وجود الرصيف لا يعني بالضرورة وجود بيئة قابلة للمشي؛ فهذه البيئة تحتاج إلى الاستمرارية والأمان وإمكانية الاستخدام الفعلية. الشارع الناجح هو الذي يضع المستخدم الأكثر ضعفاً في المقدمة، فالمدينة التي تمنح الطفل والمسن وذوي الإعاقة مساحة آمنة، هي مدينة تضع الإنسان قبل السرعة...

قد تبدأ حكاية مدينة كاملة من خطوة تتعثر على رصيف. طفل ينتظر فرصة للعبور، وكبير سن يتردد أمام حافة مرتفعة، وشخص يستخدم كرسيًا متحركًا يبحث عن مسار لا ينتهي بعائق. مشاهد نمرّ بها كل يوم، لكن كم مرة توقفنا لنسأل: لمن صُممت شوارعنا؟

تبارك علاء، طالبة هندسة العمارة في جامعة آشور، تتوقف عند هذه التفاصيل وتقرأ فيها علاقة المدينة بأهلها. فمنذ بدأت دراسة العمارة، صار الطريق إلى وجهتها يفتح أمامها أسئلة أخرى: لماذا يترك الناس الرصيف؟ كيف تتحول مسافة قصيرة إلى رحلة شاقة؟ وماذا يكشف الشارع عن الإنسان الذي كان حاضرًا في ذهن مصممه؟

في هذا الحوار، تدعونا تبارك إلى النظر مجددًا إلى الطرق التي نظن أننا نعرفها، وإلى اختبار المدينة بخطوات طفل، وتمهّل مسنّ، وحاجة كل إنسان إلى الوصول بأمان. فلنبدأ معها:

تبارك، عندما تمشين في أحد شوارع المدينة، ما أول تفصيل يلفت انتباهكِ بعين طالبة العمارة؟

أعتقد أن أول ما يلفت انتباهي اليوم ليس المبنى بحد ذاته، بل العلاقة بين الشارع والمدينة التي ينتمي إليها. أحاول أن أفهم طبيعة المنطقة وتاريخها ونسيجها الحضري، ثم أقرأ تفاصيل الحركة داخلها: الشارع، والرصيف، ونقاط العبور، والمباني والفضاءات المحيطة.

علّمتني دراسة العمارة أن الشارع لا يُقرأ بوصفه عنصرًا منفصلًا، بل كجزء من منظومة تتداخل فيها الحركة، والمقياس الإنساني، والوظيفة، والهوية، وطريقة استخدام الناس للمكان. لذلك لا يكفيني أن يكون الشارع واسعًا أو منظمًا بصريًا؛ فالسؤال الأهم هو: كيف يعمل هذا الشارع؟ ولمن؟

وربما تكون أفضل طريقة للحكم على المدينة هي النظر إليها من مستوى الإنسان؛ فهو من يقطع المسافة يوميًا ويختبر ما إذا كانت المدينة قابلة للحركة والعيش، أم أنها مجرد تكوين يبدو جيدًا على المخطط.

 قبل دراسة هندسة العمارة، كيف كنتِ ترين الرصيف؟ وكيف تغيّرت نظرتكِ إليه اليوم؟

قبل دراسة العمارة، لم أكن أرى الرصيف موضوعًا معماريًا. كنت أتعامل معه بوصفه طريقًا للوصول إلى الوجهة؛ أمشي عليه إن كان موجودًا وقابلًا للمشي، وأتأقلم مع المشكلة إن لم يكن كذلك.

كنت ألاحظ الرصيف المكسور أو الضيق وأنزعج عندما أضطر إلى النزول إلى الشارع، لكنني لم أكن أتساءل عن أسباب هذه التجربة أو عن كيفية تصميمها.

اليوم تغيّرت نظرتي. لم أعد أرى الرصيف حافةً جانبية للشارع، بل جزءًا أساسيًا من البنية الحضرية وعنصرًا يحدد علاقة الإنسان بالمدينة.

والأهم أنني أدركت أن قدرة الإنسان على التكيف لا تعني نجاح التصميم؛ فالناس قد يتأقلمون مع الأرصفة المكسورة أو يعبرون من أماكن غير آمنة، لكن ذلك قد يعني أنهم اضطروا إلى إيجاد حلول فردية لخلل في البيئة المحيطة.

