الموضوع من أوله إلى آخره".

وأي شخص ستكون نظرته إلى سوق الأسهم بهذه القسوة. الناس متأكدون من أن سوق الأسهم لها غرض معين تماما: السماح للشركات الكبيرة والراسخة بأن تصبح أكبر حجماً عن طريق الاندماج مع بعضها بعضا. كتفسير، هذا منطقي. فقد تم خلال الايام الماضية الإعلان عن 12 صفقة استحواذ كل واحدة منها بقيمة تزيد على 100 مليون دولار، وعدد منها كان ذا قيمة كبيرة تبلغ عددا لا بأس به من المليارات، على نحو يجعل المجموع يصل إلى أكثر من 120 مليار دولار: لنفكر في الصفقات بين "سينسبوري" و"أسدا"، و"تي موبايل" و"سبرنت"، و"مارثون بتروليوم" و"أنديفور".

عمليات الاندماج هذه ليست سيئة في حد ذاتها "على الرغم من أن صفقات على هذا النطاق في هذه المرحلة في دورة عالمية تنتهي، في أغلب الأحيان، نهاية سيئة". حقق المساهمون أموالاً وقد يجد المستهلكون إلى حد كبير أن آثار عملية الاندماج ستظهر من خلال خفض الأسعار. هذا أمر جيد - كما أوضح الرئيس التنفيذي لشركة سينسبوري عندما تم تصويره وهو يغني أغنية "نحن المال" بينما كان ينتظر إجراء مقابلة معه حول صفقته. لكن حجم هذا التنقل في ملكية الأسهم يجب أن يصيب المستثمرين بشعور مزعج. فعلى الرغم من المستويات المرتفعة من النشاط بشكل محموم، إلا أننا لا نصل إلى أي مكان.

المشكلة اليوم هي أنه لا يوجد ما يكفي من هذا النوع من المضاربة. وسهلت الأموال الرخيصة وقللت كثيرا على الشركات تكلفة عمليات الاقتراض وشراء شركات أخرى، والاقتراض وإعادة شراء الأسهم، والاقتراض ودفع الأرباح، بدلا من محاولة إيجاد القيمة عبر الطريق الشاقة لزيادة الإنتاجية والنمو العضوي.

على مدى السنوات الـ 50 الماضية، تشير تقديرات شركة ماكينزي الاستشارية إلى أن الشركات الأمريكية أعادت نحو 60 في المائة من أرباحها للمساهمين. في عام 2015 و2016 وبداية 2017 ارتفعت هذه النسبة إلى أكثر من 100 في المائة. هناك أيضاً صناعة الأسهم الخاصة، وحرصها على شراء أي شيء معروض أمامها: كان لديها 1.8 تريليون دولار من "الأوراق المالية القابلة للتداول وذات السيولة العالية" لإنفاقها في بداية عام 2018. لذلك، رأس المال الذي كان من الممكن استخدامه للاستثمار الإنتاجي كان يخرج من السوق على نحو متزايد.

يعتقد المستثمرون الحديثون في الغالب أن هذا أمر لا بأس به: فهم يكبرون في السن، ويخافون من المخاطر، ولا يستطيعون الحصول على الدخل الذي يحتاجون إليه من السندات بسبب انخفاض أسعار الفائدة. بالتالي ما الخطأ في وضع الأموال في الشركات التي، كما يرى أخرون تحصد التدفقات النقدية اليوم بدلا من الاستثمار في الشركات للنمو غدًا، على المدى القصير قد لا يكون هناك كثير من الخطأ في ذلك، لكن على المدى الطويل الخطأ سيكون ضخما جدا.

هذا الموقف يبالغ في الاتجاه نحو احتكار القلة ويمثل نظرة قصيرة الأجل ذات طبيعة خطرة، إذا اختار معظم الناس الاستثمار بطريقة تجعلهم يشترون فعلياً دخلاً من استثمارات منتجة في الماضي، فمن الذي يبقى ليضع المال في مستقبل منتج جديد؟ ويمكن لذلك أن يؤدي أيضا إلى تفاقم عدم المساواة في الثروة.

الاستثمار في النمو الحقيقي لديه القدرة على جعل المستثمرين يكسبون المال الحقيقي. لكن إذا جلستَ حول طاولة أي شركة ناشئة متقدمة هذه الأيام فإنك لن تسمعهم يخططون لعرض أولي عام مثير بهدف تمويل المرحلة التالية من النمو لديهم. بدلاً من ذلك ستستمع إليهم وهم يتحدثون عن شركة الأسهم الخاصة التي ستكون أفضل "شريك". وهذا يعني أن الشركات التي تستطيع فعلا الوصول إلى مرحلة الاكتتاب العام هي الشركات التي تكون طويلة الأجل فوق الحد، أو يحوطها اللبس فوق الحد من وجهة نظر الأسهم الخاصة - هي استثمارات مضاربة بالمعنى السيئ. لنفكر في "تسلا" والتكنولوجيا الحيوية.

هذه ليست رأسمالية المساهمين على النحو الذي ينبغي أن تكون عليه. فهي دائرية، وتفتقر إلى القدرة على الإلهام، وبالنسبة إلى الشخص العادي الذي لا يستطيع الوصول إلى الأمور الجيدة فإنها تبدو مثيرة للاستعداء نوعا ما. وإذا لم تبدأ بالتغير خلال فترة قريبة، فما الذي سيكون لدينا حين تنتهي موجة عمليات الاندماج والاستحواذ؟ ليس الثروة وآلة إيجاد المساواة التي نريدها. ما يتبقى لدينا هو مجرد عدد كبير من الشركات المكلفة التي تجلس في حفرة من القيمة غير المؤكدة نهائيا.

مما سبق يتبين أن سوق الاندماج والاستحواذ سلاح ذو حدين، فهو من الممكن أن يمثل طريقاً غير مباشراً لتطوير حوكمة الشركات وكذلك يخلق قيمة مضافة وكفاءة للسوق ككل، ولكن في المقابل فهو من الممكن أن يزيد من احتمال الاحتكار والإخلال بالمنافسة وتضارب المصالح، لعل الأمر الإيجابي الملاحظ في السوق الكويتي أن هيئة أسواق المال قد تنبهت لذلك عند إعداد اللائحة التنفيذية لهيئة أسواق المال، فقد وعت الهيئة إلى أهمية تطوير سوق الاستحواذات فشجعته ووفرت له البيئة الخصبة لتطويره، دون الإخلال بمبدأ المنافسة والاحتكار، مع إحاطته بالضمانات اللازمة لتفادي تعارض المصالح، وذلك حفاظا على حقوق المساهمين، حيث حظرت اللائحة التنفيذية على عضو مجلس إدارة الشركات الداخلة في الاندماج أن يصوت في مجلس الإدارة إذا كانت له أي مصلحة في الاندماج، كما نصت على استقلالية من يتولى تقييم أصول الشركات المندمجة بألا تكون له مصلحة مباشرة أو غير مباشرة، أو حتى أي تعامل مع الشركات المعنية، ولكن يبقى التطبيق هو المهم، ولا شك في صعوبته وحساسيته، خصوصا إذا كان المال العام طرفا فيه وسيتأثر من قراراته.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
1