كان لتقنيات الاتصال أثراً تحولياً على أساليب إنجاز الأعمال على كافة مستوىات الصناعات والقطاعات، لا سيما مع السرعة المُلفتة التي كانت تتم بها المعاملات. ومروراً بذلك الزمن إلى وقتنا الحالي، فإن الطفرة التي حدثت بسبب استخدام الانترنت في هذا العصر الرقمي قد أدت إلى زيادة الأعمال القائمة على التجارة الإلكترونية – مثل علي بابا وأمازون وإيباي – كما أحدثت ثورة كبيرة في العلاقة بين المنتجين والموردين والمستهلكين.

وقد أدت زيادة انتشار وكثافة استخدام الإنترنت، بشكلٍ عام، إلى المساهمة بطريقة مباشرة في نمو أعمال التجارة الإلكترونية، مما ادى إلى مردود إيجابي بالنسبة لرائدات الأعمال والتجار والشركات الصغيرة والمتوسطة وغيرهم. وعلى الرغم من أن تطوير التجارة الإلكترونية قد قام أصلاً بهدف إيجاد آلية لتسهيل المعاملات، إلا أن "الاقتصاد الرقمي" قد تطور منذ ذلك الوقت وأضحى أداة قوية لخلق فرص العمل وإتاحة سبل كسب الرزق. فقد مكّن رائدات الأعمال الطموحات من تجاوز العراقيل التي كانت تحول دون دخولهن السوق، ومن تنويع مصادر دخلهن، فضلاً عن تمكين التجار من تحريك الطلب على المصنوعات اليدوية عبر المواقع الإلكترونية، والتواصل مع الممولين للحصول على رأس المال، والتخصص في بيع منتجات بعينها في الأسواق الجديدة والناشئة. كما أصبحت الشركات الصغيرة والمتوسطة في الاقتصادات النامية – فضلاً عن قدرتها لحيازة الموارد – قادرة على الاتصال بسلاسل الإمداد المحلية والوطنية وحتى الدولية. ومن ثمة، فهي لم تتمكن فقط من التوسع في تقديم السلع والمنتجات، بل قامت أيضاً بتوظيف المزيد من الأفراد وإيجاد موارد دخل مستدامة، تنهض بالمستوى المعيشي وجودة الحياة.

بالتأكيد، فإن التجارة الإلكترونية تحمل الكثير من الفرص – ليس فقط بالنسبة للأعمال – ولكن أيضاً على صعيد التنمية العالمية. ففي عصرٍ الانترنت الذي يتسم بالعديد بالاضطرابات السياسية، سوف تصبح الأسواق الرقمية الجديدة والمبتكرة بدائل حيوية وضرورية في الأسواق المنعزلة ولرواد الأعمال المُهجرين بسبب الحروب والنزاعات. وفي وضع تعاني وسائل وقنوات التجارة التقليدي من تدمير أو إعاقة ، تقوم التجارة الإلكترونية بسد الفجوة، وذلك بتذليل المعوقات التي تحول دون دخول السوق، وتمكين المجموعات المهمشة على مر الزمن – أي رائدات الأعمال بشكلٍ رئيسي – من لعب دور مؤثر في الاقتصاد.

إن التجارة الإلكترونية – ومن يستعينون بها – وعلى الرغم من تذليلها لبعض الحواجز والعقبات، إلا أن تلك العراقيل تظل أكبر بالنسبة للبعض. فبينما نجح الأفراد في جميع الدول والمناطق في تحجيم البيروقراطية العقيمة من أجل تطوير الشركات والتجارة الرقمية، على نطاق أشمل، فإن ثورة التجارة الإلكترونية تمنع مشاركة العديد من الشركات والمكاتب الصغيرة. فبحسب مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، تنحاز المؤسسات الحالية وقواعد التجارة العالمية لمصالح الشركات الكبرى، تاركةً فرصاً محدودة فقط للشركات الصغيرة والمتوسطة. كما تشير الأبحاث الحديثة الصادرة عن كل من فيسبوك والبنك الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تحت عنوان "استبيان مستقبل الأعمال" إلى أن زيادة التجارة، "وخاصةً في الأسواق الناشئة ومع وجود السياسات الملائمة، ترادف انخفاض نسبة الفقر وزيادة فرص العمل وتعزيز النمو الاقتصادي وتعزيز الإنتاجية." وتُعد الشركات الصغيرة مصدر الغالبية العظمة من فرص العمل حول العالم، وعليه، ولكي تزدهر التجارة الإلكترونية، لا بد أن تكون الفرص المُتاحة لأصحاب الشركات الصغيرة ومتناهية الصغر في مقدمة استراتيجيات النمو الاقتصادي.

