قضايا الأحوال الشخصية من أكثر القضايا التي تكشف ما يجري داخل الأسرة، لأن المحامي لا يتعامل فيها مع خلاف قانوني مجرد، وإنما مع زوجين لكل واحد منهما رواية، ومع حقوق وواجبات، وأحيانًا مع أطفال سيكونون أول من يتأثر بما ينتهي إليه النزاع...
قضايا الأحوال الشخصية من أكثر القضايا التي تكشف ما يجري داخل الأسرة، لأن المحامي لا يتعامل فيها مع خلاف قانوني مجرد، وإنما مع زوجين لكل واحد منهما رواية، ومع حقوق وواجبات، وأحيانًا مع أطفال سيكونون أول من يتأثر بما ينتهي إليه النزاع.
والمحامية نورس علي الفتلاوي، من محكمة استئناف كربلاء، تقترب من هذه الملفات من موقع مهني أتاح لها أن ترى تفاصيل كثيرة لا تظهر في الأرقام والإحصاءات؛ خلافات بدأت بسيطة ثم كبرت، ومشكلات كان يمكن أن تنتهي بالحوار قبل أن تصل إلى المحكمة، ومفاهيم قانونية ما زال بعض الأزواج يتعاملون معها بصورة غير دقيقة.
في هذا الحوار، نتحدث معها عن الطلاق كما تراه من داخل المهنة، وعن الأسباب التي تدفع الخلافات الأسرية إلى التصعيد، وتأثير الظروف الاقتصادية ووسائل التواصل الاجتماعي، وما تكشفه هذه القضايا عن التغيرات التي طرأت على الأسرة العراقية.
نبدأ من السؤال الذي يختصر جانبًا كبيرًا من تجربتها:
متى أدركتِ أن قضايا الأحوال الشخصية تتعامل مع مصائر بشر أكثر مما تتعامل مع نصوص قانونية؟
قضايا الأحوال الشخصية متعددة ومتداخلة بالمشاعر الإنسانية، وهي فطرة سليمة لدى الناس كافة. هذه القضايا تتبع التقلبات العاطفية كالحب والكره والانتقام والخيانة والخذلان، ولا يمكن لأي نص قانوني استيعابها.
هنا:
_ السلطة التقديرية الواسعة: القاضي لديه مرونة لتقدير ظروف الأسرة، مثل حجم النفقة.
_ المصلحة الأفضل للطفل: توفير بيئة سليمة خالية من المشاكل.
_ الصلح والإصلاح: دائمًا تسعى المحاكم لتفعيل مكاتب التوجيه الأسري لترميم العلاقات الاجتماعية قبل اللجوء إلى المحاكم.
دور القاضي لديه القدرة على الذكاء العاطفي لاستيعاب الخصوم واحتواء الأزمات النفسية، من خلال دراسة البحث الاجتماعي لدى الأسرة، والبحث المالي والنفسي والمعيشي لتقديم الحلول المناسبة لهم.
كل قاضٍ لديه حكمة في تولي القضايا الاجتماعية، هو السعي لتقليل الخسائر البشرية والنفسية لدى الأطفال.
ماذا علمتكِ ملفات الطلاق يومًا بعد آخر عن طبيعة العلاقات الإنسانية في المجتمع؟
الملفات تكشف أن طبيعة العلاقات الإنسانية تكون هشة بقدر ما هي معقدة. تعلمنا أن غياب الحوار وعدم التواصل بين الزوجين بصورة مباشرة وصحيحة، أو تراكم التنازلات الصامتة لدى الطرف الآخر، وغياب المرونة في الحديث، يحول الروابط الاجتماعية والعاطفية إلى أزمات نفسية تؤدي إلى الطلاق.
أبرز الحقائق تكون:
_ هشاشة التواصل والطلاق العاطفي: ممكن أن تستمر لأسباب مادية أو اجتماعية دون تواصل حقيقي، حيث ينهار الزوج لعدم قدرته على تحمل المسؤولية.
_ أولوية المصالح على العواطف: تشهد ملفات المحاكم أن النزاعات قد تحول الحب إلى عداوة شديدة، أو التلاعب بالحقوق عند البعض، أو التهرب من النفقة.