هل الرصيف في مدننا مصمم فعلًا لخدمة الإنسان، أم أن الإنسان هو من يحاول التكيف مع ما صُمم له؟

أعتقد أن الواقع في كثير من شوارعنا يوضح أن الإنسان هو من يتكيف. فالمشاة يغيرون مساراتهم بسبب العوائق والانقطاعات والتجاوزات، ويضطرون أحيانًا إلى مشاركة السيارات مساحة الحركة.

وجود الرصيف لا يعني بالضرورة وجود بيئة قابلة للمشي؛ فهذه البيئة تحتاج إلى الاستمرارية، والأمان، والاتصال، وإمكانية الاستخدام الفعلية، بحيث يستطيع الإنسان بدء رحلته وإكمالها دون أن يتحول كل جزء منها إلى عائق.

لذلك لا أرى أن السؤال هو: هل لدينا أرصفة؟ بل: هل يستطيع الإنسان استخدامها فعلًا؟

فالمدينة قد توفر مساحة للمشي نظريًا، لكنها عمليًا قد تكون غير مناسبة لطفل، أو لكبير سن، أو لشخص يستخدم كرسيًا متحركًا. وهنا يصبح الرصيف اختبارًا حقيقيًا لإنسانية التصميم.

حين ترين رصيفًا مكسورًا أو ضيقًا أو مرتفعًا، ما الذي تكشفه هذه التفاصيل بالنسبة إلى طالبة تتعلم تصميم المدن والفضاءات؟

بالنسبة إليّ، الرصيف المكسور ليس مجرد سطح يحتاج إلى إصلاح، بل أثر ظاهر لمشكلة أعمق. أسأل: هل السبب ضعف الصيانة؟ أم تدخلات غير منسقة؟ أم بنية تحتية لا تُدار بصورة متكاملة؟ أم أن المشاة لم يكونوا أولوية عند اتخاذ قرارات الشارع؟

فالمدينة نظام مترابط؛ يرتبط الرصيف بالشارع، وشبكات الخدمات، والمباني، والأنشطة التجارية، وحركة السيارات، وإدارة الفضاء العام. لذلك قد تؤدي معالجة جزء واحد من المشكلة، من دون فهم النظام كله، إلى إعادة إنتاجها بصورة أخرى.

ولهذا يمكن للتفصيل الصغير أن يكشف منطقًا كاملًا في تصميم المدينة وإدارتها. ودور طالب العمارة لا يقتصر على القول إن الرصيف يحتاج إلى تبليط جديد، بل يمتد إلى فهم أسباب وصوله إلى هذه الحالة وما يكشفه ذلك عن طريقة إدارة المدينة.

الطفل يحتاج إلى مساحة آمنة أثناء حركته في المدينة.. إلى أي مدى تراعي شوارعنا احتياجات الأطفال وسلامتهم؟

أعتقد أن الطفل من أكثر المستخدمين قدرة على كشف جودة المدينة؛ لأنه لا يستطيع دائمًا التكيف مع أخطاء البيئة كما يفعل البالغ.

يحتاج الطفل إلى مسار واضح، ورصيف مستمر، ومعبر آمن، ومسافة مناسبة عن السيارات، وبيئة تمنحه قدرًا من الاستقلال بدل أن تربط حركته دائمًا بمرافقة شخص بالغ.

وعندما ننظر إلى الشارع من منظور الطفل، يتغير مفهوم التصميم. لا نسأل فقط: كيف ننظم المرور؟ بل: هل يستطيع طفل أن يتحرك هنا بأمان؟

سلامة الطفل ليست تفصيلًا إضافيًا، بل مؤشر على أولويات المدينة. فالشارع الذي يضع سرعة المركبة أولًا قد يكون فعالًا مروريًا، لكنه ليس بالضرورة ناجحًا إنسانيًا. أما المدينة التي تمنح المستخدم الأكثر ضعفًا مساحة آمنة، فهي تضع الإنسان قبل السرعة.

وماذا عن كبار السن؟ كيف يمكن لتفصيل بسيط في تصميم الرصيف أن يتحول إلى عائق حقيقي أمام حركتهم؟

ما يبدو تفصيلًا بسيطًا لشخص شاب، مثل فرق الارتفاع، أو السطح غير المستوي، أو انقطاع مسار المشي، قد يتحول إلى عائق حقيقي لكبير السن.