اللامركزية والاقتصاد الرقمي

وبالنظر في هذا العالم الرقمي الذي تمثل اللامركزية في التعاملات المالية أهم ملمح فيه، يمكن التنبه إلى تلك المظاهر الإيجابية لهذه اللامركزية، وحصرها لنجد منها، مثلاً، ما يمكن تسميته بـ«حرية التداول اللحظي» إذ يسمح الاقتصاد الرقمي بإرسال واستقبال أي مبلغ من العملات الإلكترونية لحظياً ومن أو إلى أي مكان في العالم، وفي أي وقت على مدار الساعة، من دون إجازات، ولا حدود ولا قيود لتخطيها، كما تسمح العملات الإلكترونية لمستخدميها بالتحكم في أموالهم بشكل كامل؛ كذلك فإن تدني تكلفة تنفيذ المعاملات التي تتم بالعملات الإلكترونية شأن من شؤون الاقتصاد الرقمي، حيث ليس لتلك التعاملات أي رسوم أو كما يحدث أحياناً قليلة برسوم قليلة جداً مقارنة بالتكلفة الكبيرة لتنفيذ المعاملات المالية عبر شبكات التحويل المالية والمصرفية الرسمية، وهذا يشكل ميزة مهمة تضاف إلى ميزات اللامركزية؛ وأيضاً يعتبر تدني مخاطر الاحتيال والسرقة في معاملات العملة الإلكترونية ميزة يوفرها الاقتصاد الرقمي فالعملة الرقمية مؤمنة تماماً، وتحمي المتعاملين من أي احتمالات للخسائر الناشئة عن الاحتيال أو المحاولات غير الأمينة لاسترجاع الأموال؛ وميزة أخرى نجدها في الأمان والتحكم الكامل في المعاملات حيث يمتلك مستخدمو العملة الإلكترونية تحكماً كاملاً في معاملاتهم، لذلك يستحيل أن يفرض عليهم أي رسوم غير معلن عنها مقارنة بوسائل الدفع التقليدية الأخرى، فمعاملات العملة الرقمية يمكن إبرامها من دون ربط المعلومات الشخصية للمتعاملين بالمعاملات، وهذا يوفر حماية فائقة ومانعة لسرقة الهويات، ومستخدمو العملة الرقمية يمكنهم أيضاً حماية أموالهم من خلال النسخ الاحتياطية والتشفير.

ويوفر الاقتصاد الرقمي ميزة الإفصاح والشفافية والحياد لجميع المعلومات الخاصة بمعاملات العملة الرقمية، والتي تكون متاحة بسلسلة البلوكات لأي أحد لكي يستخدمها ويستوثق منها بشكل لحظي، مما يجعلها ذات شفافية وحيادية مطلقة لكافة العملاء، فلا يمكن أن يتحكم أو يتلاعب أحد ببروتوكول العملة الرقمية، لأنه مؤمن من خلال نظامي تعمية وتشفير كاملين، وهو ما يتيح قدراً كبيراً من الموثوقية في كون نظام العملة الرقمية محايداً وشفافاً، ويمكن تنبؤ المتعاملين بسائر مخرجاته بشكل مسبق وكامل.

