تواصل دول مجلس التعاون الخليجي التكيف مع انخفاض أسعار النفط دون المعدلات التي تطبعت عليها الموازنات العامة، من خلال تقليص الانفاق الحكومي رغم ما يخلفه ذلك من اضعاف للنمو في القطاع غير النفطي. ورغم تعافي اسعار النفط الخام نسبيا في اسواق الطاقة العالمية وبلوغها عتبة 70 دولار للبرميل، فان الجهود الحكومية لتصحيح اتجاه الاقتصادات الخليجية مستمراً لإعادة هيكلة الاقتصادات النفطية باتجاه التنويع الاقتصادي وفسح المجال لدور القطاع الخاص في قيادة وتوجيه القطاعات الاقتصادية المحلية. وفي هذا السياق تبين دراسة حديثة صادرة عن صندوق النقد الدولي طبيعة الافاق المستقبلية للاقتصادات الخليجية في إطار جهود الاصلاح الاقتصادي والمالي المترتب على صدمة انهيار اسعار النفط في حزيران 2014 من خلال التركيز على ضبط الانفاق العام.

سياسات الضبط المالي

شهدت معدلات الإنفاق العام (بشقيه الجاري والاستثماري) نموا سريعا خلال العقد الماضي، نتيجة النمو السكاني السريع وارتفاع الإيرادات الريعية. وتذهب معظم الزيادة في معدلات الإنفاق العام إلى رواتب الموظفين وغيرها من النفقات الجارية الكبيرة كنسبة من إجمالي الناتج المحلي مقارنة ببلدان الأسواق الصاعدة والبلدان الأخرى المصدرة للنفط. ويعني ذلك نمو الإنفاق الكلي بمعدلات تفوق المستويات التي تتناسب مع استدامة المالية العامة على المدى المتوسط والطويل ومقتضيات تحقيق العدالة بين الأجيال.

في هذا السياق، بدأت حكومات مجلس التعاون الخليجي بتنفيذ حزمة إجراءات متعددة للضبط المالي، بالاستفادة بعض التجارب الدولية في عمليات الضبط المالي. وتشير تلك التجارب إلى أن نتائج النمو الاقتصادي تتحسن حين تستمر إجراءات الضبط المالي كجزء من خطط مالية موثوقة ومستمرة لسنوات، وتعتمد تلك الاجراءات والسياسات على تصحيح الإنفاق العام (الجاري بشكل خاص) أكثر من اعتمادها على تعديل الإيرادات العامة، واحداث تعديل في عناصر الإنفاق العام من خلال التحول من الانفاق الجاري إلى الإنفاق العام الأكثر كفاءة وإنتاجية، وتصحيح هيكل الإيرادات العامة بالتحول من الضرائب المباشرة إلى الضرائب غير المباشرة. ولكي تكون إجراءات الضبط المالي فاعلة يتطلب الامر في الغالب ان تكون ضمن إصلاحات هيكلية أوسع نطاقا تدعم النمو والاستقرار الاقتصادي.

ان إجراءات الضبط المالي ليست بالأمر الجديد في دول مجلس التعاون الخليجي، فقد انتهجت تلك البلدان العديد من السياسات لإصلاح بنية المالية العامة، لكن عمق تلك السياسات والمدد الزمنية لها اعتمدت في الغالب على حجم واستدامة الصدمة النفطية وما تخلفه من انحسار في الموارد الحكومية. وقد اعتمدت حكومات دول الخليج في إجراءات الضبط المالي السابقة على تقليص الإنفاق العام، اذ كانت الإيرادات غير النفطية مقيدة بتخلف النظم الضريبية وضعف الايرادات الحكومية الاخرى.

ان التحدي الذي يواجه دول مجلس التعاون الخليجي حاليا هو تصميم وتنفيذ مزيد من سياسات الضبط المالي بأكثر الطرق دعما للنمو والاستقرار الاقتصادي وتوليد فرص العمل، وفي هذا السياق ينبغي مراعاة ما يلي في سياسات ضبط الانفاق الجارية:

- إصلاح شبكة التحويلات الاجتماعية وتخفيض الدعم غير الضروري لضمان توجيه الإنفاق الحكومي بصورة أفضل نحو الفئات الأكثر حرمان وحاجة. وينبغي أن يكون إصلاح الدعم تدريجيا ومصحوبا بتعويضات موجهة للأسر محدودة الدخل.

- ترشيد الاستثمارات العامة من خلال قيام الحكومات بتحسين كفاءة الاستثمار العام عن طريق مراجعة تقييم المشروعات واختيارها ومتابعة عمليات التقييم ذات الصلة لضمان متانتها وتركيزها بالقدر الكافي على تحسين فرص الوصول إلى البنية التحتية الضرورية وقدرة القطاع الخاص التنافسية.

- اصلاح سياسات التوظيف والتعويضات في القطاع العام لأجل تقليص فاتورة الأجور والمعاشات التقاعدية من جهة، وتحريك أوجه الجمود في سوق العمل لتحفيز انخراط المواطنين في القطاع الخاص من جهة اخرى.

- رفع كفاءة الإنفاق في قطاعي التعليم والصحة لما له من دور في تنمية وتطوير الموارد البشرية، اذ يمكن تحقيق مكاسب كبيرة من خلال تحسين الكفاءة في هذين القطاعين.

- وضع أطر قوية متوسطة الأجل للمالية العامة، مع إعطاء الأولوية لتقوية الموازنة العامة السنوية واستحداث إطار مالي متوسط الأجل يرتكز عليه الضبط المالي ويحقق استدامة المالية العامة.

في الاقتصادات الخليجية، بدأ صناع السياسات بداية جيدة في تعديل مسار المالية العامة والتعايش مع هبوط اسعار النفط على المدى المتوسط والطويل، وتختلف وتيرة الضبط المالي باختلاف البلدان الخليجية، تبعا للحيز المالي المتاح لكل منها. وينبغي على كافة بلدان الخليج التركيز على ترشيد الإنفاق العام (وبالأخص الجاري منه)، واجراء مزيد من الإصلاحات في أسعار الطاقة، وزيادة الإيرادات غير النفطية، وتحسين كفاءة النفقات الاستثمارية.

وينبغي ايضاً أن تقترن سياسات الضبط المالي بإجراء المزيد من التحسينات في أطر المالية العامة ومؤسساتها، ويرتبط نجاح الاصلاح المالي ايضا بتنويع النشاط الاقتصادي ودعم القطاع الخاص لتعويض انخفاض الإنفاق الحكومي وضمان تحقيق نمو اقتصادي أقوى قادر على الاستدامة واحتوائي لجميع شرائح المجتمع. وسيتطلب ذلك تكثيف الإصلاحات لتحسين مناخ الأعمال وتقليص دور القطاع العام في الاقتصاد من خلال الخصخصة والشراكات بين القطاعين العام والخاص. كما يتعين على الحكومات الخليجية إجراء إصلاحات حقيقة لزيادة الحوافز التي تدفع المواطنين للعمل في القطاع الخاص وتؤدي بالقطاع الخاص إلى توظيفهم عبر تدريب وتأهيل القوى العاملة وبما يناسب متطلبات سوق العمل. وحيثما كان الحيز المالي متاحا، يمكن استخدام السياسة المالية لدعم الإصلاحات الهيكلية اللازمة لتعزيز نمو القطاع الخاص وتوظيف العمالة فيه.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2018
www.fcdrs.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1