تظهر هنا مشكلة شائعة في التصميم: افتراض مستخدم واحد، شاب وسريع الحركة ويتمتع بقدرة جسدية كاملة. لكن المدينة تضم أشخاصًا مختلفين في العمر والقدرة، ولذلك يجب أن يستوعب التصميم هذا التنوع.

بالنسبة إليّ، السؤال الأهم ليس: هل يستطيع أغلب الناس استخدام المكان؟ بل: من قد يجد صعوبة في استخدامه، ولماذا؟

فجودة الفضاء الحضري لا تُقاس بسهولة استخدامه للأشخاص الأكثر قدرة فقط، بل بقدرته على تقليل العوائق أمام من يواجهون صعوبة أكبر في الحركة.

 عندما نتحدث عن ذوي الإعاقة، هل تراعي الأرصفة والشوارع احتياجاتهم بصورة كافية، أم أن مفهوم الوصول الشامل ما زال بحاجة إلى حضور أكبر في تصميم مدننا؟

أعتقد أن مفهوم الوصول الشامل ما زال بحاجة إلى حضور أكبر، وأن يتحول من متطلب تقني إلى طريقة تفكير تبدأ منذ اللحظة الأولى للتصميم.

إمكانية الوصول لا تتحقق بوضع منحدر في نقطة معينة؛ فمستخدم الكرسي المتحرك يحتاج إلى رحلة كاملة ومتصلة يمكنه قطعها باستقلالية، بينما يحتاج الشخص الكفيف إلى بيئة واضحة يمكن قراءتها من خلال تنظيم مناسب وعناصر إرشادية وحسية.

لذلك يرتبط الوصول الشامل بسؤال معماري أساسي: من هو الإنسان الذي نتخيله عندما نصمم المدينة؟

إذا افترض التصميم مستخدمًا واحدًا، فستُستبعد فئات أخرى تلقائيًا. أما إذا انطلق من اختلاف الناس في العمر والقدرة وطريقة الحركة والإدراك، فسيصبح أكثر شمولًا وعدالة.

فالمدينة الناجحة لا تسمح للبعض بالمرور فقط، بل تمنح أكبر عدد ممكن من الناس القدرة على الحركة والوصول واستخدام الفضاء العام بكرامة واستقلالية.

هل يكفي وجود منحدر على الرصيف لنقول إن المكان أصبح مناسبًا لذوي الإعاقة، أم أن التصميم الإنساني يتطلب تفاصيل أوسع؟

لا يكفي وجود منحدر واحد لاعتبار المكان مهيأً؛ فالمنحدر جزء من منظومة وصول كاملة، وليس حلًا منفصلًا عن بقية المسار.

إذا انتهى المنحدر أمام سيارة، أو قاد إلى رصيف مكسور، أو توقف عند تقاطع غير مهيأ، فنحن لم نصنع مسارًا متاحًا، بل نقطة وصول لا تؤدي بالضرورة إلى مكان يمكن الوصول إليه.

يهتم التصميم الإنساني بتفاصيل تحدد قدرة الإنسان على استخدام المكان باستقلالية، مثل عرض المسار، ودرجة الميل، واستواء السطح، وطريقة الانتقال بين الرصيف والشارع، ووضوح المسار واستمراريته.

لذلك لا يكون السؤال: هل وضعنا منحدرًا؟ بل: هل يستطيع الشخص أن يبدأ رحلته ويكملها بأمان واستقلالية؟

هناك أعمدة إنارة، وأشجار، ولوحات إعلانية، وبسطات، وسيارات تقطع مسار المشاة.. كيف تؤثر هذه العناصر في وظيفة الرصيف؟

هذه العناصر ليست مشكلة بحد ذاتها؛ فالإنارة، والأشجار، والجلوس، والأنشطة التجارية يمكن أن تجعل الرصيف أكثر راحة وحيوية. تبدأ المشكلة عندما توضع من دون تنظيم، فتأخذ المساحة المخصصة للحركة.

الرصيف الجيد ليس مساحة فارغة، بل مساحة منظمة الوظائف. يمكن تخصيص منطقة للحركة، وأخرى للأشجار والإنارة والأثاث الحضري، وأخرى تتصل بالمباني والأنشطة التجارية، بحيث لا تتنافس العناصر كلها على المساحة نفسها.

