يهتم علم الاقتصاد بدراسة الاقتصاد ومحاولة التأثير فيه. اما السياسة فهي تسعى نظريا وتطبيقيا للتأثير على الناس عبر ممارسة السلطة من خلال الحكومة او الانتخابات او الاحزاب السياسية.

نظريا، يُعتبر الاقتصاد غير سياسي، الاقتصادي المثالي يجب ان يرفض اي انحياز سياسي او محاباة لكي يعطي معلومات محايدة وتوصيات غير منحازة حول كيفية تحسين الأداء الاقتصادي للبلد. السياسيون المنتخبون يقومون لاحقا بتقييم هذه المعلومات الاقتصادية واتخاذ القرارات على ضوئها. اما في التطبيق فهناك علاقة قوية بين الاقتصاد والسياسة لأن الأداء الاقتصادي هو الميدان الرئيسي للمعركة السياسية. العديد من القضايا الاقتصادية هي بطبيعتها سياسية لأنها ذاتها تتأطر بمختلف الآراء السياسية.

تأثير الايديولوجية السياسية على الفكر السياسي

العديد من القضايا الاقتصادية يُنظر اليها من زاوية المعتقدات السياسية. فمثلا، بعض الناس يميلون بطبعهم للشك بتدخلات الحكومة. لذلك، هم يفضلون السياسات الاقتصادية التي تسعى لتخفيض تدخلات الحكومة في مجالات الاقتصاد. فمثلا، "اقتصاديات جانب العرض"(1) تركز على اللامركزية والخصخصة وخفض الضرائب.

ومن جهة اخرى، قد يفضل الاقتصاديون تعزيز أكبر قدر ممكن من المساواة في المجتمع ولديهم رغبة أكبر في تشجيع التدخل الحكومي لتحقيق ذلك الهدف.

اذا كان مختلف الاقتصاديين يرغبون بخفض الضرائب المفروضة على الأغنياء، فان مقترحاتهم هذه ستعكس افضلياتهم السياسية. يمكننا دائما العثور على دليل يدعم فوائد خفض الضرائب. وكذلك العثور دائما على دليل يدعم فوائد الضرائب العالية.

بعض الاقتصادين تجدهم محايدين الى اقصى حد وليست لديهم اية ميول سياسية. هم ربما يعرضون ورقة تتحدى آرائهم السابقة. ورغم افضلياتهم، هم قد لا يجدون دليلا يدعم خصخصة قطاع السكك الحديدية وربما يرون قطع الضرائب يزيد فعلا من مستوى الرفاهية الاقتصادية.

السياسيون يمكنهم استخدام اولئك الاقتصاديين وتلك البحوث الاقتصادية التي تدعم ارائهم السياسية. السيدة تاتشر ورونالد ريغن كانا من الداعمين الكبار لفريق اقتصاديات جانب العرض مثل ملتن فريدمن وكيث جوزيف وفردريك هايك. عندما حاول ريغن "تقليص حدود الدولة"، كانت هناك وفرة في عدد الاقتصادين القادرين على توفير تبرير نظري للتجربة السياسية. اقتصاديون اخرون اعتبروا هذه الفكرة سيئة، غير ان الاقتصاديين يمكن ان ينالوا الدعم من جانب انصارهم السياسيين. في الولايات المتحدة، جرى الترحيب من جانب الجمهوريين بمقترحات بول ريان حول الموازنة لأنها وعدت بخفض الضرائب، وخفض المساعدات الاجتماعية وايجاد توازن في الموازنة وهو الاختيار المفضل للسياسة من جانب الجمهوريين.

الفكر الاقتصادي مستقلا عن السياسة

من جهة اخرى، نجد الاقتصاديين الذين يلتصقون بالبيانات ويتجنبون اختيار الاحصاءات المفضلة قد يتوصلون الى استنتاجات وتوصيات لا تنسجم مع القضايا السياسية المتصورة سلفا.

العديد من الاقتصاديين ربما يدعمون الاتحاد الاوربي واشكال التعاون، لكن الدليل من منطقة العملة الموحدة يفيد بانها سببت العديد من المشاكل الاقتصادية لدول الاتحاد كضعف النمو والانكماش وعدم التوازن التجاري.

الاقتصاد يحتاج الى دعم سياسي

يمكن لطلاب الاقتصاد اتخاذ موقف بيغوف Pigovian tax الضريبي الذي بموجبه يدفع الناس كامل الكلفة الاجتماعية للسلعة وليس فقط الكلفة الخاصة. هذا المبدأ في جعل الملوّث يدفع كامل الكلفة يوفر دفاعا لضريبة الكاربون وكلفة الزحام وضريبة الكحول وضريبة التبغ.

غير ان امكانية تطبيق هذه السياسات يعتمد على مدى الدعم السياسي لها من جانب السياسيين.

