من أهم مظاهر قوة الإنسان، خاصيّة الإتحاد مع غيره من الناس، فيسري على ذلك قانون التراكم، أو كما يسميه الإمام الشيرازي (قده) القطرات والذرات، فحين تشترك قوى البشرية وتتداخل خصائصها مع بعضها، تصبح أكثر تماسكا وقوة وقدرة على مواجهة احتياجات الناس المعنوية والمادية، وقد ظهرت تيارات فكرية كبيرة وكثيرة ومؤثرة، لكنها انتهت إلى الفناء، كما حدث لعصر الآيدولوجيا.

وقد تابع أبناء عصرنا مراحل ولادة ونشوء وتطور بعض هذه التيارات الفكرية الآيدلوجية، كما حصل مع الفكر الماركسي الذي آل بالنتيجة إلى الإنطفاء، فجاء منادون جدد بخلود الفكر الليبرالي، وإمكانية وضع البشرية كلها تحت خيمته الفكرية، بيد أن ثمة الكثير من الأدلة والعلامات تقول عكس ذلك، حيث ينتظر هذا التيار الفكري نهاية لا تقل في قوة فنائها عن نهاية الفكر الماركسي.

ومن الظواهر والأفكار التي رافقت التفكير البشري على امتداد وجوده، أن هذا التفكير كان ولا يزال مرتبطا ارتباطا وثيقا بالوجود البشري، ونعني به فكرة الانتظار للمنقذ، وهي فكرة لا تختفي في جميع المنظومات الفكرية لدى الأمم والأقوام المختلفة، فالجميع ينتظر من يخلّصه، بالأخص أن عالمنا بطبيعته الاحتكارية، سياسة واقتصادا، يحصر الثروات بأيدي القلة، أفرادا وشركات، فينعكس من هذا الأسلوب الاحتكاري التسلطي أمواج هائلة من الظلم والقهر والحرمان تطول النسبة الأكبر من سكان المعمورة، فيما يتنعّم بالثروات الطبيعية أو سواها، القلة القليلة المحتكِرة لهذه الثروات باستخدام القوة والإرغام بكل أشكاله.

ونظرا لضعف الحيلة، وانتفاء التكافؤ بين الأقوياء (القلة)، والضعفاء البسطاء (الكثرة) على المستوى العالمي، وعلى مستوى الأمم والشعوب فرادى، ظلت فكرة المنقذ متقدة في قلوب وأذهان ومعتقدات الناس.

ومن أبرزها وأقواها وأكثرها قربا وتطابقا مع المنطق، ظهور الإمام الحجة المهدي المنتظر (عجل الله فرجه)، وقد أثبتتها أحاديث وروايات شريفة مسندة، فقد بشر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بظهور المهدي (عليه السلام) حيث روى عنه سعيد ابن جبير عن ابن عباس انه قال: إن خلفائي وأوصيائي وحجج الله على الخلق بعدي لإثنا عشر أولهم أخي وأخرهم ولدي. قيل يا رسول الله من أخوك؟ فقال: علي بن أبي طالب، قيل ومن ولدك؟ قال: المهدي الذي يملؤها- أي الأرض- قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا ، والذي بعثني بالحق بشيرا لو لم يبق من الدنيا الا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج فيه ولدي المهدي فينزل روح الله عيسى بن مريم فيصلي خلفه وتشرق الأرض بنور ربها ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب. المصدر/ فرائد السمطين للجويني ج2.

وطالما أن العالم كله بساكنيه أجمع، يعاني من الاحتكار العالمي، وانطفاء العدل والمساواة، وضياع الحقوق، فإن ظهور الإمام المهدي المنتظر (ع)، صار أمنية كبرى، ليس للمسلمين وحدهم، خصوصا أن فكرة المنقذ كانت ولا تزال وستبقى إلى أن يشاء الله، حاضرة بقوة، تمنح الأمل لمئات لمليارات من المحرومين الذين يعانون أشد البؤس في عالم لا تحكمه العدالة، ولا الضمير الإنساني النقي.