ينبغي أن تُنظم الإنارة بحيث لا تعيق المشاة، وأن تُختار الأشجار وتوضع بطريقة لا تتسبب في تكسير الرصيف، وأن تنشّط الأنشطة التجارية الشارع من دون إلغاء مساره الأساسي.

المشكلة إذن ليست في وجود الحياة على الرصيف، بل في غياب التنظيم الذي يسمح للحياة والحركة بالتعايش.

هل تشعرين أن بعض شوارعنا صُممت لتسهيل حركة السيارات أكثر من توفير بيئة مريحة وآمنة للمشاة؟

نعم، تعكس بعض شوارعنا أولوية حركة السيارات على حساب المشاة. يظهر ذلك عندما تكون مساحة الطريق واسعة ومنظمة، بينما يصبح الرصيف ضيقًا أو متقطعًا أو مليئًا بالعوائق.

لكن المشكلة لا تختصر في وجود السيارات؛ فهي جزء من المدينة الحديثة. تبدأ المشكلة عندما تصبح احتياجاتها المعيار الأساسي الذي تُبنى عليه بقية عناصر الشارع.

حتى في بغداد، تختلف تجربة المشاة بين شوارع تقع ضمن السياق الحضري نفسه، ما يوضح أن قابلية المشي لا تعتمد على عنصر واحد، بل على مجموعة من العوامل الفيزيائية والحركية والإدراكية.

لذلك لا أرى القضية صراعًا بين السيارة والإنسان، بل سؤالًا عن قدرة الشارع على استيعاب الحركات المختلفة من دون أن تلغي إحداها الأخرى.

في رأيكِ، كيف يمكن تحقيق التوازن بين حاجة المدينة إلى حركة السيارات وحق الإنسان في المشي بأمان وراحة؟

يتحقق التوازن بإعادة توزيع الأولويات داخل الشارع، لا بإلغاء السيارات.

فالسيارة تحتاج إلى مسار للحركة، لكن الإنسان يحتاج أيضًا إلى رصيف مستمر، ومعابر آمنة، ومسافات واضحة، وسرعات مناسبة، وعناصر تحميه من المركبات.

يمكن تحسين العلاقة بين الطرفين من خلال تنظيم الوقوف، وتطوير التقاطعات، ورفع المعابر في بعض المواقع، وتقليل السرعات في المناطق التي يكثر فيها المشاة، وتوفير الظل والعناصر التي تجعل المشي أكثر راحة.

الفكرة ليست اختفاء السيارة من المدينة، بل منعها من أن تكون المعيار الوحيد لكفاءة الشارع. فالشارع الناجح يسمح للسيارة بالوصول، وللحافلة بالتوقف، وللمشاة بالحركة، من دون أن يدفع أحد هذه العناصر ثمن نجاح الآخر.

لو مُنحتِ فرصة إعادة تصميم أحد الشوارع في مدينتكِ، ما أول ثلاثة تغييرات ستجرينها عليه؟

أولًا، سأعيد بناء مسار المشاة قبل إضافة أي عنصر تجميلي: رصيف مستمر وواضح ومريح ومتاح للجميع، مع معالجة التقاطعات والارتفاعات والعوائق بوصفها أجزاء من مسار واحد.

ثانيًا، سأعيد تنظيم العلاقة بين السيارات والمشاة من خلال مراجعة أماكن الوقوف، وسرعات المركبات، ونقاط العبور، وأماكن الصعود والنزول، بحيث لا يضطر المشاة إلى دخول مسار السيارات.

ثالثًا، سأحوّل الرصيف من مساحة للحركة إلى فضاء حضري قابل للحياة بإضافة الظل، والأشجار المناسبة، والجلوس، والإضاءة، وأماكن محددة للأنشطة التجارية، من دون التضحية بمسار المشاة.

وقبل رسم الشارع، سأراقب طريقة استخدامه: أين يتوقف الناس؟ وأين يغيرون مسارهم؟ وأين يشعرون بعدم الأمان؟ فالتصميم الحضري الجيد يبدأ من فهم ما يفعله الناس فعلًا، لا من افتراض ما يجب أن يفعلوه.

هل يمكن للرصيف أن يتحول من مساحة للحركة فقط إلى جزء من هوية المدينة وجمالها وحياة سكانها؟

بالتأكيد. فالرصيف ليس مجرد مساحة بين الطريق والمبنى، بل يمكن أن يكون من أكثر أجزاء المدينة تعبيرًا عن حياتها اليومية.