فمثلا، ضريبة الزحام جرى اقتراحها في مانشستر لكنها جوبهت بهزيمة ماحقة في الاستفتاء. الضرائب الجديدة نادرا ما تكون مقبولة. الاقتصادي ربما يرغب بفرض المزيد من ضرائب الازدحام، لكن هذه الرغبة هي غير مرغوبة سياسيا.

الدعوة السياسية للتقشف

مثال آخر مهم هو اللجوء السياسي للتقشف. بعد ازمة الائتمان الاخيرة، كان هناك تبرير سياسي قوي للسياسة المالية التوسعية لملء فجوة الطلب المتراكم، لكنه من الناحية السياسية يصعب تطبيق سياسة تؤدي الى مزيد من ديون الحكومة. قد يكون هناك منطق اقتصادي قوي لإدارة الطلب الكنزي اثناء فترات الركود، لكن الرغبة السياسية نحو الحاجة لشد الأحزمة او تجنب المديونية ستكون شعارا يسهل تسويقه للجمهور العام بدلا من المزيد من "نظريات المضاعف الكنزية"(2).

من يدير الاقتصاد السياسيون ام الاقتصاديون؟

حالة اخرى ملفتة هي العلاقة بين السياسة المالية (التي تضعها الحكومة) والسياسة النقدية (التي تضعها جهة مستقلة مثل البنك المركزي). في المملكة المتحدة والولايات المتحدة واوربا تكون السياسة المالية تقليصية نسبيا، وفقا للوضع الاقتصادي للبلاد. وبالنتيجة، اصبح من مسؤولية البنوك المركزية تطبيق سياسة نقدية توسعية لتعويض العجز في السياسة المالية. اذا كان السياسيون يتبعون سياسة مالية تقليصية فان على البنوك المركزية تكييف سياستها النقدية.

الاقتصاد الجزئي والتحرر من السياسة

هناك بعض المجالات في الاقتصاد يقال انها متحررة من السياسة مثل العرض والطلب الأساسيين ومفاهيم مثل نظرية الشركة غير الخاضعة للايديولوجية السياسية. ولكن حتى في الاقتصاد الجزئي ستكون هناك امكانية لتدخل السياسة. عندما نتأمل في قضية مثل الخصخصة، ستكون هناك قضية سياسية واضحة وهي منْ يجب ان يسيطر على الصناعات الاساسية هل هي المشاريع الخاصة ام الحكومة؟

الأجندات

قضية اخرى في الاقتصاد هي ان البعض ينتقد فكرة اولوية النمو الاقتصادي وتعظيم الرفاهية النقدية. هؤلاء يرون ان هدف المجتمع ليس تعظيم الناتج المحلي الاجمالي GDP وانما تعظيم السعادة الانسانية وتحسين البيئة وان نكون مقتنعين بما نملك. لذلك، فان السياسيين من خلفيات بيئية مختلفة قد لا يتفقون على كل البناء الكامن وراء الاقتصاد الكلي. انه ليس فقط حول طريقة تعزيز النمو الاقتصادي وانما حول ما اذا كان يتوجب علينا السعي نحو نمو اقتصادي في المقام الاول. هذه قضية سياسية ايضا.

..................................
الهوامش
(1) اقتصاد جانب العرض supply side economics هو نظرية اقتصادية ترى ان قيام الحكومة بخفض الضرائب على الشركات، يساعد في تحفيز الاستثمار في الصناعة ومن ثم زيادة الانتاج الذي بدوره يخفض الاسعار ويكبح التضخم.
(2) تُعتبر فكرة المضاعف Multiplier من اهم الافكار في نظرية الاقتصاد الكلي، حيث تم ادخال هذه الفكرة في الثلاثينات من القرن الماضي بواسطة ريتشارد خان الذي اطلق على الفكرة بـ "مضاعف الاستخدام" اما كنز فقط طور المفهوم لاحقا واطلق عليه بـ "مضاعف الاستثمار او مضاعف الدخل". جوهر الفكرة هو ان اي انفاق حكومي يؤدى الى خلق دورة من زيادة الاستخدام والازدهار في الاقتصاد بصرف النظر عن شكل ذلك الانفاق. فمثلا انفاق 100 مليون دولار في بناء سدود او شبكات ري سيؤدي الى زيادة في الدخل القومي بمقدار 300 مليون دولار، وهنا سيكون المضاعف 3، اما لو ادى انفاق الـ 100 مليون دولار الى زيادة في الدخل القومي بمقدار 400 مليون دولار، هنا ستكون قيمة المضاعف 4. الانفاق الحكومي الاول الذي مقداره 100 مليون دولار ربما سيذهب منه 50 مليون دولار كأجور للعمال الذين بدورهم سينفقونه على شراء سلع جديدة او زيادة الشراء من السلع القديمة. هذه الزيادة في الطلب على السلع ستدفع اصحاب المصانع لتوظيف مزيد من العمال والذين بدورهم يستلمون دخول جديدة، وهكذا، كل دورة من الانفاق تتبعها دورات اخرى من زيادة الدخل القومي، وبالتالي سيؤدي اي انفاق حكومي الى زيادة في النمو الاقتصادي.
...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0