خصوصا أن هدف ظهور المنتظر هو انتشال العالم من مستنقع الظلم والجور ونشر العدل والمساواة لذلك يؤمن به البشرية معظمها وتنقاد له الأديان ذلك ان الأديان تؤدي غرضا فطريا واحد يتوحد فيه الشعور الإنساني ويحس به عندما يتكامل إدراكه العقلي مع وجود قيادة حكيمة ينبعث منها الإخلاص والصدق والواقعية. يقول الفيلسوف الألماني كنت: اختلاف الأديان تعبير غريب مثل هذا كمثل ما لو تكلم المرء عن أخلاق مختلفة انه يمكن ان يوجد أنواع مختلفة من الاعتقادات لا في الدين لكن لا يوجد غير دين واحد مقبول لكل الناس وفي كل الأزمان فما تلك إذن غير محامل للدين، اي شيء عرضي ومتغير وفقا لاختلاف الأمكنة والأزمنة. المصدر/ فلسفة القانون والسياسة، عبد الرحمن بدوي.

لقد أيقنت البشرية من أن توحيد الإنسانية في منهج يراعي كرامة الإنسان ويحفظها، ويهشم ركائز الاحتكار والاستغلال، ويعدل بين مجاميع البشر التي تعاني من المنهج الليبرالي وسوءاته التي أثبتها التطبيق الفكري على الواقع العالمي، ممكن التطبيق، لكن العقل العادي غير قادر على الإتيان بذلك، لأن التركيبة البشرية قائمة في حالتها الغريزية على تبجيل الذات، وبالتالي اذا كان الإنسان لا يجد رادعا له، كالدين، والقوة، فإنه يستحوذ على حقوق الآخرين الذين يقاسمونه البسيطة، كما يحدث هذا في عالم اليوم، فقد سبق الذكر، أن القلة هي التي تحتكر ثروات الأرض أجمع، فيما يعاني الأكثرية من الجوع والظلم والقهر والحرمان.

هذا الواقع العالمي المأزوم يستلزم توحيدا إيمانيا، وليس أيدلوجياً لتحقيق غايات البشر في كبح الاحتكار والانتهازية، ولذلك فإن أنسب الحكومات التي يمكنها أن تضمن للبشرية معيارا متكاملا من العدل، والمساواة، والنظام الرادع والرؤوف في وقت واحد، هي حكومة الإمام المهدي المنتظَر، كونها تقوم على أسس إيمانية جامعة بين البشر بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الجغرافية أو العرق أو حتى الدين، لأن الأديان جميعا ترتكز على قاعدة الإيمان.

والإيمان يمثل الاشتراط الأهم للتسريع في تحقيق الدولة العالمية العادلة، ذلك إن الخطوة الأولى في توحيد العالم والمجتمع البشري هو إيمان الأديان جميعا بالإمام المهدي (عليه السلام) والدخول تحت رايته، ذلك ان الدعوة لدمج العالم ليست دعوة حديثة بل إنها ارتبطت تاريخيا بالديانات السماوية القديمة، لقد انطلقت هذه الديانات من فكرة وحدة البشرية أمام الخالق وبالتالي فان الجوهر بالنسبة لكل الديانات هو دعوة الشعوب والأمم للتقارب والتكافل تحت راية الإيمان بوجود رب واحد وخالق واحد وقيم وقناعات ومسلمات مشتركة تحكم السلوك الإنساني في كل أنحاء العالم. المصدر/ عالم الفكر العدد الثاني 1999.

في خلاصة هذه الكلمة، ونحن نعيش ولادة الإمام المهدي (عجل الله فرجه)، فإننا نجد في دولة العدل والمساواة والمراعاة على المستوى العالمي الإنساني، متوافرة في حكومة الإمام المنتظر، وفي دولته التي تقوم على ركائز واضحة ومعلنة، تصدى لها علماء وباحثو المسلمين ومن الأمم الأخرى أيضا، يمكن تكثيفها في مبادئ العدل ونشره في ربوع الأرض، ومن ثم المساواة والحفاظ على الحقوق الفردية والجمعية، وإنصاف من تعرّض للظلم من سكان الأرض والمسلمين، نتيجة للاحتكار أو الانتهازية والتسلط، وها أن البشرية تنتظر على أمل الخلاص، لتستعيد أملها هذا في ذكرى ولادة إمام العصر والزمان عجل الله فرجه.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1