_ تأثير الضغوط الخارجية: كالبطالة والفقر، لها تأثير على الأسرة حتمًا، ويؤدي إلى الطلاق بسبب تصدع العلاقات الزوجية.
_ نظرة المجتمع: تكون ظالمة وقاسية على الأفراد بعد الانفصال، وخصوصًا النساء، واللوم المستمر وعدم اختيار شريك مناسب، وإلى آخره.
_ غياب مفاهيم النضج والشراكة: لفهم حقيقة الزوج، مما يؤدي إلى الاصطدام بأول عقبة حقيقية واللجوء إلى الطلاق دون إيجاد حلول سلمية.
أي المشاهد بقيت عالقة في ذاكرتكِ منذ دخولكِ مهنة المحاماة، ولماذا؟
أكثر المشاهد تأثيرًا بالنسبة إليّ بقيت في ذاكرتي: لحظة براءة شخص، أو لحظة انهيار شخص آخر في صدور حكم قاسٍ بحقه، سجن مؤبد، أو تسوية نزاع عائلي. هنا تظهر القوة الهائلة للقانون.
ممكن أن تكون هناك ضغوط نفسية للموكل التي أواجهها أثناء مهنتي، وقضايا صعبة فعلًا. القضاء دائمًا يكون وسيلة لصلاح المجتمع، وليس صراعًا قضائيًا.
كيف يتحول الخلاف البسيط بين زوجين إلى قضية يصعب على القانون وحده احتواؤها؟
في بعض الأحيان، الخلاف البسيط يتحول إلى قضية معقدة بسبب تراكم المشاعر السلبية، أو غياب لغة الحوار، وتدخل الأطراف الخارجية، مما يفقد القانون قدرته على حل الأزمة من جذورها، لأنه يعالج الظاهرة السطحية.
_ التراكم النفسي: كبت الغضب وعدم حل المشكلات الصغيرة.
_ تدخل الأهل والأصدقاء: إدخال أطراف خارجية يوسع دائرة النزاع ويتحول إلى صراع.
_ غياب التواصل الفعال: تحويل النقاش إلى لغة اتهامات.
_ العلاج الشكلي: القانون يقتصر على فض النزاع وتطبيق العقوبات دون وجود لعلاج الأسباب النفسية.
_ فقدان المودة: القانون ينظم الحقوق والواجبات، ولا يستطيع إعادة الحب والسلام بين الزوجين.
أين تتقاطع العدالة القانونية مع العدالة الإنسانية داخل قاعة المحكمة؟
العدالة القانونية تتقاطع مع العدالة الإنسانية داخل قاعة المحكمة عبر تطبيق النصوص بميزان العدالة، وتحقيق التوازن وموازنة الأدلة بإنصاف تام.
تفسير النصوص: يوازن القاضي بين نصوص القانون الثابتة والظروف البشرية المتغيرة للمتهم.
ميزان الإنسانية: مراعاة الأعذار المحققة والظروف النفسية والاجتماعية في تقدير العقوبة.
إثبات الحقيقة: البحث عن الحقيقة المادية والواقعية، وليس فقط الاكتفاء بالأدلة الشكلية.
ما أكثر المفاهيم الخاطئة التي يحملها الأزواج عن حقوقهم وواجباتهم قبل اللجوء إلى القضاء؟
بعض المفاهيم الخاطئة بأن النفقة تسقط بالتقادم، وأن طاعة الزوج مطلقة حتى في المعصية، وأن الحضانة تنتقل للأب عند سن معين دون مراعاة مصلحة المحضون، وهنا الضرر النفسي والمادي يعدان أساسًا للتفريق القضائي.
مفاهيم خاطئة تخص المال والنفقة:
1_ الذمة المالية.
2_ سقوط النفقة.
3_ الإنفاق مقابل الطاعة.
مفاهيم خاطئة تخص القوامة والطاعة:
1_ إطلاق اليد بالمنع.
2_ الطاعة العمياء.
3_ مشروعية الهجر والتأديب.
مفاهيم خاطئة تخص الطلاق والحضانة:
1_ التنازل عن الحقوق.
2_ آلية التفريق.
3_ الحضانة التلقائية.