وبالمقابل ثمة عيوب للامركزية التي يتمتع بها الاقتصاد الرقمي ولا ينبغي تجاهلها ويمكن رصدها من خلال التعاملات الواسعة بالعملات الرقمية فنجد من ذلك مثلاً تدني درجة القبول العام، حيث لا تتمتع العملات الرقمية بقبول عام كبير، لأن العديد من الأشخاص غير ملمين بآليات التعامل بها، ولكن يزداد التعامل بها بمرور الوقت من خلال الاستمرار في نشر الوعي الاقتصادي الرقمي وثقافته؛ وثمة عيب آخر لكنه ضعيف جداً في استناداته، ونجده في قابلية التلاشي، إذ إن قيمة المعاملات التي تتم بالعملة الرقمية ما زالت ضئيلة جداً مقارنة بقيمة المعاملات التي تتم بالنقود الحقيقية، مما يهدد وجود العملة الرقمية التي ما زالت ناشئة، ولكن الاحتمالات الكبيرة لتلاشيها مستبعدة نتيجة التطور التكنولوجي السريع في كل من الاتصالات والمعلومات؛ ويبدو من العيوب كذلك الاستخدام غير القانوني للعملات الرقمية حيث يمكن استخدام معاملاتها بأمان تام في تمويل كافة الأنشطة المشبوهة وغير المشروعة، كالتهرب الضريبي وغسل الأموال والجريمة المنظمة عبر الحدود، وبشكل يحد من قدرة السلطات على تعقبها نظراّ لأنها تحجب هوية المتعاملين بها حجباً تاماً؛ كما ينطبق الأمر ذاته على الطبيعة السرية للعملات الرقمية فهي مصممة لكي تسمح لمستخدميها بإرسال واستقبال الأموال بدرجة كبيرة من الخصوصية، ورغم إمكانية التحقق من المعاملات إلا أنها تمنع التحقق من هوية أطرافها بفضل وجود تقنيات متعددة لحماية خصوصية المستخدمين، وتقنيات أخرى ما زالت قيد التطوير؛ كذلك فإن الطبيعة غير القانونية للعملات الرقمية تعد من العيوب وبرغم أنه لم يتم تجريمها قانوناً من قبل المشرع في معظم دول العالم ولكن بعض الدول كالأرجنتين وروسيا تقوم بتقييد أو حظر المعاملات الأجنبية باستخدام العملة الرقمية، وبعض الدول الأخرى كتايلاند تفرض قيوداً على معاملات العملة الرقمية. وللحديث بقية.

الاقتصاد الرقمي والمجتمع

يعتمد هذا المجتمع في جميع معاملاته وخدماته على بوابة الانترت التي يثق بها أفراد المجتمع لإنجاز معاملاتهم إلكترونياً ، فهم يقومون من خلالها بدفع الفواتير وطلب البينات والوصول إلى المعلومات التي تهمهم وكذلك الحصول على الخدمات الحكومية مثل تسجيل الشركات وتجديد رخص القيادة أو رخص السيارات وغيرها بل وكل شيء ، وفي هذا المجتمع يتلاشى التعامل بالنقد لأن الثقة تكون اكبر بالمعاملات الإلكترونية.

يحمل أفراد المجتمع الرقمي بطاقات الهوية الوطنية التي تستند إلى تقنية البطاقة الذكية التي تعتمد التوثيق البيومتري مع القدرة على تطبيقات متعددة مثل الهوية الشخصية والمعاملات المالية والسجلات الطبية ونظام العمل في بطاقة واحدة، ويؤدي المجتمع الرقمي الذي يعتمد على تكنولوجيا المعلومات إلى خلق المزيد من فرص العمل من خلال المجمعات التكنولوجية وحاضنات الأعمال ومراكز الاتصال، كما يتم في المجتمع الرقمي ربط جميع الوحدات الحكومية إلكترونياً مع بعضها البعض، بما يؤدي إلى تحسين الخدمات العامة وتطورها نحو الأفضل، ولأن أفراد هذا المجتمع يمتلكون المعرفة والمهارات الإلكترونية فإن خدمات الحكومة الإلكترونية ستعمل على تسهيل أمور حياتهم وتحسينها.

بالأضافة لذلك، يوفر المجتمع الرقمي حرية التواصل مع الآخرين بسرعة ويسر ويسهل معرفة كل الأخبار وكل الأحداث فلا يوجد هناك أسرار يمكن إخفاؤها في المجتمع الرقمي ولا توجد خصوصية للأفراد ولا للحكومات ولا للمؤسسات ، إن المجتمع الرقمي أوسع بكثير من المجتمعات التقليدية التي تحددها اللغة المشتركة أو التضاريس الجغرافية أو الثقافة الواحدة وغيرها من العناصر المعروفة ، ففي رأي العلماء والخبراء في علم الاجتماع أن المجتمع الرقمي هو مجتمع هلامي مبعثر مازال في طور التشكل والتقارب على نحو يجعل منه قارة جديدة قوامها الاتصالات والاقتصاد والمال والتكنولوجيا.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1