على المستوى الاقتصادي لم تدخل السعادة في الحسبان إلا مؤخراً. فمنذ ظهور الحسابات القومية وهناك مؤشرات لأداء الاقتصاد كالدخل القومي والناتج المحلي الاجمالي، والتي أصبحت مجرد أرقام قد لا تعكس رفاهية المجتمع بسبب تفاوت توزيع الدخول، وكذلك إغفال العوامل الأخرى كالترابط الأُسري والصداقة. لذلك أعلنت حكومة بوتان عام ١٩٧٢ أنها ستتبنى سياسات لزيادة السعادة القومية عوضاً عن الدخل القومي.

واكتشف الاقتصادي ايسترلاين مفارقة أن الارتباط بين الدخل القومي والرفاه ليست وثيقة كما كان يُعتقد، حيث وجد أن السعادة تزيد مع زيادة الدخل حتى تتجاوز الاحتياجات الأساسية ثم تضعف العلاقة بينهما. والمفاجأة من مسوحات السعادة الأخرى أن مواطني الدول الغنية ليسوا بالضرورة سعداء، فمثلاً مواطني أمريكا الوسطى الفقيرة أسعد من سكان أمريكا الشمالية الغنية. وتؤكد دراسات أخرى أن ارتفاع الدخل قد لا يؤدي للسعادة، بمعنى أن المال لا يشتري لك السعادة.

ولكن فقدان المال يؤثر سلبياً على الرفاه، وكما تفعل البطالة تؤثر الأمراض على مستوى الرضا. ولذلك فأن البطالة سبب للتعاسة وأن الاقتصاد لا يهم إلا بقدر ما يجعل الناس سعداء. كما أكدت الأبحاث أن الحسد مصدر للتعاسة أيضاً، حيث لا يقنع الإنسان بما لديه بل ينظر إلى ما في يدي أقرانه، فإذا كان في مجتمع ما لا أحد يمتلك سيارة فخمة مثلاً فعدم امتلاكك لواحدة لا يعد مشكلة.

ولقياس السعادة قامت الحكومة الفرنسية ببحث لقياس التقدم الاقتصادي والاجتماعي، والتي أكدت نتيجته على أهمية تحول السياسات الاقتصادية من قياس الناتج الاقتصادي إلى مؤشرات الرفاه والاستدامة، حيث أشارت إلى وجود عدم اتساق بين المؤشرات الاقتصادية والرفاه. وكبديل للقياسات المعروفة تم اقتراح مؤشرات صحية وبيئية واجتماعية لتأثيرها على نمط المعيشة.

ومع توفر مصادر البيانات وتحسن جودتها أصبح لمفهوم السعادة أرضية تجعله هدفاً ممكناً للسياسات الحكومية، مما حول التوجه من المؤشرات الاقتصادية البحتة إلى عوامل السعادة مثل التوازن بين الحياة والعمل ومتوسط الأعمار وجودة التعليم، والخدمات الصحية. وأصبح من الوارد أن تسمع أن إحدى الدول وضعت استراتيجية وطنية للسعادة. ومن المؤكد أن مثل هذه الاستراتيجية لن توصي باستحداث هيئة لمكافحة التعاسة.

من هم الأكثر سعادة عالمياً

ويصدر في هذا الصدد مؤشر للسعادة يعده برنامج التنمية المستدامة بالأمم المتحدة ويرتب الدول حسب معايير محددة تستند الى 38 مؤشرا تتراوح بين مستويات الرفاه الاقتصادي والحرية الفردية ونظام الحكم والصحة والتعليم ومستوى الشفافية والفساد ومستويات الأجور، وقدرة الأفراد على تقرير مستقبلهم ومستويات الثقة بالحكومة والقطاع الخاص.

وقد احتلت الدنمارك في العام 2016 المرتبة الأولى تبعتها سويسرا ثم أيسلندا والنرويج وفنلندا وكندا وهولندا ونيوزلندا وأستراليا، وجاءت الولايات المتحدة في المرتبة 13 وبريطانيا في المرتبة 23. أما على الصعيد العربي فقد جاءت على رأس القائمة الإمارات العربية المتحدة لتكون في المرتبة الأولى عربيا وفي المرتبة 28 عالميا. أما الأردن فقد احتل المرتبة 80 عالميا، أي في مرتبة متوسطة بين 157 دولة وفي المرتبة السابعة عربيا بين 13 دولة دخلت ضمن الدول المصنفة في التقرير.

المفارقة في الأمر أن الدنمارك هي من أكثر دول اوروبا فرضا للضرائب على المواطنين، بيد أن مؤشر السعادة أشار الى أن مواطنيها هم الأكثر سعادة حول العالم بالرغم من حجم الضرائب التي يدفعونها، وعند السؤال عن ذلك أشار بعض المحللين أن السبب الرئيس في ذلك يعود الى مستوى الحرية الفردية التي يشعر بها المواطن، والى التوازن الذي يعيشه بين حياته العملية وحياته الاجتماعية، وأخيرا وليس آخرا الى مستوى الثقة المرتفع بالحكومة والقطاع الخاص في البلاد.

الشاهد من ذلك كله أن المواطن الذي يستطيع أن يحصل على حرية تحديد مساره الاجتماعي والاكاديمي والمهني هو أكثر سعادة بالضرورة من المواطن الذي يعيش ضمن دولة ريعية يجبره مستوى دخله على نوعية المدرسة التي يمكن أن يدخلها ويجبره وضعه الاجتماعي أو دخله أو ضغوط الأهل أو قوائم تنافسية وغير تنافسية في اختيار التخصص في الجامعة ولا يجد سوى الواسطة للعمل في الحكومة أو القطاع الخاص، ويجد نفسه ضمن عقلية اجتماعية أو تعليمية أو تثقيفية تدفعه للبحث عن الوظيفة بدلا من السعي نحو الابداع والابتكار والريادة للبدء بمشروعه الخاص أو مبادرته الخاصة، وجميع ما سبق هي سمات يمر بها المواطن العربي في العديد من دول المنطقة، ما يجعل القليل من الدول العربية يقف في أعلى قائمة الدولة الأكثر سعادة، كما هو الحال في دولة الإمارات العربية المتحدة.

من الواضح أن الشعوب الأكثر سعادة شعوب أكثر إنتاجية وهي شعوب لا تحتاج الى رعوية الدولة من الولادة الى الوفاة بل تحتاج الى الفرصة للتفكير بحرية والى التقرير بحرية والى العمل بحرية، الشعوب السعيدة أكثر قدرة على خلق تنمية اقتصادية متوازنة والى نمو اقتصادي مستدام والى رفاه اجتماعي مشترك، الشعوب السعيدة تدفع ضرائب أكثر وتتمتع بخدمات عامة وبنية تحتية أفضل وحكومة فعالة وقطاع عام منتج وقطاع خاص مبادر وقوة بشرية مبدعة ومبتكرة وريادية، إن سعادة الشعوب عماد إنتاجيتها وانتمائها فسعادة الفرد أحد اهم مقومات النمو الاقتصادي والتنمية الاقتصادية المستدامة للدولة ككل.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0