طريقة تبليطه، والأشجار، والظل، والإضاءة، والجلوس، وعلاقته بالمحلات والمباني، وطريقة استخدام الناس له، كلها عناصر تمنحه شخصية محلية.

فالمدينة لا تُختبر من خلال مبانيها وحركتها فقط، بل من خلال التجربة التي يعيشها الإنسان أثناء المشي وفي الفضاء العام. لذلك يمكن للرصيف أن يكون مكانًا للتوقف، واللقاء، والجلوس، والتسوق، ومراقبة المدينة.

ولا يتطلب ذلك تصميمًا فاخرًا أو مكلفًا؛ فقد يكفي أن يكون المكان متناسبًا مع الإنسان، واضحًا، مريحًا، ومتصلًا بحياة الشارع حتى يكتسب هوية خاصة.

دراسة هندسة العمارة تغيّر طريقة النظر إلى التفاصيل.. ما الشيء الذي أصبحتِ تلاحظينه في الشارع اليوم، بينما كنتِ تمرين به سابقًا من دون انتباه؟

أصبحت ألاحظ التفاصيل التي تبدو صغيرة، لكنها ترسم تجربة الإنسان كاملة: ارتفاع الرصيف، وطريقة انتقاله عند التقاطع، ومكان الشجرة، وموقع عمود الإنارة، واتصال الرصيف بالمبنى، والظل، والمسافة بين المشاة والسيارات.

قبل دراسة العمارة، كنت أرى هذه العناصر منفصلة، أما اليوم فأراها بوصفها علاقات؛ لأن التصميم لا يتكون من عناصر جميلة منفردة، بل من الطريقة التي تعمل بها معًا.

كما أصبحت ألاحظ ما لا يعمل. فإذا ترك شخص الرصيف ومشى في الشارع، أتساءل عما دفعه إلى ذلك. وإذا تجمع الناس في نقطة معينة أو تجنبوا جزءًا من الشارع، أحاول فهم ما يكشفه سلوكهم عن التصميم.

علّمتني العمارة أن أقرأ المدينة من خلال ما صممه المعماري، ومن خلال ما يفعله الناس استجابةً لهذا التصميم.

وأخيرًا تبارك.. لو كان الشارع قادرًا على الحديث، ماذا تتوقعين أن يقول للمعماريين عن الطريقة التي صُمم بها، وعن الإنسان الذي يمشي فيه كل يوم؟

أعتقد أنه سيقول: لا تنظروا إليّ من المخطط فقط؛ امشوا فيّ.

سيخبرنا أن الخطوط المستقيمة على الورق تصبح رحلة طويلة عندما يقطعها طفل، وأن فرقًا بسيطًا في الارتفاع قد يصبح عائقًا لكبير في السن، وأن الرصيف الواسع في المخطط قد يضيق عندما تمتلئ مساحته بالأعمدة والسيارات والبسطات.

وسيذكرنا بأن الإنسان ليس رقمًا في جدول الحركة، ولا مستخدمًا نضعه في نهاية عملية التصميم. فالشارع يعيش عندما يستطيع الناس الوصول، والحركة، والتوقف، واللقاء، والشعور بالأمان داخله.

لذلك لا تكمن قيمة الشارع في تمرير أكبر عدد من المركبات فقط، بل في استيعاب الحياة التي تحدث على جانبيه وداخله.

ولو كان الشارع قادرًا على الحديث، فستكون رسالته الأخيرة إلى المعماريين بسيطة: لا تصمموا الطريق الذي تريدون للناس أن يسلكوه؛ افهموا أولًا الطريق الذي يضطرون إلى سلوكه، ثم اسألوا أنفسكم لماذا.

فالمدينة لا تكشف حقيقتها في المخططات وحدها، بل في خطوات الإنسان الذي يمشي فيها كل يوم.

نختتم حوارنا، ويبقى السؤال حاضرًا: هل تمنح شوارعنا الجميع فرصة الوصول بأمان؟ شكرنا لتبارك علاء، على هذا الحوار الذي دعانا إلى تأمل تفاصيل مدننا بعين أكثر انتباهًا للإنسان واحتياجاته، مع تمنياتنا لها بالتوفيق في مسيرتها الدراسية والمهنية.

اضف تعليق