كيف غيّرت وسائل التواصل الاجتماعي شكل النزاعات الأسرية مقارنة بما كان يحدث قبل سنوات؟
وسائل التواصل الاجتماعي جعلت النزاعات الأسرية علنية وسريعة الانتشار وأكثر تعقيدًا. انتقلت الخلافات من الجدران المغلقة إلى الفضاء الرقمي، وضاعفت سرعة تطور المشكلات وإدخال أطراف أخرى خارجية في الخصومات الأسرية، بينما كانت المشاكل قديمًا تحل غالبًا في إطار ضيق ومكتوم.
هناك آثار لوسائل التواصل على النزاعات الأسرية:
1_ العلنية والتوثيق.
2_ تدخل الغرباء.
3_ المقارنة والغيرة.
4_ الخيانة الإلكترونية.
في الماضي كانت:
1_ خصوصية تامة.
2_ البطء والتهدئة.
3_ التدخل العائلي التقليدي.
4_ غياب المشتتات الخارجية.
ما الذي تقوله قضايا الطلاق عن التحولات الثقافية والاجتماعية التي يعيشها المجتمع العراقي؟
تعكس قضايا الطلاق في العراق تحولات عميقة في البنية الاجتماعية والثقافية. ينتقل الطلاق من كونه «عيبًا» محاطًا بقيود صارمة إلى واقع أكثر تقبلًا، نتيجة تأثيرات الرقمية والضغوط الاقتصادية وتغير أدوار الأفراد داخل الأسرة، مما يدل على اهتزاز المنظومة القيمية التقليدية أمام رياح الحداثة.
إلى أي مدى تؤثر الضغوط الاقتصادية في قرارات الانفصال مقارنة بالعوامل النفسية والعاطفية؟
الضغوط الاقتصادية محفز مباشر للخلافات، نسبة تتراوح بين 30% إلى 40% من حالات الانفصال التي تحدث بسبب هذه العوامل، والسبب الجذري والأساسي في قرارات الطلاق نسبة تتجاوز 60%، من حيث العوز المالي، توتر سلوكيًا يخلق مشكلات عاطفية كامنة.
دور الضغوط الاقتصادية:
1_ توليد النزاعات: نسبة الشجار اليومي بين الأزواج بنحو 35% يوميًا.
2_ فقدان الأمان: يؤدي العجز إلى الشعور بعدم الاستقرار.
3_ الضغط الضاغط: تتحول البطالة والتضخم إلى بيئة تغذي الانفعالات السلبية.
كيف تحافظين على مهنيتكِ عندما تجدين نفسكِ أمام قضية تمس مشاعركِ أو قناعاتكِ الشخصية؟
هناك فصل تام بين القيم الشخصية والواجب المهني. من واجبي الالتزام بالمعايير الأخلاقية والتركيز على الأدلة والحقائق وطلب الدعم وعدم التخلي أمام أي مشاعر أو قضية.
عن نفسي أمتلك وعيًا ذاتيًا:
1_ مراقبة مشاعري مبكرًا.
2_ أعترف بوجود قناعة تامة.
الفصل العاطفي:
1_ أركز على القوانين وقواعد المهنة.
2_ أتعامل مع القضية كموضوع بحث.
أطلب الدعم والتنحي:
1_ أستشير رئيسًا أو زميلًا موثوقًا.
2_ أنسحب من القضية إذا كان التحيز محتومًا.
في نهاية هذا الحوار، تبقى قضايا الأحوال الشخصية أكبر من مجرد ملفات تُفتح وتُغلق؛ لأنها ترتبط بحياة أشخاص وقرارات تمتد آثارها إلى الأسرة والأبناء.
وقد حاولت الفتلاوي، من خلال تجربتها المهنية، أن تضع أمامنا صورة قريبة من واقع هذه القضايا، بما تحمله من تعقيدات قانونية وإنسانية واجتماعية، وأن توضح بعض المفاهيم التي قد يلتبس فهمها على الأزواج قبل الوصول إلى القضاء.
نتقدم لها بخالص الشكر والتقدير على وقتها، وعلى صراحتها في الإجابة، وعلى مشاركتنا جانبًا من تجربتها المهنية ورؤيتها لما يجري في ملفات الأحوال الشخصية.
شكرًا للمحامية نورس علي الفتلاوي، ولكم أنتم على القراءة.



اضف تعليق